الموضوع: الدعوة والدعاة
عرض مشاركة واحدة
قديم 18-04-2004   #9 (permalink)
أحمد سعد الدين
مشرف سابق
 










    

ولم يكن هذا وحده هو الذى اتضح للأنصار، من خلال ((كفوا أيديكم)).. لقد اتضح أمر أخر له ‏أهميته البالغة فى خط سير الدعوة، وهو قضية ((الشرعية))0‏
يقول سبحانه وتعالى فى سورة الأنعام، وهى سورة مكية: ((وكذلك نفصل الآيات ولتستبين ‏سبيل المجرمين))(الأنعام : 55)0‏
وكأن المعنى: نظل نفصل الآيات حتى تستبين سبيل المجرمين0‏
وورود هذا المعنى فى آية مكية له دلالة واضحة، أو ينبغى أن تكون واضحة، فاستبانة سبيل ‏المجرمين هدف مقصود، تبينه لام التعليل فى قوله تعالى : ((ولتستبين)). ونزول هذه الآية فى الفترة المكية، ‏معناه أن استبانة سبيل المجرمين هى من أهداف الدعوة، بل من لوازم الدعوة فى الفترة الأولى التى يتم فيها ‏نشأة الجماعة المسلمة0‏
فما الذى تحققه استبانة سبيل المجرمين للدعوة؟
إن استبانة سبيل المجرمين تتضمن أمرين: أولاً : بيان من هم المجرمون؟ وثانياً: بيان السبيل الذى ‏يسلكونه، والذى من أجله أصبحوا مجرمين0‏
فمن هم المجرمون؟ وما سبيلهم؟ وما علاقة تفصيل الآيات باستبانة سبيلهم؟
لقد فصلت الآيات قضية الألوهية، وهى القضية الأولى والكبرى فى القرآن كله، والسور المكية ‏بصفة خاصة 0‏
فصلت الآيات أنه إله واحد لا شريك له، ولا يمكن أن يكون له شركاء فى الخلق ولا فى التدبير، ‏ولا فى أى شأن من الشئون، وظلت الآيات تتنزل مبينة صفات ذلك الإله، وتنفى عنه الشركاء حتى صار ‏المعنى واضحاً تماماً، سواء لمن آمن أو لمن كفر، فقد كان الكفار قد أصبحوا على بينة تامة مما يريد منهم ‏رسول الله‎‎‏ أن يعلموه ويؤمنوا به، حتى قالوا كما روى الله عنهم: ((أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا ‏لشىء عجاب))(ص:5)0‏
ولما تبين أنه إله واحد لا شريك له، طلب من الناس أن يعبدوه وحده بلا شريك؛ لأنه وحده ‏الحقيق بالعبادة، وأن ينبذوا ما يدعون من الآلهة الزائفة، وأن يتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم، ولا يتبعوا من ‏دونه أولياء: ((اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون))(الأعراف: ‏‏3)0‏
وعلى هذا فقد انقسم الناس فريقين اثنين: فريق المؤمنين، وهم الذين آمنوا أنه إله واحد، فعبدوا ‏وحده بلا شريك، واتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم، وفريق المجرمين وهم الذين أبوا أن يؤمنوا به، وأن ‏يعبدوه وحده، وأن يتبعوا ما أنزله إليهم0‏
وإذن، فأين تقع قريش فى هذا التقسيم؟
لقد كانت قبل تفصيل الآيات هى صاحبة الشرعية، وكان المؤمنون فى نظر قريش، وفى نظر ‏الناس أيضاً، خارجين على الشرعية، فما الموقف الآن بعد تفصيل الآيات؟ وبعد ما رفضت قريش أن ‏تؤمن بالله الواحد، وتبعده وحده بلا شريك، وتتبع ما أنزل الله؟ هل بقيت هى صاحبة الشرعية، وبقى ‏المؤمنون هم الخارجين على الشرعية؟ أم تبدل الحال عند بعض الناس على الأقل، فأصبحت قريش ‏وأمثالها هم المجرمين، وأصبح أصحاب الشرعية هم المؤمنين؟!‏
إنها نقلة هائلة فى خط سير الدعوة، أن يتبين الناس من هم المجرمون، وما سبيلهم، ويتبينوا فى ‏المقابل من هم الذين على الحق، وما هو سبيل الحق0‏
