والوعد من الله بأنه ينصر دينه ورسوله وحزبه المؤمنين ويخزي الكافرين .. وعد محقق لا محالة .
والأوضاع القائمة على الشرك والكفر والتشريع الجاهلي واغتصاب الديار وانتهاك الأعراض والحجر على الأفكار الشريفة لن تدوم مهما تمهدت سبلها وقويت شوكتها وطال مكثها في الأرض وهذه حقيقة يجب الإيمان بها وبذل الطاقات وراءَ تحقيقها والشرط في ذلك أن نقوم بالإسلام ونحرك به الأجساد والقلوب وأن نعمل لله صادقين موقنين قال تعالى { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47) } ( )وقال تعالى { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ (173) } ( ).
فالنصر للمؤمنين وعد من الله وما من شك في تحققه في واقع الحياة وإن تأخر عن حساب البشر واستبطأوا ذلك فقد خُلق الإنسان من عجل قال تعالى { أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) } . ( ) وقال تعالى { وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) } ( ).
وروى الإمام أحمد في مسنده [ 4 / 103 ] بسند صحيح من طريق صفوان بن مسلم قال حدثني سَليم بن عامر عن تميم الداري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( ليبلغنّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل . عزاً يُعِزُ الله به الإسلام وذُلاً يُذِلُ الله به الكفر .
وكان تميم الداري يقول . قد عرفْتُ ذلك في أَهل بيتي لقد أصاب مَنْ أسلم منهم الخير والشرف والعز ولقد أصاب مَنْ كان منهم كافراً الذل والصغار والجزية . ) .
والمبشرات في عودة الإسلام وظهور أهله واتصال حاضرهم بماضيهم كثيرة وهي متحققة لا محالة بعز عزيز أو بذل ذليل وما سرى إلى نفوس فئة من المسلمين من اليأس والعجز مما يرون من الحاضر الأليم .. جهالة لا قرار لها .
فمهما فَشَت الضلالةُ واستحكمت الغواية واستشرى الفسادُ وانْتُهِكَت الأعراض فسيبقى الإسلامُ وتَمْتدُّ رُقْعَتُه ويبلغُ ما بلغَ الليلُ والنهارُ بصدقِ العلماء وجهود الدعاة ودماءِ الشهداء .
فلا مجال للتخاذل والبَطَالة والقعود مع الخالفين فالإسلام يتحقق بالجد لا بالهزل وبالأعمال لا بالآمال وبالقلوب الصادقة لا النفوس الخائنة قال تعالى { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) } ( ) . وقال تعالى { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) } ( ) .
وقد تمثلت حقيقة الإيمان بالله وحقيقة المبايعة مع الله في الصحابة رضي الله عنهم حين أنفقوا الأموال محتسبين وبذلوا النفوس صابرين وجاهدوا في سبيل الله مقبلين غير مدبرين حتى ضرب الحق بجرانه وعرفت البشرية ربها وأذعنت لباريها فلم يبق في الأرض إلا مسلم موحّد أو كافر ذليل رضخ للجزية واستسلم لسلطان الحق على أن يبقى في ذمة المسلمين وحمايتهم هذا يوم أنْ تمثلت حقيقة الإيمان بالله في جيل القرآن ويوم أن عرف المسلمون الأوَّلون مهمتهم في الحياة .
ونحن أبناءَ اليوم حين نسير على آثارهم ونمنح الدين نفوسنا ونمضي في طريق الحق غير هيَّابين للخلق نتجاوز الأيام العجاف والعلل العارضة والهزائم المخزية .. ونحطم عروش الكفر ونهزم عبيد الشهوات ونملك رقاب أعدائنا هذا ما وعدنا ربنا إذا أصلحنا شأننا وعُدْنا لرشدنا فالإسلام يعلو ولا يُعْلى .
ومن جميل حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه حين خرج على المسلمين عاملُ كسرى في أربعين ألفاً فقام ترجمان فقال ليكلمني رجل منكم فقال المغيرة : سل عمَّا شئت قال ما أنتم ؟ قال نحن أُناس من العرب كنا في شقاء شديد وبلاء شديد نمص الجلد والنوى من الجوع ونلبس الوبَرَ والشَعَر ونعبد الشجر والحجر ، فبينا نحن كذلك إذ بعث ربُ السموات ورب الأرضين تعالى ذكرُه وجلَّت عظمته - إلينا نبياً من أنفسنا نعرف أباه وأمه فأمرنا نبينا رسولُ ربّنا صلى الله عليه وسلم أن نُقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية ، وأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن رسالة ربنا أنه من قتل منّا صار إلى الجنة في نعيم لم يَرَ مِثْلَها قط ومن بقي منا ملك رقابكم )) رواه البخاري (3159)
وعلى هذا الأساس نهض الإسلام وقويت شوكته وعزّ أهله ولن تذهب الليالي والأيام حتى يكون الدين كله لله فلا يهودية في الأرض ولا نصرانية ولا يبقى أحد من أهل الكتاب يؤدي الجزية .
وفي الصحيحين ( ) من طريق ابن شهاب عن ابن المسيب أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينـزل فيكم ابن مريم حكماً مُقْسِطاً فيكسِرَ الصليب ويقتل الخنـزير ويضَعَ الجزية ويَفيضَ المال حتى لا يقبله أحد )) .
ومعنى قوله ( ويضع الجزية ) أي لا يقبل إلا الإسلام ليكون الدين كله لله فلا يبقى في الأرض لا يهودي ولا نصراني وهذا قول طائفة من الفقهاء والأئمة المجتهدين .
وقال آخرون معناه : أن المال يتنامى ويكثر حتى لا يوجد أحد يمكن صرف الجزية له فتترك الجزية لعدم الحاجة إليها .
وقالت طائفة ثالثة : إن المراد بوضع الجزية هو تقريرها على الكفار من غير محاباة وحينها يفيض المال .
وقد جاءت روايات كثيرة تؤيد القول الأول وأن عيسى يدعو إلى الإسلام ولا يقبل الجزية ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام .
وروى البخاري ( ) من طريق جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يقول الحجر وراءَه اليهودي يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله )) . ورواه مسلم ( ) من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة واتفق الشيخان ( ) على روايته عن ابن عمر رضي الله عنهما .
وقد آن للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يعودوا لرشدهم ويُجْمِعوا أمرهم ويجاهدوا عدو الله وعدوّهم فأبناء المسلمين مثخنون في الدماء والجراح فوق أراضيهم وقد تحملوا الكثير من غدر اليهود ومكر النصارى وخبث سياساتهم في الديار والأعراض قال تعالى { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) } ( ) .
ونحن المسلمين على امتداد تاريخنا لم نلق من اليهود والنصارى مآسي ومجازر أعظم ولا أنكى من مجازر حاضرنا المعاصر ( ) حتى أقاموا سعادتهم على شقاوتنا ودولتهم على أراضينا وبعضُ المسلمين جثثُ ُ هامدةٌ لا يتحركون نحو الجهاد وتغيير الأوضاع ويؤثرون الانتظار وينتظرون الفرج دون مقاومة تذكر أو بذل يشكر .
والإسلام يرفض كل هذا ويرفض الخور والجهل والكسل ويرفض الدعوات التي ترمي إلى هلاك المسلمين وهتك حرماتهم ويأمر بالجهاد وقتال الناكثين والمعتدين وتطهير أراضي المسلمين من أيدي المغتصبين حتى يأتي وعد الله ونحن على ذلك قال الله تعالى { انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (41) } ( ). وقال تعالى { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) } ( ) .