والمهزومون نفسياً وفكرياً والمرجفون والمخذّلون عن الجهاد والتضحيات ومواجهة الأفكار والمبادئ الجاهلية والتشريعات الكفرية لا يناصرون هذه البواعث الإيمانية .
وقد يخلطون بين الصبر على جور الحكام .... وبين الثبات على الإيمان ومواجهة الحاكمية الجاهلية والقرارات السياسية الضارة بالرعية ولم يزل الأئمة الصادقون والدعاة الناصحون في سائر قرون الإسلام يفرّقون بين الأمرين ويواجهون الأهواء والانحرافات الفكرية والسياسية والاقتصادية والعقدية وغيرها بعزيمة الصادقين وشجاعة المتقين متحملين الأذى الذي ينتاب أمثالهم من الآمرين والناهين ... فهذا دور العلماء وهذه رسالتهم قال تعالى { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (104) } ( ) وقال تعالى { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُون َ(110) } ( ). وقال تعالى { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) } ( ) .
ومن وصايا لقمان الحكيم لابنه { يَابُنَيَّ أَقِمْ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) } ( ) .
وفي صحيح مسلم ( 49 ) من طريق قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال . أولُ من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان فقام إليه رجل فقال : الصلاةُ قبل الخطبة فقال قد تُرك ما هُنالك فقال أبو سعيد أمّا هذا فقد قضى ما عليه . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الأيمان ) .
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ما من نبي بعثه الله في أمةٍ قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراءَ ذلك من الإيمان حبة خردل )) رواه مسلم في صحيحه ( 50 ) من طريق عبد الرحمن بن المسور عن أبي رافع عن ابن مسعود .
وروى الدارمي في سننه ( 545 ) بسند صحيح من طريق الأوزاعي حدثني أبو كثير حدثني أبي قال أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع الناس إليه يستفتونه ، فأتاه رجل فوقف عليه ثم قال : ألم تُنه عن الفتيا ؟ فرفع رأسه إليه فقال أَرقيب أنت عليّ لو وضعتم الصمصامة ( ) على هذه وأشار إلى قفاه ثم ظننت أني أُنفذ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تجيزوا عليَّ لأنفذتها )) وعلقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم ( ) .
وتاريخ العلماء ومواقف أئمة الإسلام في مثل هذا كثيرة ( ) ولم يكن أحد منهم يجد أدنى حرج من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والفتوى بما يعلم أنه الحق وإيصال الصوت الإسلامي إلى عالَمِهم والتحدث عن الإسلام وحقائقه ومقوَّماته وخصائصه .
وما كان يقبعون في بيوتهم ينتظرون الإذن السياسي في قول كلمة الحق والإنكار على أهل الباطل .
وأمّا الآن فقد أصبح كثير من أهل العلم موظفين لدى السلاطين فأخرست الأطماع ألسنتهم فلا يقدرون على القيام بالعهد والميثاق المأخوذ عليهم في الكتاب .
ولا يستطيعون مصاولة الباطل ولا مقارعة الفساد ومن هنا كان أكثر أئمة السلف يَدْعون إلى الأعمال التجارية الحُرَّة دون التقيد بالأعمال الحكومية ويكرهون أُعطيات السلاطين وهدايا الملوك ويرفضون قبولها حتى لا يحملهم ذلك على المداهنة والنفاق وطاعة السلاطين في أغراضهم ونزواتهم .
وإني لأرمق بإجلال وإكبار عالِماً عَّزتْ عليه نفسُه فلم يُذِلَّها بالتردد على قصور السلاطين واستغنى عمّا في أيديهم فجعل العلم خادماً للدين وليس للسياسة . وسخّر الفتوى للديانة وليست للإعاشة .
وعبيد الدنيا والشهوات ينكرون هذا الكلام ويكافحون هذا الفكر ويعيشون في ظلمات التيه والرذيلة والشرود عن حقيقة الواقع .
والأغرب من هذا أن يطاردوا هذا الفكر باسم الدين والعلم أو التقدم والحضارة الجديدة .
وهيهات هيهات أن يكون للعلم والدين روابط بهذه الإ عوجاجات والتفلتات فالحق أبلج والباطل لجلج .
والحضارة الجديدة والتقدم يقومان على الشريعة الإسلامية وتطهير المجتمعات من الظلم والعدوان وأكل أموال الناس بالباطل .
وإن كان هناك تصور آخر للحضارة الجديدة والتقدم ينشأ عن التقاليد والعادات ونعرة الجاهلية والجهل بحقيقة هذا الدين فليس من الإسلام في شيء .. والتصور الحقيقي للإسلام يؤخذ عن الكتاب والسنة ولا يلتمس عند من اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً وضاق بأحكام الدين ذرعاً .
والذين يمارون في هذا لا يدركون مداخل الخلل ولا مفرق الطرق ويتحدث كثير منهم عن الدين والإسلام والشورى والحكم والمصالح والعدالة الاجتماعية بمجرد الأوهام والظنون . وأحياناً يتكلمون عن الشرع بلسان العلمانيين ويقولون عن الدين بأنه صلة خاصة بين العبد وربه ولا يتناول شئون الحياة .فيقصون الإسلام عن الحكم والتشريع والشئون السياسية والاقتصادية والاجتماعية وقد قال الله تعالى { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) } ( ).
فالإسلام عبادة ومعاملة .. وشريعة ومنهج فمن آمن ببعض وكفر ببعض فهو كافر بالشرع كله فلا تنفعه صلاته وزكاته ولا حجه وصيامه قال تعالى { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) } ( ).
وأحياناً يتحدثون عن الجهاد والمجاهدين بروح الانهزامية والعبث بأحكامه ومحو حقائقه .
ولا غرابة في هذا فهم أحرص الناس على حياة وعلى اتِّباع الشهوات واللذات .
والإيمانُ والجهادُ يَحْرمهم الكثير من ذلك ويقذف بهم في غمرات الموت .
وكم رأينا من رجالات يحملون اسم الإسلام ويتحدثون الحين بعد الحين عنه وهم قائمون على هذه الأفكار الشاذة والفهوم المنحرفة عن شرع الله قال تعالى { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون َ(15) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)} ( ) .
والإسلام لـه أعداء في الداخل وأعداء في الخارج يلتقون عند مصالح مشتركة في عزل الإسلام عن الحياة والدفع بأهله في أحضان اليهودية والنصرانية ووضع العوائق أمام امتداده وتحرّك أهله بيد أنه غير ممكن للعصبة الجاهلية والفئة التي تشاق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يتحقق لها وعدها وأن تهيمن على الأرض وتستحوذ على البشر وإن استطاعت أن تهيمن على جوانب كثيرة في أيام مريرة فالأيام دول والعزة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين .