الاعجاز العلمى في آيات القرآن
يجب على المسلم ألا يختلط عليه الامر بين رسالتى الدين والعلم وألا ينظر إليهما على أنهما أمران مختلفان تجب المقارنة والمفاضلة بينهما بل هما في حقيقة أمرهما رسالتان متكاملتان، وكلاهما يساعدان على تثبيت الايمان في القلوب، لان العلم نور يهدى إلى الحق ما دام علما نافعا، والدين في جوهره هداية ربانية للعقول والقلوب ونفحات سماوية للارواح والنفوس.
ويجب على المسلم ألا تخدعه مظاهر التقدم العلمى المادى الذى برع فيه أهل أوروبا وأمريكا وبخاصة في علوم الذرة والتكنولوجية وغزو الفضاء فهذه كلها ليست كل شئ لاسعاد البشرية وشقاء عللها، وإنما العلوم الدينية المستمدة من القرآن والسنة وأنباع هديها إلى جانب العلوم الدنيوية هى البلسم الواقى من العلل والشافى من أمراض النفوس.
والقرآن الكريم هو كلام الله سبحانه وتعالى، وكلامه جل جلاله صفة من صفاته التى تجلى بها على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فكانت تلك الآيات التى بهرت العقول بروعتها وأدخلت الايمان في القلوب بقدسيتها وروحانيتها، وبصدق حقائقها المطلق الذى لا يأنيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وإن صدق اليقين الذى نزل به القرآن جعل لكلماته تأثيرا قويا لا تنال منه الايام، وبهذا يظل هدى القرآن على الدهر شبابا ناضرا دائما، وإعجازا متجددا لا ينقطع مدده وإلهامه للمؤمنين العاملين به.
ويكفى للدلالة على حيوية القرآن وقوة تأثيره أن من يسمعه بوعى أو يقرأه بتدبر لمبانيه ومعانيه أو يدرسه للوقوف على أسراره يؤمن إيمانا عميقا أنه وحى السماء،
وليس من كلام بشر، فهاهو عمر بن الخطاب رضى الله عنه بعد ما قرأ بعض آيات من القرآن في بيت أخته التى ذهب للانتقام منها لاسلامها نراه يتحول من مشرك عنيد وعدو لدود للاسلام والمسلمين يتحول إلى مؤمن قوى، ويسارع إلى مقابلة النبى حيث كان مجتمعا مع أتباعه المسلمين يعلمهم ويزكيهم في دار الارقم بن الارقم ويعلن له إسلامه وانضمامه إلى جماعة المسلمين بمكة، أسلم وهو يعلم ما سوف يلقاه من عشيرته وقومه من معارضة وإيذاء.
مفهوم العلم والعلماء قديما وحديثا: لقد صارت كلمة العلم مع تطور الزمن ذات مدلولين، فقديما كان مدلولها العلم القائم على العلوم الدينية وما يتفرع عنها من علوم التوحيد وعلم الفقه وعلم التفسير وعلم اللغة والبلاغة وعلم الحديث إلى غير ذلك من العلوم المتصلة بالدعوة الاسلامية وتاريخها وقرآنها وأحاديثها النبوية، وكان الدارسون لهذه العلوم هم العلماء والفقهاء وأهل العلم وقتئذ، وكانوا هم قادة الفكر والرأى والعلم قبل عصرنا هذا، ويقول الامام الغزالى في هذا الموضوع: إن العلم المقصود هو العلم بالله وصفاته وملائكته ورسله وملكوت السماوات والارض وعجائب النفوس الانسانية والحيوانية من حيث أنها مرتبة بقدرة الله لا من حيث ذواتها لان المقصود الاقصى هو العلم بالله، وأما العمل فمقصود به أساسا مجاهدة الهوى حتى تزول الحوائل التى ربما أعاقت الانسان عن العلم بالله تعالى.
أما مدلول العلم حديثا فإنه يختلف عن المعنى القديم المشار إليه سابقا، إذ ظهر من وقت قريب جماعة تقول عن عصرنا الحاضر إنه عصر العلم والعمل ويقصدون بذلك أن العلم بمفهوم عصرنا هو العلم الطبيعى القائم على دراسة ما في الكون من مواد وعناصر وكائنات لها خصائصها الذاتية ونواميسها التى تحكمها من كيمياء
وطبيعية وميكانيكا وغير ذلك من علوم الطب والرياضة والفلك وما يتضمنه ذلك من حقائق كونية، وأن العمل في إطار هذا المفهوم للعلم فهو تطبيق العلم عمليا بإستعمال الاجهزة والادوات والوسائل الاخرى الحديثة من مختبرات ومراصد وتجارب واستنباطات منطقية وغير ذلك: وفى ضوء هذين المدلولين للعلم يرى المفسرون العصريون لآيات القرآن أنه من الضرروى أن يشتمل تفسيرهم الناحيتين الدينية والعلمية ودون الاكتفاء بناحية واحدة منهما.