الموضوع: الدعوة والدعاة
عرض مشاركة واحدة
قديم 18-04-2004   #7 (permalink)
أحمد سعد الدين
مشرف سابق
 










    

تأملات ف نشأة الجيل الأول
نحتاج أن نقف وقفات طويلة نتأمل فيها نشأة الجيل الأول؛ لأن فيها زاداً كاملاً لكل من أراد أن ‏يدعو، أو يتحرك بهذا الدين فى عالم الواقع، فقد صنع ذلك الجيل على عين الله سبحانه وتعالى، كما قال ‏سبحانه لموسى عليه السلام : ((ولتصنع على عينى))(طه : 39)، ونشأ على يدى أعظم مرب فى تاريخ ‏البشرية، محمد رسول الله‎‎، فكان جيلاً فريداً فى تاريخ البشرية كله، يوجهه الله بالوحى، ويتابعه رسول ‏الله‎‎‏ بالتربية والتوجيه، فاكتملت له كل وسائل النشأة الصحيحة فى أعلى صورة، فأصبح كالدرس ‏‏((النموذجى))، الذى يلقيه الأستاذ ليعلم طلابه كيف يدرسون، حين يئول إليهم أمر التعليم.‏
ثم إن إرادة الله سبحانه وتعالى قد اقتضت أن يتم أمر هذا الدين على السنن الجارية ‏‎–‎‏ لا ‏الخارقة- لحكمة أرادها الله، لكى لا يتقاعس جيل من الأجيال فيقول: إنما نصر الجيل الأول بالخوارق، ‏وقد انقطعت الخوارق بعد رسول الله‎‎‏ !‏
فما كان فى هذا الدين من عناصر غير بشرية، فهو الوحى المنزل من عند الله، وذلك باق ومحفوظ ‏بحفظ الله: ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون))(الحجر:9)0‏
وهو بالنسبة للجيل الأول كالجيل الأخير، هو كلمة الله لهذه الأمة، وللبشرية كافة، تحمل حقيقة ‏هذا الدين، وتحمل المنهج الربانى، الذى يريد الله من البشر، إلى قيام الساعة، أن يقيموا عليه حياتهم، ‏ويؤسسوا عليه بنيانهم، سواء كان هو الكتاب المنزل، أو البيان الذى قام به رسول الله ‏‎‎‏ لهذا الكتاب، ‏بالسنة القولية أو العملية: ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون)) (النحل: ‏‏44) . ((وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحى يوحى))(النجم : 3-4)0‏
أما قتال الملائكة مع المؤمنين فى بدر، فلم يكن هو فى ذاته الخارقة: ((إذ يوحى ربك إلى الملائكة ‏أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم ‏كل بنان))(الأنفال : 12) 00 فنزول الملائكة وتثبيتهم للبشر، لا يقتصر على معركة بدر، إنما قد يحدث ‏بأمر الله فى أية مناسبة: ((إن الذين قالوا ربنا ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ‏وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون(30) نحن أولياؤكم فى الحياة الدنيا وفى الآخرة00)) (فصلت : 30-‏‏31) 0‏
إنما كانت الخارقة هى رؤية المؤمنين للملائكة وهى تقاتل معهم : ((وما جعله الله إلا بشرى لكم ‏ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم))(آل عمران : 126)0‏
وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد اختص بها أهل بدر من دون المؤمنين، فقد كانت بدر حدثا ‏كونياً لا يتكرر كل يوم : ((يوم الفرقان يوم التقى الجمعان))(الأنفال : 41) .. فهى التى كتبت ‏التاريخ، وليس فى كل يوم يكتب التاريخ .. إنما تكتب منه سطور إثر سطور!‏
وفيما عدا هذه الخارقة التى اختص بها أهل بدر، كوفيما عدا ما يختص بشخص الرسول‎‎، فقد ‏جرت أمور الإسلام كلها على السنة الجارية، من استضعاف فى المبدأ، وابتلاء وصبر وتمحيص، ثم تمكين ‏على تخوف، ثم تمكين على استقرار وقوة، ثم انتشار فى الأرض. لذلك فإن الدروس المستفادة من نشأة ‏الجيل الأول هى دروس دائمة، لا تتعلق بالنشأة الأولى وحدها، وإنما هى قابلة للتطبيق فى كل مرة تتشابه ‏فيها الظروف أو تتماثل، لأنها سنن جارية، وليست حوادث مفردة عابرة لا تتكرر0‏
وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد وجهنا فى كتابه المنزل، لتدبر السنن الربانية، ودراسة التاريخ ‏‎–‎‏ ‏الذى هو فى الحقيقة مجرى السنن فى عالم الواقع ‏‎–‎‏ فنحن جديرون أن نعكف على دراسة النشأة الأولى؛ ‏لنستخلص منها الدروس والعبر، ولتكون هادياً لنا فى كل تحرك نقوم به، ومحكاً لاستقامتنا على الطريق ‏أو انحرافنا عنه0‏
وقد استوقفنى فى أمر النشأة الأولى عدة أمور، زاد من رغبتى فى تدبرها وتأملها ما أراه بين الحين ‏والحين من مخالفة لمقتضياتها فى مسيرتنا الحالية، وما أراه قد ترتب على هذه المخالفة من نتائج معوقة ‏للمسيرة، فأحببت أن أعرض بعض هذه الأمور فى هذه الصفحات، داعياً الله أن يجنبنا الزلل دائماً وأن ‏يهدينا إلى سواء السبيل0‏
‏* * *‏


أحمد سعد الدين غير متصل عرض ألبوم أحمد سعد الدين   رد مع اقتباس