عرض مشاركة واحدة
قديم 17-07-2004   #5 (permalink)
أحمد سعد الدين
مشرف سابق
 










    


والمهزومون نفسياً وفكرياً والمرجفون والمخذّلون عن الجهاد والتضحيات ومواجهة ‏الأفكار والمبادئ الجاهلية والتشريعات الكفرية لا يناصرون هذه البواعث الإيمانية .‏
وقد يخلطون بين الصبر على جور الحكام .... وبين الثبات على الإيمان ومواجهة ‏الحاكمية الجاهلية والقرارات السياسية الضارة بالرعية ولم يزل الأئمة الصادقون والدعاة ‏الناصحون في سائر قرون الإسلام يفرّقون بين الأمرين ويواجهون الأهواء والانحرافات الفكرية ‏والسياسية والاقتصادية والعقدية وغيرها بعزيمة الصادقين وشجاعة المتقين متحملين الأذى ‏الذي ينتاب أمثالهم من الآمرين والناهين ... فهذا دور العلماء وهذه رسالتهم قال تعالى { ‏وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ ‏الْمُفْلِحُونَ (104) } (‏ ‏) وقال تعالى { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ‏وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ ‏وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُون َ(110) } (‏ ‏). وقال تعالى { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ ‏بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ ‏وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) } (‏ ‏) .‏
ومن وصايا لقمان الحكيم لابنه { يَابُنَيَّ أَقِمْ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ ‏وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) } (‏ ‏) . ‏
وفي صحيح مسلم ( 49 ) من طريق قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال . أولُ من بدأ ‏بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان فقام إليه رجل فقال : الصلاةُ قبل الخطبة فقال قد تُرك ما ‏هُنالك فقال أبو سعيد أمّا هذا فقد قضى ما عليه . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏يقول ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك ‏أضعف الأيمان ) . ‏
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ما من نبي بعثه ‏الله في أمةٍ قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها ‏تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو ‏مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراءَ ذلك من ‏الإيمان حبة خردل )) رواه مسلم في صحيحه ( 50 ) من طريق عبد الرحمن بن المسور عن ‏أبي رافع عن ابن مسعود .‏
وروى الدارمي في سننه ( 545 ) بسند صحيح من طريق الأوزاعي حدثني أبو كثير ‏حدثني أبي قال أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع الناس إليه يستفتونه ، ‏فأتاه رجل فوقف عليه ثم قال : ألم تُنه عن الفتيا ؟ فرفع رأسه إليه فقال أَرقيب أنت عليّ لو ‏وضعتم الصمصامة (‏ ‏) على هذه وأشار إلى قفاه ثم ظننت أني أُنفذ كلمة سمعتها من رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تجيزوا عليَّ لأنفذتها )) وعلقه البخاري في صحيحه بصيغة ‏الجزم (‏ ‏) .‏
وتاريخ العلماء ومواقف أئمة الإسلام في مثل هذا كثيرة (‏ ‏) ولم يكن أحد منهم يجد ‏أدنى حرج من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والفتوى بما يعلم أنه الحق وإيصال الصوت ‏الإسلامي إلى عالَمِهم والتحدث عن الإسلام وحقائقه ومقوَّماته وخصائصه .‏
وما كان يقبعون في بيوتهم ينتظرون الإذن السياسي في قول كلمة الحق والإنكار على ‏أهل الباطل .‏
وأمّا الآن فقد أصبح كثير من أهل العلم موظفين لدى السلاطين فأخرست الأطماع ‏ألسنتهم فلا يقدرون على القيام بالعهد والميثاق المأخوذ عليهم في الكتاب .‏
ولا يستطيعون مصاولة الباطل ولا مقارعة الفساد ومن هنا كان أكثر أئمة السلف ‏يَدْعون إلى الأعمال التجارية الحُرَّة دون التقيد بالأعمال الحكومية ويكرهون أُعطيات ‏السلاطين وهدايا الملوك ويرفضون قبولها حتى لا يحملهم ذلك على المداهنة والنفاق وطاعة ‏السلاطين في أغراضهم ونزواتهم .‏
وإني لأرمق بإجلال وإكبار عالِماً عَّزتْ عليه نفسُه فلم يُذِلَّها بالتردد على قصور ‏السلاطين واستغنى عمّا في أيديهم فجعل العلم خادماً للدين وليس للسياسة . وسخّر الفتوى ‏للديانة وليست للإعاشة .‏
وعبيد الدنيا والشهوات ينكرون هذا الكلام ويكافحون هذا الفكر ويعيشون في ‏ظلمات التيه والرذيلة والشرود عن حقيقة الواقع .‏
والأغرب من هذا أن يطاردوا هذا الفكر باسم الدين والعلم أو التقدم والحضارة ‏الجديدة .‏
وهيهات هيهات أن يكون للعلم والدين روابط بهذه الإ عوجاجات ‏والتفلتات فالحق أبلج والباطل لجلج .‏
والحضارة الجديدة والتقدم يقومان على الشريعة الإسلامية وتطهير المجتمعات من الظلم ‏والعدوان وأكل أموال الناس بالباطل .‏