ولقد كان الإشكال بالنسبة لقريش خاصة أنهم هم سدنة البيت، الذى يعظمه العرب جميعاً، ‏فضلاً عن كونهم أصحاب ثروة وأصحاب جاه وحسب ونسب، فاجتمعت لهم بمقاييس الجاهلية كل ‏مقومات الشرعية، ممتزجة ببقايا الدين المحرف الذى ينتسبون به إلى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.. ‏فلم تكن زحزحة الشرعية عنهم أمراً هيناً، خاصة والخارجون على شرعيتهم ضعاف فقراء لا قوة لهم ‏ولا مال ولا سند من أحد من ذوى السلطان!‏
لقد كانت العقيدة الصحيحة وحدها هى التى يمكن أن تجليهم عن شرعيتهم المدعاة، وتكشفهم ‏على حقيقتهم، وهى أنه مجرمون لا شرعية لهم، لرفضهم الإيمان بالله الواحد، وعبادته وحده بلا شريك، ‏واتباع ما أنزل الله0‏
وهنا نسأل : لو أن المؤمنين فى مكة دخلوا فى معركة مع قريش، فهل كانت تستبين سبيل ‏المجرمين؟ لو دخلوا المعركة وفى حس الناس أن قريشاً هى صاحبة الشرعية، وأن المؤمنين خارجون على ‏الشرعية، فهل كان يمكن أن يستقر فى خلد أحد ‏‎–‎‏ كما استقر فى خلد الأنصار ‏‎–‎‏ أن القضية لها معيار ‏أخر غير سدانة البيت، وغير المال والجاه، وكثرة العدد، ورصيد العرف، ورصيد التاريخ؟ وأن هذا المعيار ‏هو : لا إله إلا الله.. هو الإيمان بألوهية الله وحده بلا شريك، وما يترتب على ذلك من ضرورة اتباع ما ‏أنزل الله، وأن هذا هو الحق الذى لا شىء بعده إلا الضلال، وأن هذه هى القضية الكبرى التى يقاس بها ‏كل شىء، وينبنى عليها كل شىء؟
هل كان يمكن أن يصل الحق الذى يحمله المؤمنون إلى أفئدة فريق من الناس، كما وصل إلى أفئدة ‏الأنصار، لو أن المؤمنين دخلوا معركة مع قريش، أم كان غبار المعركة يغشى على حقيقة القضية، ‏وتنقلب القضية بعد قليل إلى قضية ضارب ومضروب، وغالب ومغلوب، وتصبح قضية ((لا إله إلا الله)) ‏على هامش الصورة، إن بقى لها فى حس الناس وجود على الإطلاق؟!‏
أظن الصورة واضحة 00‏
لقد كانت ((كفوا أيديكم)) هى سر الموقف كله !‏
كانت هى التى أتاحت لقضية لا إله إلا الله ‏‎–‎‏ وهى قضية الرسل جميعاً من لدن آدم إلى محمد‎‎‏ ‏‏- أن تبرز نقية شفافة واضحة، غير مختلطة بأى قضية أخرى على الإطلاق، فتنفذ إلى القلوب التى أراد ‏الله لها الهداية صافية من كل غبش، فتتمكن من تلك القلوب، ويرسخ فيها الإيمان، كما تنفذ إلى القلوب ‏التى لم يرد الله لها الهداية، صافية من كل غبش، فيكفر أصحابها كفراً لا شبهة فيه، كفراً غير مختلط لا ‏بالدفاع عن النفس، ولا الدفاع عن المال، ولا الدفاع عن الأمن والاستقرار؛ إنما هو الرفض الصريح ‏الواضح للا إله إلا الله.. وذلك توطئة لقدر قادم من أقدار الله، هو سنة من السنن الجارية : ((ليهلك من ‏هلك عن بينة ويحي من حى عن بينة))(الأنفال : 42)0‏
هذا الوضوح الذى أتاحته للقضية ((كفوا أيديكم)) ، هو من مستلزمات الدعوة .. فبغير استبانة ‏سبيل المجرمين، على أساس ((لا إله إلا الله))، واستبانة سبيل المؤمنين فى المقابل، على ذات الأساس، لا ‏يمكن أن تتسع القاعدة بالقدر المعقول فى الزمن المعقول، وتظل الدعوة ترواح مكانها، إن لم يحدث لها ‏انتكاس بسبب من الأسباب0‏
وحين وضحت القضية على هذا النحو من خلال ((كفوا أيديكم)) ، جاء الأنصار !‏
وحين جاء الأنصار اتسعت القاعدة، وحدث تحول فى التاريخ !‏
‏* * *‏


أحمد سعد الدين غير متصل عرض ألبوم أحمد سعد الدين   رد مع اقتباس