تأملات ف نشأة الجيل الأول
نحتاج أن نقف وقفات طويلة نتأمل فيها نشأة الجيل الأول؛ لأن فيها زاداً كاملاً لكل من أراد أن يدعو، أو يتحرك بهذا الدين فى عالم الواقع، فقد صنع ذلك الجيل على عين الله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه لموسى عليه السلام : ((ولتصنع على عينى))(طه : 39)، ونشأ على يدى أعظم مرب فى تاريخ البشرية، محمد رسول الله، فكان جيلاً فريداً فى تاريخ البشرية كله، يوجهه الله بالوحى، ويتابعه رسول الله بالتربية والتوجيه، فاكتملت له كل وسائل النشأة الصحيحة فى أعلى صورة، فأصبح كالدرس ((النموذجى))، الذى يلقيه الأستاذ ليعلم طلابه كيف يدرسون، حين يئول إليهم أمر التعليم.
ثم إن إرادة الله سبحانه وتعالى قد اقتضت أن يتم أمر هذا الدين على السنن الجارية – لا الخارقة- لحكمة أرادها الله، لكى لا يتقاعس جيل من الأجيال فيقول: إنما نصر الجيل الأول بالخوارق، وقد انقطعت الخوارق بعد رسول الله !
فما كان فى هذا الدين من عناصر غير بشرية، فهو الوحى المنزل من عند الله، وذلك باق ومحفوظ بحفظ الله: ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون))(الحجر:9)0
وهو بالنسبة للجيل الأول كالجيل الأخير، هو كلمة الله لهذه الأمة، وللبشرية كافة، تحمل حقيقة هذا الدين، وتحمل المنهج الربانى، الذى يريد الله من البشر، إلى قيام الساعة، أن يقيموا عليه حياتهم، ويؤسسوا عليه بنيانهم، سواء كان هو الكتاب المنزل، أو البيان الذى قام به رسول الله لهذا الكتاب، بالسنة القولية أو العملية: ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون)) (النحل: 44) . ((وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحى يوحى))(النجم : 3-4)0
أما قتال الملائكة مع المؤمنين فى بدر، فلم يكن هو فى ذاته الخارقة: ((إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان))(الأنفال : 12) 00 فنزول الملائكة وتثبيتهم للبشر، لا يقتصر على معركة بدر، إنما قد يحدث بأمر الله فى أية مناسبة: ((إن الذين قالوا ربنا ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون(30) نحن أولياؤكم فى الحياة الدنيا وفى الآخرة00)) (فصلت : 30-31) 0
إنما كانت الخارقة هى رؤية المؤمنين للملائكة وهى تقاتل معهم : ((وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم))(آل عمران : 126)0
وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد اختص بها أهل بدر من دون المؤمنين، فقد كانت بدر حدثا كونياً لا يتكرر كل يوم : ((يوم الفرقان يوم التقى الجمعان))(الأنفال : 41) .. فهى التى كتبت التاريخ، وليس فى كل يوم يكتب التاريخ .. إنما تكتب منه سطور إثر سطور!
وفيما عدا هذه الخارقة التى اختص بها أهل بدر، كوفيما عدا ما يختص بشخص الرسول، فقد جرت أمور الإسلام كلها على السنة الجارية، من استضعاف فى المبدأ، وابتلاء وصبر وتمحيص، ثم تمكين على تخوف، ثم تمكين على استقرار وقوة، ثم انتشار فى الأرض. لذلك فإن الدروس المستفادة من نشأة الجيل الأول هى دروس دائمة، لا تتعلق بالنشأة الأولى وحدها، وإنما هى قابلة للتطبيق فى كل مرة تتشابه فيها الظروف أو تتماثل، لأنها سنن جارية، وليست حوادث مفردة عابرة لا تتكرر0
وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد وجهنا فى كتابه المنزل، لتدبر السنن الربانية، ودراسة التاريخ – الذى هو فى الحقيقة مجرى السنن فى عالم الواقع – فنحن جديرون أن نعكف على دراسة النشأة الأولى؛ لنستخلص منها الدروس والعبر، ولتكون هادياً لنا فى كل تحرك نقوم به، ومحكاً لاستقامتنا على الطريق أو انحرافنا عنه0
وقد استوقفنى فى أمر النشأة الأولى عدة أمور، زاد من رغبتى فى تدبرها وتأملها ما أراه بين الحين والحين من مخالفة لمقتضياتها فى مسيرتنا الحالية، وما أراه قد ترتب على هذه المخالفة من نتائج معوقة للمسيرة، فأحببت أن أعرض بعض هذه الأمور فى هذه الصفحات، داعياً الله أن يجنبنا الزلل دائماً وأن يهدينا إلى سواء السبيل0
* * *