عرض مشاركة واحدة
قديم 16-07-2004   #6 (permalink)
أحمد سعد الدين
مشرف سابق
 










    

الباب الرابع
في اجتماع أعمال الميت عليه من خير وشر ومدافعتها عنه ، وكلامها له ، وما ورد من تحسر الموتى على انقطاع ‏أعمالهم ، ومن أكرم منهم تبقى أعماله عليه

‏68- روى ابن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ‏عليه وسلم قال : " والذي نفسي بيده إنه ليسمع خفق نعالكم حين تولون عنه ، فإن كان مؤمناً كانت الصلاة عند ‏رأسه ، والزكاة عن يمينه والصوم عن شماله ، وفعل الخيرات والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه ، فيؤتى من ‏قبل رأسه ، فتقول الصلاة ليس من قبلي مدخل ، فيؤتى عن يمينه فتقول الزكاة ليس من قبلي مدخل ، ثم يؤتى عن ‏شماله فيقول الصوم ليس قبلي مدخل ، ثم يؤتى من قبل رجليه ، فيقول : فعل الخيرات والإحسان إلى الناس ليس ‏قبلي مدخل ، فيقال له : اجلس ، فيجلس وقد مثلت الشمس للغروب فيقولون له : ما تقول في هذا الرجل الذي ‏بعث فيكم ؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم فيقول : أشهد أنه رسول الله ، جاءنا بالبينات من عند ربنا فصدقناه ‏واتبعناه ، فيقال له : صدقت ، وعلى هذا حييت ، وعلى هذا مت ، وعليه تبعث إن شاء الله ، فسيفسح له في قبره ‏مد بصره فذلك قوله سبحانه : { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } الآية . فيقال ‏‏: افتحوا له باباً إلى النار فيقال : هذا منزلك لو عصيت الله فيزداد غبطة وسروراً ، ويقال : افتحوا له باباً إلى الجنة ‏فيفتح له فيقال هذا منزلك وما أعد الله لك فيزداد غبطة وسروراً ، فيعاد الجسد إلى ما بدىء منه وتجعل روحه نسم ‏طير معلق في شجر الجنة ، وأما الكافر فيؤتى في قبره من قبل رأسه ، فلا يعني شيئاً فيجلس خائفاً مرعوباً فيقال له : ‏ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم وما تشهد به ؟ فلا يهتدى لاسمه فيقال : محمد رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم ، فيقول : سمعت الناس يقولون شيئاً فقلت كما قالوا ، فيقال له : صدقت على هذا حييت وعليه متَّ وعليه ‏تبعث إن شاء الله ، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ، فذلك قوله تعالى { ومن أعرض عن ذكري فإن له ‏معيشة ضنكاً } فيقال : افتحوا له باباً إلى الجنة فيفتح له باب إلى الجنة فيقال : هذا منزلك وما أعد الله لك لو ‏كنت أطعته فيزداد حسرة وثبوراً ، ثم يقال : افتحوا له باباً إلى النار فيفتح له باباً إليها فيقال له : هذا منزلك ، وما ‏أعد الله لك فيزداد حسرة وثبوراً " . ‏
‏69- قال أبو عمرو الضرير : قلت لحماد بن سلمة : كان هذا من أهل القبلة ؟ قال : نعم ، قال أبو عمرو : كأنه ‏شهد بهذه الشهادة على غير يقين يرجع إلى قلبه كأن يسمع الناس يقولون شيئاً فيقول ، خرجه الطبراني .‏
‏70- وخرجه الخلال في كتاب السنة وزاد فيه بعد قوله : " وقد مثلت الشمس قد دنت للغروب فيقال: هذا ‏الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه ؟ فيقول : دعوني حتى أصلي فيقولون : إنك ستفعل أخبرنا عما نسألك عنه " ‏، وذكر الحديث وخرجهابن حبان في صحيحه من طريق معتمر عن محمد بن عمرو به ، ورواه جماعة عن محمد بن ‏عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة موقوفاً ، وقد روي من حديث أبي حازم عن أبي هريرة نحوه أيضاً مع الاختلاف ‏في رفعه وقطعه .‏
