الموضوع: الدعوة والدعاة
عرض مشاركة واحدة
قديم 18-04-2004   #6 (permalink)
أحمد سعد الدين
مشرف سابق
 










    

كيف
ندعو الناس

الشيخ محمد قطب



مقدمة
الدعوة إلى الله تكليف دائم بالنسبة لهذه الأمة0 ‏
‏((ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم ‏المفلحون))(‏ ‏)0 ‏
ذلك أنها أمة خاتم الرسل ‏‎‎، التى تحمل رسالته من بعده، ورسالته ‏‎‎‏ موجهة إلى البشرية كافة، ‏وإلى الزمن كله، من لدن بعثته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها0 ‏
وهى رسالة ذات شقين: شق موجه للذين لم يؤمنوا بهذا الدين بعد، لدعوتهم إلى الإيمان؛ وشق ‏موجه للذين آمنوا، لتذكيرهم وترسيخ إيمانهم: ‏
‏((وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين))(‏ ‏)0‏
‏((يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من ‏قبل))(‏ ‏)0‏
ولكن الأمة الإسلامية تمر اليوم بظروف خاصة، ربما لم تمر بها من قبل، فقد هبطت معرفتها ‏بالإسلام إلى أدنى حد وصلت إليه فى تاريخها كله، وأما ممارستها للإسلام فهى أدنى من ذلك بكثير!‏
ولذلك فإن مهمة الدعوة اليوم أخطر بكثير من مهمتها فى الظروف السابقة، فلم تعد مجرد ‏التذكير، بل أوشكت أن تكون إعادة البناء، الذى تهاوت أسسه وأوشكت أن تنهار، فى الوقت الذى ‏تداعت فيه الأمم على الأمة الإسلامية من كل جانب، كما أخبر الرسول‎‎‏ : ((يوشك أن تداعى عليكم ‏الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها))0 قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: ((بل أنتم يومئذ ‏كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من صدور أعدائكم، وليقذفن فى قلوبكم ‏الوهن))0 قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: ((حب الدنيا وكراهية الموت))(‏ ‏)0‏
وكلنا ثقة أن البناء سيعود بإذن الله، وسيعود شامخاً كما كان0 والمبشرات كلها تشير إلى جولة ‏جديدة للإسلام، ممكنة فى الأرض، على الرغم من كل الحرب التى تشنها الجاهلية فى الأرض كلها على ‏الإسلام0 ولكنها مهمة شاقة فى الغربة الثانية للإسلام: ((بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما ‏بدأ))(‏ ‏)00 مهمة تحتاج إلى شغل فائق وبصيرة نافذة0 ‏
ففى الغربة الأولى كان الإسلام معلوماً عند الناس فى أصوله العامة على الأقل، وهى الإيمان بالله ‏الواحد والإيمان بالوحى والنبوة والإيمان بالبعث، سواء فى ذلك من دخل فى الدين الجديد، ومن وقف ‏يحاربه أشد الحرب، ويرصد طاقته كلها لمحاولة القضاء عليه، وإنما كان سبب الغربة قلة المؤمنين به، ‏وضعفهم وهوانهم على الناس، وكثرة الرافضين له، وطغيانهم فى الأرض0 ‏
قال ورقة بن نوفل لرسول الله‎‎، حين أخبرته خديجة رضى الله عنها بقصة الوحى: ليتنى أكون ‏فيها جذعاً حين يخرجك قومك! قال: ((أو مخرجى هم؟)) قال: ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا ‏عودى!(‏ ‏)0 ‏
وسأل رجل رسول الله‎‎‏ : إلى أى شئ تدعو الناس؟ قال: ((أدعوهم لـ لا إله إلا الله))0 قال: ‏قال هذا أمر لا تتركه لك العرب!‏
أما فى الغربة الثانية فالأمر مختلف، وإن كانت الغربة غربة فى جميع الأحوال0 ‏
الإسلام اليوم غريب على أهله، فضلاً عن غربته على باقية الناس، وحين تعرضه عليهم على ‏حقيقته يستوحشون منه، ويقولون لك: من أين جئت بهذا؟ ليس هذا هو الإسلام الذى نعرفه!‏
حين قول للطائف حول الضريح، يتمسح به، ويطلب البركات من صاحبه المتوفى منذ سنين أو ‏منذ قرون: أن هذا شرك لا يجوز! يقول لك: من أين جئت بهذا؟ إنك أنت الذى تريد أن تجرد الإسلام ‏من روحانيته!‏
وحين تقول لمن يشرع بغير ما أنزل الله، ولمن يرضى بشرع غير شرع الله: هذا شرك0 يقول ‏لك: من أين جئت بهذا؟ هذا تطرف وجمود ورجعية! الدنيا تطورت! أو يقول لك على أقل تقدير: ‏شرك دون شرك! شرك لا يخرج من الملة! ‏