وإن كان هناك تصور آخر للحضارة الجديدة والتقدم ينشأ عن التقاليد والعادات ‏ونعرة الجاهلية والجهل بحقيقة هذا الدين فليس من الإسلام في شيء .. والتصور الحقيقي ‏للإسلام يؤخذ عن الكتاب والسنة ولا يلتمس عند من اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً وضاق ‏بأحكام الدين ذرعاً .‏
والذين يمارون في هذا لا يدركون مداخل الخلل ولا مفرق الطرق ويتحدث كثير ‏منهم عن الدين والإسلام والشورى والحكم والمصالح والعدالة الاجتماعية بمجرد الأوهام ‏والظنون . وأحياناً يتكلمون عن الشرع بلسان العلمانيين ويقولون عن الدين بأنه صلة خاصة ‏بين العبد وربه ولا يتناول شئون الحياة .فيقصون الإسلام عن الحكم والتشريع والشئون ‏السياسية والاقتصادية والاجتماعية وقد قال الله تعالى { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي ‏وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) ‏‏} (‏ ‏). ‏
فالإسلام عبادة ومعاملة .. وشريعة ومنهج فمن آمن ببعض وكفر ببعض فهو كافر ‏بالشرع كله فلا تنفعه صلاته وزكاته ولا حجه وصيامه قال تعالى { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ ‏وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) } (‏ ‏).‏
وأحياناً يتحدثون عن الجهاد والمجاهدين بروح الانهزامية والعبث بأحكامه ومحو حقائقه ‏‏.‏
ولا غرابة في هذا فهم أحرص الناس على حياة وعلى اتِّباع الشهوات واللذات .‏
والإيمانُ والجهادُ يَحْرمهم الكثير من ذلك ويقذف بهم في غمرات الموت .‏
وكم رأينا من رجالات يحملون اسم الإسلام ويتحدثون الحين بعد الحين عنه وهم ‏قائمون على هذه الأفكار الشاذة والفهوم المنحرفة عن شرع الله قال تعالى { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ‏آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ ‏يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون َ(15) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى ‏فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)} (‏ ‏) .‏
والإسلام لـه أعداء في الداخل وأعداء في الخارج يلتقون عند مصالح مشتركة في ‏عزل الإسلام عن الحياة والدفع بأهله في أحضان اليهودية والنصرانية ووضع العوائق أمام ‏امتداده وتحرّك أهله بيد أنه غير ممكن للعصبة الجاهلية والفئة التي تشاق الله ورسوله صلى الله ‏عليه وسلم أن يتحقق لها وعدها وأن تهيمن على الأرض وتستحوذ على البشر وإن ‏استطاعت أن تهيمن على جوانب كثيرة في أيام مريرة فالأيام دول والعزة لله ولرسوله صلى ‏الله عليه وسلم وللمؤمنين .‏


التوقيع:





قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى
رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين



أحمد سعد الدين غير متصل عرض ألبوم أحمد سعد الدين   رد مع اقتباس