‏71- وخرجه ابن منده من طريق محمد بن جحادة عن طلحة بن مصرف عن أبي حازم عن أبي هريرة قال إذا وضع ‏المؤمن في قبره أتاه شيطان من قبل رأسه فيحول بينه وبين سجوده ثم يأتيه من قبل يديه فيحول بينه وبين صومه ، ثم ‏يأتيه من قبل رجليه فيحول بينه وبين قيامه عليهما في الصلاة ، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة ، فيقول : ربي بلغني ‏منزلي فيقول : إن لك إخوة وأخوات لم يلحقوا فنم قرير العين لا تفزع بعدها.‏
‏72- وخرجه أيضاً من طريق محمد بن الصامت عن أبي عيينة عن طلحة بن مصرف ، عن أبي حازم ، عن أبي ‏هريرة يرفعه : " يؤتى الرجل من قبل رأسه في قبره ، فإذا أتى دفعه تلاوة القرآن ، فإذا أتى من قبل يديه دفعته ‏الصدقة فإذا أتى من قبل رجليه دفعه مشيه إلى المساجد " ، فذكر نحوه كذا في هذه الرواية السابقة ، إن الذي يأتيه ‏في قبره شيطان . ‏
‏73- وفي حديث الأعمش عن المنهال عن زاذان قال : قلت للبراء أملك هو أم شيطان ؟ قال : فغضب غضباً ‏شديداً ، ثم قال : كنا نحن أشد هيبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نسأله أملك هو أم شيطان إنما ‏نحدثكم ما سمعنا . ‏
‏74- وخرج الإمام أحمد من حديث محمد بن المنكدر قال : كانت أسماء تحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ‏قال إذا أدخل الإنسان في قبره فإن كان مؤمناً حف به عمله الصيام والصلاة قال فيأتيه الملك من نحو الصلاة فيرده ‏ومن نحو الصيام فيرده فيناديه اجلس ، فيجلس فيقول ماذا تقول في هذا الرجل ؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏من ؟ قال : محمد صلى الله عليه وسلم قال : فيقال وما يدريك أدركته ؟ قال يقول إنه رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم قال : يقول على ذلك عشت ، وعليه مت ، وعليه تبعث ، قال : إن كان فاجراً أو كافراً قال جاءه الملك ‏ليس بينه وبينه شيء يرده فأجلسه قال : يقول اجلس ماذا تقول في هذا الرجل قال : أي رجل ، قال : محمد قال : ‏يقول : والله ما أدري ، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته ، قال : فيقول له الملك على ذلك عشت ، وعليه مت ، ‏وعليه تبعث ، قال : ويسلط عليه دابة في قبره معها سوط بمزربة جمرة مثل غرب البعير تضربه ما شاء الله صمّاء لا ‏تسمع صوته فترحمه " ، قلت : قوله : ويسلط عليه دابة إلى آخره ، قد روي من وجه آخر عن ابن المنكدر أنه بلغه ‏ذلك فلعله مدرج في الحديث .‏
‏75- وفي حديث زاذان عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد سبق ذكر بعضه قال في المؤمن : " ‏ويأتيه رجل حسن الوجه ، حسن الثياب ، طيب الريح فيقول : أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد ، ‏فيقول : من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير فيقول : رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي ".‏
‏ وقال في حق الكافر : " ويأتيه رجل قبيح الوجه ، قبيح الثياب ، منتن الريح فيقول : أبشر بالذي يسوءك ، فهذا ‏يومك الذي كنت توعد ، فيقول : من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر فيقول : أنا عملك الخبيث فيقول ‏رب لا تقم الساعة " ، خرجه الإمام أحمد وغيره .‏
‏76- وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي بكر بن عياش عن المقبري عن عائشة رضي الله عنها قالت : إذا خرج ‏سرير المؤمن نادى أنشدكم الله لما أسرعتم بي ، فإذا أدخل قبره لحقه عمله فتجيء الصلاة فتكون عن يمينه ، ويجيء ‏الصوم فيكون عن يساره ، ويجيء عمله بالمعروف فيكون عند رجليه ، فتقول الصلاة ليس لكم قبلي مدخل ، كان ‏يصلي فيأتون من قبل رأسه ، فيقول الصوم إنه كان يصوم ويعطش ، فلا يجدون موضعاً فيأتون رجليه فتخاصم عنه ‏أعماله فلا يجدون مسلكاً .‏
