الموضوع: الدعوة والدعاة
عرض مشاركة واحدة
قديم 18-04-2004   #8 (permalink)
أحمد سعد الدين
مشرف سابق
 










    

من أشد ما استوقفنى فى مسيرة الجيل الأول، ذلك الأمر الربانى للمؤمنين أن يكفوا أيديهم فى مرحلة ‏التربية بمكة، وأن يتحملوا الأذى صابرين، وقد أشار الله إلى هذا الأمر فى قوله تعالى، مذكراً به: ((ألم تر ‏إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة))(النساء : 77)0‏
وكان بعض الصحابة رضوان الله عليهم قد سأل الرسول‎‎‏ حين اشتد الأذى بالمؤمنين: ألا نقاتل ‏القوم؟ فقال عليه الصلاة والسلام : (( ما أمرنا بقتالهم))(‏ ‏)0‏
ولم يرد فى النصوص ‏‎–‎‏ لا فى الكتاب ولا فى السنة ‏‎–‎‏ بيان لحكمة هذا الأمر الربانى، ومن ثم ‏فالأمر متروك للاجتهاد لمعرفة الحكمة منه، وربما كان أيسر سبيل للتعرف على حكمته، أن نفترض أن ‏المؤمنين كانوا قد دخلوا فى معركة مع قريش فى ذلك الحين، فماذا كان يمكن أن يترتب على ذلك؟ ثم ‏نتدبر الفوائد التى تحققت حين كفوا أيديهم ولم يدخلوا فى معركة فى ذلك الوقت0‏
أبسط ما يمكن أن يتصور من نتائج هذه المعركة غير المتكافئة، أن تتمكن قريش من إبادة ‏المؤمنين، وهم حينئذ قلة مستضعفة لا سند لها، فينتهى أمر الدعوة الجديدة فى معركة واحدة أو عدة ‏معارك متلاحقة، دون أن يتحقق الهدف، ودون أن يتعرف الناس على حقيقة الدعوة، ودون أن يكتب ‏لها الانتشار 0‏
ونفترض أن المعركة ‏‎–‎‏ على الرغم من عدم تكافئها ‏‎–‎‏ لم تؤد إلى إبادة المؤمنين كلهم، فثمة أمر ‏آخر على غاية من الأهمية، يلفت انتباهنا بشدة، لاتصاله بما يجرى من أحداث فى وقتنا الحاضر0‏
لمن كانت الشرعية فى تلك المرحلة فى مكة؟ لقد كانت فى حس الناس جميعاً لقريش..!‏
وما وضع المؤمنين يومئذ؟ وضعهم أنهم خارجون على الشرعية 00!‏
ومن حق صاحب الشرعية ‏‎–‎‏ ولاشك ‏‎–‎‏ أن يؤدب الخارجين عليه !‏
وصحيح أن قريشاً تشتد فى ((التأديب)) إلى حد الفظاظة والقسوة، وأن بعض الناس قد يتأذى ‏لهذه الفظاظة، حتى ليحاول أن يبسط حمايته ‏‎–‎‏ أو جواره ‏‎–‎‏ على بعض المعذبين المستضعفين، ولكن يظل ‏الأمر فى حس الناس ‏‎–‎‏ من حيث المبدأ ‏‎–‎‏ أن قريشاً هى صاحبة الشرعية، وأن المؤمنين خارجون على ‏الشرعية، وأن من حق صاحب الشرعية أن يؤدب الخارجين عليه!‏
فهل كان من مصلحة الدعوة أن يدخل المؤمنون يومئذ فى معركة مع قريش، وهذا التصور هو ‏السائد بين الناس؟!‏
كلا بالطبع !‏
والآن فلننظر ماذا تم حين استجاب المؤمنون للأمر الربانى وكفوا أيديهم0‏
لقد تمت أمور كثيرة فى الحقيقة 00‏
ففى البيئة العربية المعروفة ((بإباء الضيم))، والتى تحدث فيها المعارك الضاربة، لأسباب نرى نحن ‏اليوم أنها تافهة، لا تستحق أن تراق فيها قطرة دم واحدة، وقد تطول تلك المعارك سنوات عديدة، ويفنى ‏فيها كثير من الخلق كمعركة داحس والغبراء(‏ ‏)00 فى البيئة التى يمتشق فيها الرجل الحسام لأدنى إهانة ‏توجه إليه، والتى يقول فيها عنترة : ‏
ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر للحرب دائرة على ابنى ضمضم
الشاتمى عرضى لوم أشتمهما والناذرين إذا لم القهما دمى !‏
ويقول غيره : ‏
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا !‏
فى تلك البيئة، يؤذى رجال ذوو حسب ونسب، منهم من هو من أشراف قريش ذاتها، ثم لا ‏يردون!‏
شىء يلفت النظر ولاشك، لأنه مخالف مخالفة تامة لأعراف البيئة 00‏
بعبارة أخرى، شىء ليس من صنع البيئة 00 فلابد أن يكون من صنع شىء آخر خلاف البيئة!‏
ثم يشتد الأذى ويستمر وهم صابرون!‏
هنا معنى جديد ليس من صنع البيئة كذلك، ففى سبيل أى شىء يحتمل هؤلاء ما يقع عليهم من ‏الأذى، ثم يظلون مصرين على التمسك بما يعرضهم للأذى؟
أفى سبيل شرف القبيلة؟ أفى سبيل مغنم من مغانم الأرض؟ أفى سبيل شهوة من شهوات الأرض؟
لا شىء من ذلك كله 00 إنما هو سبيل ((عقيدة)) يعتقدونها 0‏
وقد تفهم هذه البيئة أن تكون العقيدة أعرافاً وتقاليد، يستمسك الناس بها، وقد يقاتلون من ‏أجلها، أما أن يتحملوا الأذى فى سبيلها ‏‎–‎وهم لا يردون ‏‎–‎‏ فأمر جديد كل الجدة على هذه البيئة، بيئة ‏الأعراف والتقاليد !‏
ثم نمضى شوطاً آخر، فيتضح أمر جديد 0‏
إن الأذى يشتد حتى يصبح مقاطعة اقتصادية واجتماعية، ويصل إلى حد التجويع، بل يصل ‏ببعض الناس حتى الموت، ولا يتخلفون عن عقيدتهم!‏
لا يمكن ‏‎–‎‏ فى عرف البيئة، ولا فى عرف البشر عامة ‏‎–‎‏ أن يتحمل الناس مثل هذا الأذى من ‏أجل باطل 00 إنما لابد أن يكون حقاً يعتقده صاحبه، ويحتمل الأذى من أجله، ويموت من أجله0‏
بل إن هذا الحق الذى يعتقده هو أغلى عليه من أمنه وراحته ومكانته وكرامته 00 وحتى من ‏نفسه، حتى من حياته 0‏
تلك المعانى كلها، التى برزت للوجود من خلال ((كفوا أيديكم)) هى التى أتت بالأنصار من ‏المدينة، حتى وإن لم تغير كثيراً من الأحوال فى مكة !‏
نستطيع أن نقول فى عبارة موجزة : إن أهل مكة اصطلوا النار، ولكن أهل المدينة استضاءوا بها ‏عن بعد، فاهتدوا إلى الحق الذى شاء الله لهم أن يهتدوا إليه 0‏
‏* * *‏


أحمد سعد الدين غير متصل عرض ألبوم أحمد سعد الدين   رد مع اقتباس