ولنا هنا وقفة عند هذه القضية 00
من هم الأنصار ؟
هل هم جماهير متحمسة، ألهب حماستها الإعجاب بشخص الرسول، والتعاطف مع هذه الفئة الفذة من البشر، الذين صبروا على الابتلاء، هذا الصبر الطويل الجميل، وثبتوا رغم الصعاب وشدة البلاء ؟!
أم هم جنود جاءوا يعرضون جنديتهم على القائد، ويدخلون فى صف المجاهدين؟
ما أبعد الشقة بين هذا الوضع وذاك ف خط سير الدعوة !
لاشك أن الحب لرسول الله كان قائماً فى قلوبهم، من كثرة رأوا وسمعوا عن خاصله الكريمة، وقد كان نموذجاً فريداً فى البشر، لا يدانيه أحد ممن عرفوه أو سمعوا عنه خلال التاريخ. ولاشك أن التعاطف مع المعذبين فى الأرض، كان قائماً فى قلوبهم، من كثرة ما رأوا وسمعوا من ألوان التعذيب، وألوان الصبر على التعذيب0
ولكن هذا وذاك لم يكن الدافع الأوحد الذى يحركهم؛ إنما حركهم ابتداء أنهم آمنوا أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله .. آمنوا بالله ربا، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، فجاءوا يبايعون على السمع والطاعة، وعلى الموت والحياة0
قال لهم رسول الله : ((تمنعونى؟)) قالوا : نمنعك مما نمنع منه نساءنا وأطفالنا. وقالوا : لو استعرضت بنا الصحراء قطعناها، ولو خضت بنا هذا البحر خضناه 0
جندية كاملة للدعوة الجديدة0
لم يأن بعد أوان ((الجماهير))! إنما يأتون فى موعدهم المقدر عند الله 0
ولكن ماذا لو كان الأنصار رضى الله عنهم، مجرد جماهير متحمسة، جاءت بدافع الحماسة والحب والتعاطف فحسب.. هل كانت حماستهم تصبر على لأواء الطريق؟ هل كانت تصبر للصدام حين يأتى الإذن من الله العلى القدير برد العدوان ؟!
أما أن الرسول كان سيفرح بدخولهم فى الدعوة واعتناقهم الإسلام، فأمر لا نظنه موضع شك.. وأما أن المؤمنين من أهل مكة كانوا سيفرحون برؤية إخوان لهم فى العقيدة،ن فأمر لا نظنه كذلك موضع شك .. أما أن الرسول كان سيتحرك بهم فى خط الدعوة، فأمر يحوطه الشك الكثيف، ودليله سؤال الرسول لهم : ((تمنعونى))؟ فالسؤال لم يكن عن إيمانهم، وقد جاءوا يعرضونه صريحاً بلا مواربة، إنما كان عن خطوة أخرى وراء الإيمان، وهى تجنيدهم أنفسهم لما آمنوا به وعرفوا أنه الحق 0
لم يكن الرسول سيتحرك بهم، لو أنه رأى من أحوالهم أنهم مجرد جماهير متحمسة، لم تجند نفسها بعد للدعوة .. ولم يكن سيعتبر أن القاعدة قد اتسعت بتلك الجماهير المتحمسة التى آمنت – نعم – ولكنها لم تجند نفسها لاحتمال التكاليف0
* * *