‏77- وبإسناده ثابت البناني قال : إذا وضع الميت في قبره احتوشته أعماله الصالحة وجاء ملك العذاب فتقول له ‏بعض أعماله إليك عنه ، فلو لم يكن إلا أنا لما وصلت إليه .‏
‏78- وعنه أيضاً قال إذا مات العبد الصالح فوضع في قبره أتي بفراش من الجنة ، وقيل له : نم هنيئاً لك قرة العين ، ‏فرضي الله عنك ، قال ويفسح له في قبره مد بصره ويفتح له باب إلى الجنة ، فينظر إلى حسنها ويجد ريحها وتحتوشه ‏أعماله الصالحة : الصيام ، والصلاة ، والبر ، فتقول له : أنصبناك واظمأناك وأسهرناك فنحن اليوم بحيث تحب ، نحن ‏أنساؤك حتى تصير إلى منزلك من الجنة .‏
‏79- وبإسناده عن كعب قال : إذا وضع العبد الصالح في قبره احتوشته أعماله الصالحة الصلاة والصيام والحج ‏والجهاد والصدقة ، قال : وتجيء ملائكة العذاب من قبل رجليه فتقول الصلاة : إليكم عنه فقد أطال القيام لله ‏عليهما قال : فيأتون من قبل رأسه فيقول الصيام : لا سبيل لكم عليه فقد أطال ظمأه لله تعالى في الدنيا ، قال ‏فيأتون من قبل جسده فيقول الجهاد والحج : إليكم عنه فقد أنصب نفسه ، وأتعب بدنه ، وحج وجاهد لله عز ‏وجل لا سبيل لكم عليه ، قال : فيأتون من قبل يديه فتقول الصدقة : كفوا عن صاحبي فكم من صدقة خرجت من ‏هاتين اليدين حتى وقعت في يد الله عز وجل ابتغاء وجهه فلا سبيل لكم عليه ، فيقال : هنيئاً طيباً حياً وميتاً ، قال : ‏ويأتيه ملائكة الرحمة فتفرشه فراشاً من الجنة ودثاراً من الجنة و دثاراً من الجنة ويفسح له في قبره مد البصر ، ويؤتى ‏بقنديل من الجنة فيستضيء بنوره إلى يوم يبعثه الله من قبره . ‏
‏80- وبإسناده عن يزيد الرقاشي قال : بلغني أن الميت إذا وضع في قبره احتوشته أعماله فأنطقها الله تعالى فقالت ‏أيها العبد المنفرد في حفرته انقطع عنك الأخلاء والأهلون فلا أنيس لك اليوم غيرنا قال : ثم يبكي ويقول : طوبى ‏لمن كان أنيسه صالحا طوبى لمن كان أنيسه صالحا , والويل لمن كان أنيسه وبالا .‏
‏81- وبإسناده عن يزيد الرقاشي أيضا انه كان يقول في كلامه : أيها المنفرد في حفرته المخلى في قبره بوحدته ‏المستأنس في بطن الأرض بأعماله ليت شعري بأي أعمالك استبشرت , وبأي إخوانك اغتبطت , ثم يبكي حتى يبلَّ ‏عمامته ويقول : استبشر والله بأعماله الصالحة واغتبط بإخوانه المتعاونين على طاعة الله . ‏
‏82- وبإسناده عن الوليد بن عمرو بن الصباح قال : بلغني أن أول شيء يجده الميت حوله عند رجليه فيقول : ما ‏أنت ؟ فيقول : أنا عملك . وقد ورد في شفاعة القرآن لقارئه ودفعه عنه عذاب القبر خصوصاً سورة تبارك الذي ‏بيده الملك .‏
‏83- وخرج النسائي في عمل اليوم والليلة بإسناده عن ابن مسعود قال : من قرأ تبارك الذي بيده الملك كل ليلة ‏منعه الله بها من عذاب القبر وكنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نسميها : المانعة .‏
‏84- وخرجه خلف في فضائل القرآن ولفظه عن ابن مسعود أنه ذكر تبارك فقال : هي المانعة تمنع من عذاب القبر ‏، توفى رجل فأتى من قبل رجليه فتقول رجلاه لا سبيل لكم على ما قِبلي إنه كان يقرأ سورة الملك ، ويؤتى من ‏قبل بطنه فيقول بطنه : لا سبيل لكم على ما قبلي إنه كان يقرأ سورة الملك .‏
‏85- وأخرج أبو عبيد في كتاب فضائل القرآن بإسناده عن ابن مسعود قال : إن الميت إذا مات أوقدت له نيران ‏حوله ، فتأكل النار ما يليها إن لم يكن له عمل يحول بينه وبينها وإن رجلاً مات ولم يكن يقرأ من القرآن إلا ‏سورة ثلاثين آية ، فتأتيه من قبل رأسه فقالت إنه كان يقرأ بي فتأتيه من قبل رجليه فقالت : إنه يقوم بي فتأتيه من ‏قبل جوفه ، فقالت : إنه كان وعائي ، قال فأنجته ، قال زر : فنظرت أنا ومسروق في المصحف فلم نجد سورة ‏ثلاثين آية إلا تبارك .‏
