وحين تجمعت الأمراض كلها فى كيان الأمة حدث أمران عظيمان مما أخبر به رسول الله : غربة الإسلام، وتداعى الأمم على الأمة الإسلامية0
عاد الإسلام غريباً كما بدأ، فكل مفاهيمه لم تعد هى التى أنزلت من عند الله0
فأما لا إله إلا الله فقد صارت كلمة تنطق باللسان، والقلب غافل عن دلالتها والسلوك مناقض لمقتضياتها، وأما العبادة فقد انحصرت فى الشعائر التعبدية، وهذه ذاتها صارت إلى أداء تقليدى خاو من الروح، ثم صارت إلى تقاعس وتكاسل حتى عن أدائها، والاكتفاء بالنية الطيبة تجاهها0
وأما عقيدة القضاء والقد فقد انقلبت تواكلاً سلبياً بدل التوكل الصحيح مع العزيمة والأخذ بالأسباب، وانقلبت تبريراً لكل ما يقع من خطأ وقصور وخطايا بأنها كلها من قضاء الله وقدره!
وأما الدنيا والآخرة فقد انفصلتا فى حس الناس فأصبح العمل من أجل الدنيا إهمالاً للآخرة، والعمل من أجل الآخرة إهمالاً للحياة الدنيا ولعمارة الأرض0
وأما مفهوم الجهاد فقد ظل ينحسر وينحسر حتى صار للدفاع فحسب، ثم أصبح تقاعساً حتى عن الدفاع، وهروباً من مقتضاته0
وأما مفهوم التربية فقد صار تعويداً على طقوس وتقاليد، لا ينشئ روحاً مبدعة ولا همة عالية0
وأما مفهوم الصبر والتقوى فقد أصبح سلبية خانعة ترضى بالذل، ولا تتحرك لإزالته0
وعندما حدث هذا الخلل الهائل فى مفاهيم الإسلام حدث ((التخلف)) فى جميع الميادين: التخلف العسكرى، والتخلف السياسى، والتخلف العلمى، والتخلف الفكرى، والتخلف الاقتصادى، والتخلف الاجتماعى، والتخلف الأخلاقى00 وكل أنواع التخلف التى تخطر على البال، لأن العمل المتدفق فى كل هذه الميادين كان يستمد فى فترة التمكين من ذلك المنبع الضخم: من العقيدة الصحيحة فى الله واليوم الآخر0
فلما جف النبع فى قلوب الناس – إلا من رحم ربك – لم يعد هناك ما يغذى العمل فى النفوس: ((ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهى القلب))( )0
عندئذ تداعت الأمم على الأمة التى أصبحت كغثاء السيل0
جاء الأعداء المتربصون الذين قال الله فيهم : ((ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم))(البقرة : 120). ((ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا))(البقرة: 217)0
جاءوا وقفى تخطيطهم أن يقضوا على هذا الدين قضاء كاملاً فى هذه المرة، وليس مجرد أن يكسروا شوكته ويتغلبوا عليه0
وربما لم يكن هذا الهدف جديداً فى ذاته، فقد كان هو الذى حرك هرقل فى أول التاريخ لمحاولة وأد هذا الدين قبل أن يستفحل أمره 00 وكان هو الذى حرك الحروب الصليبية فى عصور أوروبا الوسطى 00 وهو الذى يحركهم اليوم، ولكن ربما كان الجديد فى الهجمة الصليبية المعاصرة – التى بدأت فى الواقع بعد طرد المسلمين من الأندلس – أنهم جاءوا وهم أكثر اقتناعاً بإمكان تحقيق هدفهم هذه المرة، لما رأوه من الأمراض المتفشية فى كيان الأمة، ولما استحدثوه من أسلحة الصراع، سواء منها الحربى أو السياسى أو الاقتصادى، وأخطرها جميعاً ما نسميه ((الغزو الفكرى)) الذى يسعى إلى اقتلاع العقدية من القلوب، وهو ما نصحهم به لويس التاسع بعد خروجه من سجنه فى المنصورة وعودته إلى قومه يقول لهم : إن أردتم التغلب على المسلمين فلا تعتمدوا على السلاح وحده، فقد رأيتم نتيجة الاعتماد على السلاح، ولكن قاتلوهم فى عقيدتهم، فهى مكمن القوة فيهم، ومكمن الخطر علينا.. وذلك فضلاً عن دخول اليهود بكيدهم كله فى حلبة الصراع، من أجل إنشاء إسرائيل0