وحين تقول لأستاذ علم الاجتماع، وأستاذ علم النفس، وأستاذ التربية، وأستاذ التاريخ000 إن ‏ما درستموه من علوم الغرب، وما تدرسونه لطلابكم مخالف للمفاهيم الإسلامية، وفى بعض الأحيان ‏مصادم مصادمة صريحة للعقيدة، يقولون لك- إلا ما رحم بك-: ما للإسلام وهذه الأمور؟ تريدون أن ‏تحشروا الإسلام فى كل شئ؟ هذا علم، والإسلام دين! والدين لا دخل له بالعلم! ‏
ومئات من الأمور00 حين تعرض حقيقة الإسلام فيها للناس يستوحشون،وفى أقل القليل ‏يستغربون، وتحتاج إلى جهد كبير لإقناعهم بأن هذا هو ما جاء من عند الله، وليس ما تصوروه هم على ‏أنه الإسلام! ‏
وذلك كله فى مجال((المعرفة))00 أما مجال الممارسة فالجهد المطلوب فيه قد يكون أشد!‏
إن المعرفة وحدها لا تكفى، وإن كانت هى البداية التى لابد من البدء بها قبل كل شئ، وقد ‏كانت الكلمة الأولى التى بدأ بها الوحى هى كلمة((اقرأ))(‏ ‏)، ثم نزل على رسول الله‎‎‏ بعد فترة قوله ‏تعالى: ((فاعلم أنه لا إله إلا الله))(‏ ‏)0 والعلم- كما فهمه السلف الصالح رضوان الله عليهم- ليس مجرد ‏المعرفة، إنما هو المعرفة التى تؤدى إلى العمل، ومن ثم انتقلت المعرفة من طور التعرف على الحقيقة إلى ‏طور العمل بمقتضاها0 ‏
ولئن كان تعريف الناس بدقائق مفهوم لا إله إلا الله قد استغرق من جهد الرسول‎‎‏ شيئاً غير ‏قليل فى غربة الإسلام الأولى، فإن الجهد الحقيقى الذى بذله رسول الله‎‎‏ - فى مكة خاصة- كان هو ‏تربية المؤمنين الذين قبلوا الحق وآمنوا به، على مقتضيات لا إله إلا الله، مرحلة بعد مرحلة حتى استقاموا ‏على الطريق، بدءاً بتربية القاعدة الصلبة الراسخة البنيان، ثم تربية سائر الناس0 ‏
واليوم- فى غربة الإسلام الثانية- تواجه الدعوة ضرورة بذل الجهد فى الأمرين معاً: التعريف والتربية0 ‏
فالتعريف بالإسلام لقوم يعرفون بعضه ويجهلون بعضه، ويظنون فى الوقت ذاته أنهم يعرفونه كله، ‏مشكلة تحتاج إلى جهد ليس بالقليل0 أما التربية- بالنسبة للقاعدة على الأقل- فمشكلة تحتاج إلى جهد ‏أكبر؛ لتعدد مجالات التربية المطلوبة من جهة، ولأن النفوس لا تتخلى عن مألوفاتها بسهولة، ولا ‏تستجيب استجابة فورية لكل ما يطلب منها من تكاليف00 فضلاً عن كون المطلوب ليس مجرد بناء ‏نفوس مؤمنة، بل إعداد شخصيات فائقة التكوين، تصلح لحمل المهمة الضخمة التى تواحهها0 ‏
ومن المهم- إلى الدرجة القصوى- أن نعرف كيف ندعو الناس00 فالأزمة التى يمر بها العالم ‏الإسلامى اليوم أزمة حادة، ربما كانت أشد أزمة مرت به فى التاريخ00 وتجمع الأعداء لحرب الإسلام، ‏بما لم يسبقه من قبل تجمع بهذا الحجم وبهذا الإصرار0 وحاجة البشرية إلى الإسلام اليوم لا تقل عن ‏حاجتها إليه يوم أنزل على رسول الله‎‎‏ 0 ‏
وما لم نسر فى طريق الدعوة على خطى مستبصرة، مستمكنة فى ذات الوقت، فقد لا نصل إلى ‏ما نهدف إليه، وقد يذهب الكثير من جهدنا بغير طائل حقيقى0 ‏
ولقد كان موضوع الدعوة يشغل تفكيرى منذ أمد ليس بالقصير، فيرد على خاطرى سؤال ملح: ‏كيف ندعو الناس؟ ما الأسلوب الصحيح للدعوة؟ خاصة وأنا أرى فى مسيرة الدعوة- بين الحين ‏والحين- ما يبدو أنه تقصير فى بعض الجوانب، أو تعجل فى بعض الجوانب، أو انحراف فى بعض ‏الجوانب00 فأقول فى نفسى: إنه لابد من مراجعة شاملة لمسيرة الدعوة خلال ما يزيد عن نصف قرن؛ ‏حتى نستكمل ما وقع فى مسيرتنا من نقص، ولا نكرر ما وقعنا فيه من أخطاء، وحتى نستفيد من عبرة ‏الماضى لتقويم الحاضر، وتسديد العمل من أجل المستقبل، وتلك مهمة جادة يجب أن تشغل الدعاة فى ‏كل مرحلة من مراحل السير0 ‏
وفى هذه الصفحات، أحاول أن أعرض ما يجول فى خاطرى من أفكار فى هذا الشأن، وهو أولاً ‏وآخراً اجتهاد يخطئ ويصيب، أدعو الله أن يوفقنى فيه إلى السداد: ((إن أريد إلا صلاح ما استطعت وما ‏توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب))(هود : 88)0‏
محمد قطب ‏


أحمد سعد الدين غير متصل عرض ألبوم أحمد سعد الدين   رد مع اقتباس