‏86- وروى عبد بن حميد في مسنده عن إبراهيم بن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال : إقرأ تبارك ‏الذي بيده الملك ، احفظها وعلمها أهلك ،وولدك ، وصبيان بيتك ، وجيرانك فإنها : المنجية والمجادلة تجادل ‏وتخاصم عند الله لقارئها ؛ وتطلب أن ينجيه من عذاب النار إذا كانت في جوفه ، وينجي الله بها صاحبها من عذاب ‏القبر .‏
‏87- وروى سوار بن مصعب وهو ضعيف جداً عن أبي إسحاق عن البراء يرفعه : " من قرأ : ألم السجدة وتبارك ‏الذي بيده الملك قبل النوم ، نجا من عذاب القبر ، ووقى فتأنى القبر ".‏
وسنذكر حديث عبادة في نزول القرآن مع الميت في قبره فيما بعد إن شاء الله تعالى .‏
‏88- وروى هشام بن عمار حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن جابر عن أبيه عن عطاء بن يسار قال : ‏إذا وضع الميت في لحده فأول شيء يأتيه عمله فيضرب فخذه الشمال فيقول : أنا عملك فيقول : فأين أهلي ‏وولدي وعشيرتي ما خولني الله تعالى فيقول : تركت أهلك، وولدك ، وعشيرتك وما خولك الله وراء ظهرك ، فلم ‏يدخل قبرك معك غيري ، فيقول : يا ليتني آثرتك على أهلي ، وولدي وعشيرتي ، وما خولني الله تعالى إذا لم يدخل ‏معي غيرك .‏
‏89- قال أحمد بن أبي الحواري حدثنا يحيى بن مليح عن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى { فلأنفسهم يمهدون } ‏قال : في القبر ، قال أحمد : فحدثت به يحيى بن معين . ‏
قال : طوبى لمن كان له عمل صالح يكون وطاءه في قبره ، ويشهد لهذا كله ما في .‏
‏ 90- الصحيحين عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يتبع الميت ثلاثة ، فيرجع اثنان ويبقى ‏واحد ، يتبعه أهله وماله وعمله ، فيرجع أهله وماله و عمله ".‏
‏91- وخرجه البزار والطبراني بسياق مطول من حديث أنس أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مامن عبد ‏إلا له ثلاثة أخلاء فأما خليل فيقول له : ما أنفقت فلك ، وما أمسكت فليس لك ، فذلك ماله . وأما خليل فيقول ‏‏: أنا معك فإذا أتيت باب الملك رجعت وتركتك فذلك أهله وحشمه ، وأما خليل فيقول : أنا معك حيث دخلت ‏وحيث خرجت فذلك عمله ، فيقول : إن كنت لأهون الثلاثة علي " ، وخرج البزار والحاكم من حديث النعمان ‏بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه ، وقد اختلف في رفعه، ووقفه ، وقد روى هذا من حديث عائشة عن ‏النبي صلى الله عليه وسلم بسياق مبسوط وأن عبد الله بن كرز قال في هذا المعنى شعراً وأنشده للنبي صلى الله عليه ‏وسلم ولكن إسناده ضعيف جداً ، وخرج البزار هذا المعنى أيضاً من حديث أبي هريرة وسمرة بن جندب عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم وخرجه الطبراني أيضاً من حديث سمرة أيضاً .‏
‏92- وروى إبراهيم بن بشار عن إبراهيم بن آدم أنه كان ينشد شعراً :‏
‏ ما أحدكم أكرم من مفرد أعماله في قبره تؤنسه ‏
‏ منعم الجسم وفي روضة زينه الله فهي مجلسـه
وأما العارفون بالله ، المحبون له ، المنقطعون إليه في الدنيا ، والمستأنسون به دون خلقه فإن الله بكرمه وفضله لا ‏يخذلهم في قبورهم ، بل يتولاهم ويؤنس وحشتهم فـ { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } ، وقد جاء ‏في بعض ألفاظ حديث يوم المزيد : أنهم يقولون لربهم في ذلك اليوم أنت الذي أنست منا الوحشة في القبور .‏
‏93-وكتب محمد بن يوسف الأصبهاني العابد إلى أخيه : إني محذرك متحولك من دار مملكتك إلى دار إقامتك ‏وجزاء أعمالك فتصير في قرار باطن الأرض بعد ظاهرها ، فيأتيك منكر ونكير فيقعدانك وينتهرانك ، فإن يكن الله ‏معك فلا بأس عليك ، ولا وحشة ولا فاقة ، وإن يكن غير ذلك فأعذني الله وإياك من سوء مصرع وضيق مضجع ‏، وروى ابن أبي عاصم في المنام فسئل عن حاله فقال : يؤنسني الله عز وجل ، وأما من كان في الدنيا مشغولاً عن ‏الله عز وجل وكان يخاف غيره فإنه يعذب في القبر بذلك .‏
‏94- قال أحمد بن أبي الحواري : حدثنا إبراهيم بن الفضل عن إبراهيم أبي المليح الرقي قال : إذا أدخل ابن آدم ‏قبره لم يبق شيء كان يخافه في الدنيا دون الله عز وجل إلا تمثل له في اللحد لأنه في الدنيا يخافه دون الله تعالى .‏
‏95- وروى عبد الرحمن بن زيد بن أبي أسلم عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس الله ‏على أهل لا إله إلا الله في قبورهم ولا يوم نشورهم وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤسهم يقولون : ‏‏{ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } ".‏

فصل

‏96- خرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا مات الإنسان انقطع ‏عمله إلا من ثلاث : إلا من علم نافع ، أو صدقة جارية أو ولد صالح يدعو له ".‏
‏97- ومن حديث أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يتمنين أحدكم الموت لضرٍّ نزل به قبل أن ‏يأتيه ، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا " .‏
‏98- وروى عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبى أمامة أن ابن أخي عابس الغفاري قال له : قد ‏قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لاتمنوا الموت فإنه يقطع العمل ، ولا يرد الرجل فيستعتب " .‏
‏99- وخرج الترمذي من حديث يحيى بن عبد الله عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما من أحد ‏يموت إلا ندم " قالوا وما ندامته يا رسول الله ؟ قال : " إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد وإن كان مسيئا ندم ‏أن لايكون نزع " ، يحيى هذا ضعفوه .‏
‏99- وروى ابن أبي الدنيا عن أبي هشام الرفاعي حدثنا حفص بن غياث عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم عن ‏أبي هريرة قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبر دفن حديثا فقال : لركعتان خفيفتان مما تحقرون أو تنفلون يراهما ‏هذا في عمله أحب اليه من بقية دنياكم " غريب جدا .‏
‏100- وروى أبو نعيم في الحلية من طريق عمرو بن واقد عن يونس بن حلبس أنه كان يمر على المقابر بدمشق ‏بتهجير يوم الجمعة فسمع قائلا يقول : هذا يونس ابن حلبس قد هجر يحجون ويستمرون كل شهر ، ويصلون كل ‏يوم خمس مرات أنتم تعملون ولا تعلمون ونحن نعلم ولا نعمل ، قالت : فلتفت يونس فسلم ، فلم يردوا عليه ، ‏قال سبحان الله أسمع كلامكم ، وأسلم عليكم ، فلا تردون ، قالوا سمعنا كلامك وكلها حسنه وقد حيل بيننا وبين ‏الحسنات والسيئات .‏
‏101- وروى ابن ابي الدنيا باسناده عن سليمان التيمي عن ابي عثمان النهدي أن رجلا خرج في جنازة فانتهى إلى ‏قبر قال : فصليت ركعتين ثم اتكأت عليه فربما سمعت أبا عثمان يقول : فوالله ان قلبي ليقظان إذ سمعت صوتا من ‏القبر : إليك ولا تؤذني ، فإنكم قوم تعملون ولا تعلموا ، وإنا قوم نعلم ولا نعمل لأن يكون لي مثل ركعتيك أحب ‏الي من كذا وكذا .‏
‏102- وبإسناده عن أبي قلابة قال : أقبلت من الشام إلى البصرة فنزلت الخندق فتطهرت , وصليت ركعتين بالليل ‏‏, ثم وضعت رأسي على قبر فنمت ثم انتبهت , فإذا صاحب القبر يشتكيني يقول : لقد آذيتني منذ الليلة ، ثم قال : ‏إنكم لا تعلمون ونحن نعلم ولا نقدر على العمل إن الركعتين اللتين ركعتهما خير من الدنيا وما فيها ، ثم قال جزى ‏الله أهل الدنيا خيراً ، إقرأهم منا السلام فإنه يدخل علينا من دعائهم نور مثل الجبال .‏