ولقد قام الغزو الفكرى بما لم يستطع أن يقوم به سلاح آخر مما استخدم من قبل مع المسلمين00
هزم المسلمون أكثر من مرة فى التاريخ، ولكن الهزيمة العسكرية لم تؤثر فيهم ولم تجعلهم يتخلون عن عقيدتهم أو يستبدلون بها غيرها0
هزموا أمام الصليبيين، وهزموا أمام التتار، ولكن النداء الربانى كان يملأ قلوبهم: ((ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين))(آل عمران: 139)0 ((وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين(146) وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين(147) فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين))(آل عمران: 146-148)0
كانوا مؤمنين، وكانت المعركة فى حسهم جهاداً فى سبيل الله.. فما لبثوا أن تجمعوا بعد تفرق، وعزموا بعد وهن، واستعدوا بعد تفريط، فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة0
وحتى فى عمق الهزيمة لم يخطر فى بالهم قط أن أعداءهم خير منهم، فأعداؤهم كفار وهم مؤمنون، وموطن الاستعلاء هو الإيمان بصرف النظر عن النصر أو الهزيمة فى ميدان القتال00
أما فى هذه المرة فلم يكن هناك استعلاء بالإيمان، بل كانت الهزيمة الروحية أمام الأعداء، فتمكن الغزو الفكرى بصورة لا تخطر على البال0
وفى خلال قرن واحد، بل فى خلال نصف قرن فى بعض الأحيان، تبدلت الأمة تبدلاً كاملاً كأن لم تكن فى يوم من الأيام هى أمة الإسلام!
تبدل مصدر التلقى، لم يعد هو الإسلام، لم يعد هو الله ورسوله، إنما صارت ((الحضارة الأوروبية) هى المصدر، وهى المثال المطلوب استيعابه والصيرورة إليه 00لم يعد هناك صدى فى النفوس لقوله تعالى : ((أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون))(المائدة:50) 00 بل صار وصف ((الحضارة)) الغربية بأنها جاهلية يعتبر كفراً فى نظر المستعبدين للغرب، الذين أكل الغز الفكرى قلوبهم وأصبح حجاب المرأة المسلمة هو السجن والظلام، وانطلاقها عارية فى الطريق هو التقدم والتحرر، وأصبح الإلحاد والكفر والسخرية بكتاب الله وسنة رسوله هو عنوان ((حرية الفكر))، وأصبح الانسلاخ من الإسلام والانتماء إلى الغرب رتبة ونيشاناً يتباهى به العبيد0
ثم دخلت ((المذاهب الفكرية)): الوطنية والقومية والعلمانية والاشتراكية والديمقراطية.. إلخ. لتكون البديل الفكرى من الإسلام من جهة، ولتمزق هذه الأمة مزقاً متفرقة من جهة أخرى، ليسهل على العدو التقامها وابتلاعها بعد أن تعذر عليه ازدرادها وهى موحدة تحت رباط الإسلام، حتى وإن لم تكن وحدة سياسية كاملة بالمعنى الصحيح0
حضيض لم تصل إليه الأمة الإسلامية فى تاريخها كله، ولكنه منطقى مع غثاء السيل، لا يتوقع لها سواه 0
* * *
فما السبيل إلى صحوة إسلامية كما كانت فى القرون الأولى للمسلمين ؟
أين علماء الأمة ليجتمعوا ويتوحَّدوا ويقولوا كلمتهم التى سيُسألون عنها أمام الله عز وجل ؟