عرض مشاركة واحدة
قديم 17-07-2004   #3 (permalink)
أحمد سعد الدين
مشرف سابق
 










    

وحين تجمعت الأمراض كلها فى كيان الأمة حدث أمران عظيمان مما أخبر به رسول الله ‏‎‎‏ : غربة الإسلام، وتداعى الأمم على الأمة الإسلامية0‏
عاد الإسلام غريباً كما بدأ، فكل مفاهيمه لم تعد هى التى أنزلت من عند الله0‏
فأما لا إله إلا الله فقد صارت كلمة تنطق باللسان، والقلب غافل عن دلالتها ‏والسلوك مناقض لمقتضياتها، وأما العبادة فقد انحصرت فى الشعائر التعبدية، وهذه ذاتها ‏صارت إلى أداء تقليدى خاو من الروح، ثم صارت إلى تقاعس وتكاسل حتى عن أدائها، ‏والاكتفاء بالنية الطيبة تجاهها0‏
وأما عقيدة القضاء والقد فقد انقلبت تواكلاً سلبياً بدل التوكل الصحيح مع ‏العزيمة والأخذ بالأسباب، وانقلبت تبريراً لكل ما يقع من خطأ وقصور وخطايا بأنها كلها ‏من قضاء الله وقدره!‏
وأما الدنيا والآخرة فقد انفصلتا فى حس الناس فأصبح العمل من أجل الدنيا إهمالاً ‏للآخرة، والعمل من أجل الآخرة إهمالاً للحياة الدنيا ولعمارة الأرض0‏
وأما مفهوم الجهاد فقد ظل ينحسر وينحسر حتى صار للدفاع فحسب، ثم أصبح ‏تقاعساً حتى عن الدفاع، وهروباً من مقتضاته0‏
وأما مفهوم التربية فقد صار تعويداً على طقوس وتقاليد، لا ينشئ روحاً مبدعة ‏ولا همة عالية0‏
وأما مفهوم الصبر والتقوى فقد أصبح سلبية خانعة ترضى بالذل، ولا تتحرك ‏لإزالته0‏
وعندما حدث هذا الخلل الهائل فى مفاهيم الإسلام حدث ((التخلف)) فى جميع ‏الميادين: التخلف العسكرى، والتخلف السياسى، والتخلف العلمى، والتخلف الفكرى، ‏والتخلف الاقتصادى، والتخلف الاجتماعى، والتخلف الأخلاقى00 وكل أنواع التخلف ‏التى تخطر على البال، لأن العمل المتدفق فى كل هذه الميادين كان يستمد فى فترة التمكين ‏من ذلك المنبع الضخم: من العقيدة الصحيحة فى الله واليوم الآخر0‏
فلما جف النبع فى قلوب الناس ‏‎–‎‏ إلا من رحم ربك ‏‎–‎‏ لم يعد هناك ما يغذى ‏العمل فى النفوس: ((ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت ‏فسد الجسد كله ألا وهى القلب))(‏ ‏)0‏
عندئذ تداعت الأمم على الأمة التى أصبحت كغثاء السيل0‏
جاء الأعداء المتربصون الذين قال الله فيهم : ((ولن ترضى عنك اليهود والنصارى ‏حتى تتبع ملتهم))(البقرة : 120). ((ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن ‏استطاعوا))(البقرة: 217)0‏
جاءوا وقفى تخطيطهم أن يقضوا على هذا الدين قضاء كاملاً فى هذه المرة، وليس ‏مجرد أن يكسروا شوكته ويتغلبوا عليه0‏
وربما لم يكن هذا الهدف جديداً فى ذاته، فقد كان هو الذى حرك هرقل فى أول ‏التاريخ لمحاولة وأد هذا الدين قبل أن يستفحل أمره 00 وكان هو الذى حرك الحروب ‏الصليبية فى عصور أوروبا الوسطى 00 وهو الذى يحركهم اليوم، ولكن ربما كان الجديد ‏فى الهجمة الصليبية المعاصرة ‏‎–‎‏ التى بدأت فى الواقع بعد طرد المسلمين من الأندلس ‏‎–‎‏ أنهم ‏جاءوا وهم أكثر اقتناعاً بإمكان تحقيق هدفهم هذه المرة، لما رأوه من الأمراض المتفشية فى ‏كيان الأمة، ولما استحدثوه من أسلحة الصراع، سواء منها الحربى أو السياسى أو ‏الاقتصادى، وأخطرها جميعاً ما نسميه ((الغزو الفكرى)) الذى يسعى إلى اقتلاع العقدية ‏من القلوب، وهو ما نصحهم به لويس التاسع بعد خروجه من سجنه فى المنصورة ‏وعودته إلى قومه يقول لهم : إن أردتم التغلب على المسلمين فلا تعتمدوا على السلاح ‏وحده، فقد رأيتم نتيجة الاعتماد على السلاح، ولكن قاتلوهم فى عقيدتهم، فهى مكمن ‏القوة فيهم، ومكمن الخطر علينا.. وذلك فضلاً عن دخول اليهود بكيدهم كله فى حلبة ‏الصراع، من أجل إنشاء إسرائيل0‏