‏103- وبإسناده عن زيد بن وهب قال : حدثني رجل قال : رأيت أخاً لي فيما يرى النائم فقلت : فلان عشت ‏الحمد لله رب العالمين قال : قلتها لأن أقدر أقولها أحب إلي من الدنيا وما فيها ، ثم قال : ألم تر حيث يدفنون فلاناً ‏، فإن فلاناً قام فصلى ركعتين ، لأن أكون أقدر أن أصليها أحب إلي من الدنيا وما فيها . ‏
‏104- وبإسناده عن مطرف بن عبد الله الجرشي قال : شهدت جنازة واعتزلت ناحية قريباً من قبر فصليت ‏ركعتين كأني خففتهما لم أرض إتقانهما ، ونعست فرأيت صاحب القبر يكلمني فقال : ركعت ركعتين لم ترض ‏إتقانهما ، قلت : قد كان ذلك قال تعملون ولا تعملون ونحن نعلم ولا نستطيع أن نعمل لأن أكون ركعت مثل ‏ركعتيك أحب إلي من الدنيا بحذافيرها . ‏
‏105- وبإسناده عن مفضل بن يونس قال : كان ربيع بن راشد يخرج إلى الجبان فيقيم سائر نهاره ثم يرجع مكتئباً ‏فيقول : كنت في المقابر نظرت إلى قوم منعوا ما نحن فيه ثم يبكي . ‏
‏106- وبإسناده عن الحسن قال : دخلت أنا وصفوان المقابر فقنع رأسه ثم لم يزل يذكر الله تعالى حتى خرجنا من ‏المقابر فقلت له في ذلك فقال إني قد ذكرتهم ، وما حضر عليهم من ذلك ونحن المهلة في فأحببت أن أقدم لذلك ‏شيئاً من عمل قال الحسن : أحب والله أن يكون لي في كل خير نصيب . ‏
‏107- وبإسناده عن الفضل الرقاشي أنه كان يقول في كلامه إذا ذكر أهل القبور : يا لها من وجوه حيل بينها ‏وبين السجود لله عز وجل لو يجدون إلى العمل مخلصاً بعد المعرفة بحسن الثواب لكانوا إلى ذلك سراعاً . ثم يبكي ‏ويقول : يا إخوتاه فأنتم اليوم قد خلي بينكم وبين ما عليه ترجون إليه فكاك رقابكم ألا فبادروا الموت وانقطع ‏أعمالكم فإن أحدكم لا يدري متى يحترمه ليلاً أو نهاراً .‏
‏108- وبإسناده عن صفوان بن سليم أنه كان في جنازة في نفر من العباد فلما صلي عليها قال صفوان : أما هذا ‏قد انقطعت عنه أعماله واحتاج إلى دعاء من خلف بعده فأبكى القوم جميعاً وقال أبو وهب محمد بن مزاحم قال : ‏قام رجل إلى ابن المبارك في جنازة فسأله عن شيء فقال له : يا هذا سبِّح فإن صاحب السرير منع من التسبيح . ‏
‏109- كان عمرو بن عيينة يخرج بالليل إلى المقابر ويقول : يا أهل القبور طويت الصحف ورفعت الأعمال ثم ‏يصلي حتى يصبح ثم يرجع إلى أهله ، ورؤي بعض الموتى في المنام فقال : ما عندكم أكثر من الغفلة وما عندنا أكثر ‏من الحسرة . ‏
‏110- وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن زيد بن نعامة قال : هلكت جارية في الطاعون فلقيها أبوها بعد موتها في ‏المنام فقال لها : يا بنية أخبريني عن الآخرة فقالت يا أبت قدمنا على أمر عظيم نعلم ولا نعمل وتعملون ولا تعلمون ‏والله لتسبيحة أو تسبيحتان أو ركعة أو ركعتان في عمل أحب إلي من الدنيا وما فيها . ومر بعض السلف بالمقابر ‏فقال : أصيح هؤلاء زاهدين فيما نحن فيه راغبون . وكان داود الطائي مع جنازة فقال في كلامه : اعلم أن أهل ‏الدنيا جميعاً من أهل القبور إنما يفرحون بما يقدمون ويندمون على ما يخلفون ، فما عليه أهل القبور ندموا عليه ، ‏أهل الدنيا يقتتلون وفيه يتنافسون وعليه عند القضاة يتخاصمون .‏


التوقيع:





قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى
رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين



أحمد سعد الدين غير متصل عرض ألبوم أحمد سعد الدين   رد مع اقتباس