عرض مشاركة واحدة
قديم 16-07-2004   #3 (permalink)
أحمد سعد الدين
مشرف سابق
 










    

انعدام الغاية هو السبب في الأنانية


إن انعدام الغاية يجعل الناس، والمجتمعات على حد سواء، أنانيين وغير مبالين. إذ يميلون للاهتمام بشؤونهم فقط دون إظهار أي رد فعل أو في اهتمام بالأحداث التي تقع حولهم. ذلك أن الشخص الذي يتمثل هدفه الوحيد في أن يعيش حياته في خضم كل الأحداث التي تقع حوله، لن يلاحظ إلا الأحداث التي ترتبط بحياته ولن يبالي بأي شيء آخر. فمثلا، في حال اندلاع حرب أهلية في أحد البلدان التي يتاجر معها هذا الشخص، فإنه لن يهتم إلا بالأموال التي سيخسرها. ولن يفكر قط في الأشخاص الذين ذُبحوا، وفي الأطفال الذي قُتلوا بوحشية، وفي الحياة المخيفة والمحزنة التي يعيشها الناس في ذلك البلد. ولن تطرأ هذه الصور المؤلمة على ذهنه قط. ونظرا لأن اهتمامه لا ينصب إلا على تعقب أمواله، فلن يفكر قط في مساعدة هؤلاء الناس بطريقة أو بأخرى. ومع ذلك، ما هذا إلا مثال واحد من أمثلة اللامبالاة التي يراها غالبية الناس أمرا معقولا، ويعتبرونها أمرا مسلما به.



وفي كل يوم تقريبا، تطالعنا الصحف والتليفزيون بتغطية شاملة لقصص أناس في جميع أرجاء العالم يتعرضون لقدر لا يُحتمل من المصاعب والعنف. وتعتبر الفوضى الناشئة عن عدم الالتزام بقيم القرآن والسنة، بالإضافة إلى الكفر، هي السبب في غالبية هذه المحن. وسواء كان ذلك في فلسطين، أو إندونيسيا، أو كوسوفا، أو الشيشان، أو أي مكان آخر في العالم، سترى صورا لأناس يُسحبون على الأرض أو يُركلون أمام أعين أطفالهم بسبب حفنة من التراب. وعلى نحو مشابه، ألِف الجميع مشاهدة الأطفال الصغار وهم يقذفون الأحجار بعنف دفاعا عن أنفسهم. ومع ذلك، وعلى الرغم من مشاهدة هذه المناظر الفظيعة، ما زال الناس قادرين على أن يخلدوا للنوم وأن يمارسوا حياتهم بشكل اعتيادي لأنهم لم يصابوا شخصيا بأي أذى. وبما أن هؤلاء الناس لم يعتادوا التفكير على نطاق "كبير" ويفتقرون أيضا إلى القيم السامية والضمائر، فإن مثل هذه القسوة - ببساطة - لا تحرك مشاعرهم.



وإذا تخيل المرء نفسه مكان المضطهدين، سيتبين لنا بالتأكيد كيف أن هؤلاء الناس تخلَّوا تماما عن ضمائرهم تجاه هذه الأحداث المحزنة. ماذا سيحدث إذا وُضع أحد هؤلاء الناس في بيئة يُقتل فيها الأبرياء، وتتعرض فيها زوجاتهم، وأطفالهم، وإخوانهم، وآباؤهم وأمهاتهم للمجاعة والمعاملة الوحشية؟... ماذا سيحدث إذا تعرض للفقر الشديد؟... ماذا سيحدث إذا لم يكن لديه المال أو الوسائل الضرورية ليؤمن العناية الطبية لطفله المريض؟... ماذا سيحدث إذا طُرد من وطنه دون أي سبب واضح؟... ومن جهة أخرى، ماذا سيعتقد إذا قابل شخصا لم يعان من كل هذه المحن، ولم يكن لديه هم سوى المال الذي يمكن أن يجنيه، وكان فكره يتجسد ببساطة فيما يلي: "هل أنا الذي يجب عليه أن ينقذ هؤلاء الناس؟" ألن يعتقد أن هذا الشخص بلا ضمير، وغير مبال، وقاس؟



ومع ذلك، ليس من الضروري أن تعاني من الاضطهاد كي تصبح شخصا ذا ضمير حي يراعي مشاعر الآخرين وحقوقهم. إذ يكفيك أن تنظر إلى محنة الناس وتفكر فيها في إطار قيم القرآن. ولكن، كلما ابتعد الناس عن القرآن، ازداد إحساس ضمائرهم تبلدا. ويروي لنا الله سبحانه وتعالى في الآيات التالية كيف يتصرف الأشخاص غير المتدينين بأنانية، وتبلد، وقسوة:



"إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا. إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا." (سورة المعارج: 19-21)



وفي الآيات التالية، يبين لنا الله أن هناك أناسا ليسوا "أنانيين" يهتمون بالمحتاجين:



"إِلَّا الْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ. وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ. لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ. وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ. وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ." (سورة المعارج: 22-27)



وكما أوضح الله جل جلاله، فإن هناك أناسا يخافون الله ويتحملون مسؤولية المعدمين. ويبين لنا الله أن هناك طريقين أمام الناس في هذه الحياة، أحدهما هو طريق الخير والآخر هو طريق الشر. وقد قال جل جلاله في القرآن الكريم:



"وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ. فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ. أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ. ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ. أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ." (سورة البلد: 10-20)



إن طريق الخير المبين في الآية المذكورة أعلاه واضح جدا. لذا، من غير المحتمل بالنسبة لشخص ذي ضمير حي، يسعى لكسب رضا الله ورحمته وجنته، أن يظل متبلد المشاعر تجاه الممارسات الظالمة في العالم، أو تجاه المعدمين والمحتاجين، وألا يفكر في مستقبلهم.



ويجب أن يتذكر كل شخص بداخله ضمير حي أن الفوضى، والاضطهاد، والظلم المنتشر في مختلف أرجاء العالم اليوم هو السبب الذي جعل ملايين الأشخاص ينجرفون في موجة من الشقاء والرعب. ويقول البعض: "هناك أشخاص معينون مسؤولون عن هذا الشقاء، فهل أتحمل أنا مسؤولية ذلك؟" ولكن هذه كلمات لا يمكن أن تصدر عن شخص ذي ضمير حي. وفي النهاية، سوف يأخذ الله في الآخرة كل الأشخاص الذين وهبهم إدراكا وصحة سليمة ليحاسبهم عن هؤلاء الفقراء. ولا شك في أن أولئك الذين يتبنون أيديولوجيات تضع أساسا ملائما لازدهار العنف والوحشية تجاه الإنسانية يظلون – سواء رضوا أم أبوا – في نفس الدرجة مع الظالمين. وينطبق ذات الشيء أيضا على أولئك الذين يتجنبون مواجهة هذه الأيديولوجيات. وسيؤدي عدم الالتزام بمبادئ الدين حتما إلى ظهور نمط من المجتمعات يكوِّنه أناس غير مسؤولين وغافلون يفترضون أنهم سيغادرون هذه الدنيا دون أن يحاسبهم أي أحد. وهؤلاء الناس هم في الواقع أولئك الذين يهتمون أولا، أكثر من أي شخص آخر، بمصالحهم الشخصية، ويضعون خططا لبقائهم على قيد الحياة دون اكتراث بغيرهم.



وفي الواقع، يكمن في أساس نظرية التطور، التي "يفترض" أنها تقدم دعما علميا للفلسفة المادية والمذهب المادي اللذين يشكلان أساس الكفر، طموح لتكوين نموذج من البشر غير مسؤول وغافل ومجرد من جميع القيم الروحية. إذ يشعر إنسان هذا النموذج أنه غير ملزم بتبرير تصرفاته لأي أحد. ذلك أن الإنسان، وفقا لنظرية التطور، هو حيوان متقدم تطور عن القرد وتكوّن بالصدفة. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يؤدي النظر إلى الإنسان بوصفه كائنا بدائيا إلى التضحية من أجل الآخرين، أو إنقاذ إنسان يعاني، أو الشعور بالرحمة والشفقة تجاهه. وعلاوة على ذلك، تعتبر الحياة، وفقا لنظرية التطور، مكانا للصراع لا يحق لغير القوي أن يعيش فيه. ومن ناحية أخرى، يُكتب على الفقراء والضعفاء الهلاك. لقد ظل الناس في جميع أنحاء العالم يُلَقَّنون هذه الآراء لسنوات من المدارس، والتليفزيون، والصحف، والناس المحيطين بهم. وتتمثل السبيل الوحيدة للتخلص من هذا التلقين ولترسيخ أواصر الحب، والرحمة، والتعاون، والتكافل بين الناس في إبلاغ الناس بقيم القرآن والسنة وتوضيح الخسائر التي سيجلبها عليهم الكفر في كل من الدنيا والآخرة. وهذا واجب مهم على كل المؤمنين، لأن الله سبحانه وتعالى يعِد أولئك الذين يتحملون هذه المسؤولية المهمة والمشرفة بعاقبة حسنة.



"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ." (سورة النور: 55)


التوقيع:





قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى
رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين



أحمد سعد الدين غير متصل عرض ألبوم أحمد سعد الدين   رد مع اقتباس