ولقد قام الغزو الفكرى بما لم يستطع أن يقوم به سلاح آخر مما استخدم من قبل ‏مع المسلمين00‏
هزم المسلمون أكثر من مرة فى التاريخ، ولكن الهزيمة العسكرية لم تؤثر فيهم ولم ‏تجعلهم يتخلون عن عقيدتهم أو يستبدلون بها غيرها0‏
هزموا أمام الصليبيين، وهزموا أمام التتار، ولكن النداء الربانى كان يملأ قلوبهم: ‏‏((ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين))(آل عمران: 139)0 ((وكأين من ‏نبى قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله ‏يحب الصابرين(146) وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا ‏وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين(147) فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب ‏الآخرة والله يحب المحسنين))(آل عمران: 146-148)0‏
كانوا مؤمنين، وكانت المعركة فى حسهم جهاداً فى سبيل الله.. فما لبثوا أن ‏تجمعوا بعد تفرق، وعزموا بعد وهن، واستعدوا بعد تفريط، فآتاهم الله ثواب الدنيا ‏وحسن ثواب الآخرة0‏
وحتى فى عمق الهزيمة لم يخطر فى بالهم قط أن أعداءهم خير منهم، فأعداؤهم كفار ‏وهم مؤمنون، وموطن الاستعلاء هو الإيمان بصرف النظر عن النصر أو الهزيمة فى ميدان ‏القتال00‏
أما فى هذه المرة فلم يكن هناك استعلاء بالإيمان، بل كانت الهزيمة الروحية أمام ‏الأعداء، فتمكن الغزو الفكرى بصورة لا تخطر على البال0‏
وفى خلال قرن واحد، بل فى خلال نصف قرن فى بعض الأحيان، تبدلت الأمة ‏تبدلاً كاملاً كأن لم تكن فى يوم من الأيام هى أمة الإسلام!‏
تبدل مصدر التلقى، لم يعد هو الإسلام، لم يعد هو الله ورسوله، إنما صارت ‏‏((الحضارة الأوروبية) هى المصدر، وهى المثال المطلوب استيعابه والصيرورة إليه 00لم يعد ‏هناك صدى فى النفوس لقوله تعالى : ((أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً ‏لقوم يوقنون))(المائدة:50) 00 بل صار وصف ((الحضارة)) الغربية بأنها جاهلية يعتبر ‏كفراً فى نظر المستعبدين للغرب، الذين أكل الغز الفكرى قلوبهم وأصبح حجاب المرأة ‏المسلمة هو السجن والظلام، وانطلاقها عارية فى الطريق هو التقدم والتحرر، وأصبح ‏الإلحاد والكفر والسخرية بكتاب الله وسنة رسوله ‏‎‎‏ هو عنوان ((حرية الفكر))، وأصبح ‏الانسلاخ من الإسلام والانتماء إلى الغرب رتبة ونيشاناً يتباهى به العبيد0‏
ثم دخلت ((المذاهب الفكرية)): الوطنية والقومية والعلمانية والاشتراكية ‏والديمقراطية.. إلخ. لتكون البديل الفكرى من الإسلام من جهة، ولتمزق هذه الأمة مزقاً ‏متفرقة من جهة أخرى، ليسهل على العدو التقامها وابتلاعها بعد أن تعذر عليه ازدرادها ‏وهى موحدة تحت رباط الإسلام، حتى وإن لم تكن وحدة سياسية كاملة بالمعنى ‏الصحيح0‏
حضيض لم تصل إليه الأمة الإسلامية فى تاريخها كله، ولكنه منطقى مع غثاء ‏السيل، لا يتوقع لها سواه 0‏
‏* * *‏


فما السبيل إلى صحوة إسلامية كما كانت فى القرون الأولى للمسلمين ؟‏
أين علماء الأمة ليجتمعوا ويتوحَّدوا ويقولوا كلمتهم التى سيُسألون عنها أمام الله عز وجل ؟


التوقيع:





قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى
رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين



أحمد سعد الدين غير متصل عرض ألبوم أحمد سعد الدين   رد مع اقتباس