المبحث الثاني
{ وجوه الفتنة في القرآن }
===========
إن المتأمل لآيات الفتنة الواردة في القرآن يجد أنها ترد على وجوه كثيرة ومعان متعددة مختلفة ، ومن سَبَرَ كتب التفسير ، وغاص في بطونها ، وجد أن المفسرين ـ رحمهم الله ـ قد ذكروا للفتنة وجوهاً كثيرة ومتعددة وستذكر زبدتها وخلاصتها هنا ـ إن شاء الله تعالى ـ إلا أنه تبين ـ بعد جمعها ـ أن بعض العلماء قد حددها بخمسة عشر وجهاً ، والبعض الآخر حددها باثني عشر وجهاً .
فممَّن حددها بخمسة عشر وجهاً العلامة ابن الجوزي ( ) ـ رحمه الله ـ ، وممن حددها باثني عشر وجهاً العلامة الفيروز أبادي ( ) . فهاهي أولاً الأوجه التي اتفقا عليها، ثم مازاده ابن الجوزي على الفيروز أبادي .
* فأما الأوجه التي اتفقا عليها فهي كما يلي :
1ً ـ الفتنة بمعنى الشرك : ومنه قوله تعــالى : { وَقــــَتِلُوهُمْ حَتَّى لاَتَكُونَ فِتْنَةٌ } [البقرة : 193] ، وقوله تعالى : { وَالفِتْنَةُ أَكْبرُ َ مِنَ القَتْلِ } [ البقرة 217 ] وقوله تعالى { حَتَّى لاَتَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الــّدِيـــْنُ كُلُّه لِلَّهِ } [ الأنفال : 39 ] .
2ً ـ بمعنى الكفر : ومنه قوله تعالى : { فَأَمّا الَّــِذيْــنَ في قُلُوبِهِمْ زَيــْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَاتَــشَـابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ } [ آل عمران : 7 ] ، وقولــه تعــالى : { لَقَــدِ ابــْتَــغُــوا الفِتْنَةَ } [ التوبة 48 ] .
3ً ـ بمعنــى الابتــلاء والاختبــار والمحنـــة :
ومنـه قوله تعالى : { وَفَتَنـــَّكَ فُــتُونًا } [ طه 40] أي : بلوناك . وقولـه تعــالى : { وَلَقَد فَتــَنَّــا الَّذِيــنَ مِنْ قَــبْــلِهِمْ } [ العنكبوت : 3 ] أي : امتحناهم ، وقوله تعالى : { أَنْ يَقُوُلُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْــتَــنُــون } [ العنكبوت : 2 ] ، أي: يُـبتلون ، وقوله تعالى : { وَلَقَد فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَونَ } [ الدخان : 17 ] ، أي:ابتليناهم
4ً ـ وبمعنـــى العــــذاب :
ومنه قوله تعالى :{ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَافُتِنُـــوا } [ النحل : 110] أي : عُذبوا ، وقولـه تعالى : { ذُوقُوا فِتْنَتَكُــــــم ْ } [ الذاريات : 14 ] ، ومنه قوله تعالى : { جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ الله } [ العنكبوت : 10 ] .
5ً ـ وبمعنى الإثم : ومنه قوله تعالى : { وَمِنْهُم مَن يَقُولُ ائْذَن لِي وَلاتَـفْتِنـِّي أَلاَ في الفِتْنَةِ سَقَطُوا } [ التوبــة : 49 ] ، أي في الإثـــم ســقطوا ، ومنــه قولـه تعـالى : { فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ } [ النور : 63 ] ، أي : إثم .
6ً ـ بمعنــى التعذيب والإحـــراق بالنـار : ومنه قوله تعالى : { ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ } [ الذاريات : 14] أي حُرَقكـم ، ومنــه قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ } [ البروج : 10 ] أي : عذَّبوهم .
7ً ـ وبمعنى القتل والهلاك : ومنه قوله تعالى : { إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ } [ النساء : 101 ] ، أي يقتلكم ، وقوله تعالى : { عَلَى خَوْفٍ مِّنْ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيــْهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ } [ يونس 83 ] أي : يقتلهم .
8ً ـ الصدُّ عن الصـراط المســتقيم : ومنه قوله تعالى : { وَإِنْ كــَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ } [ الإسراء : 73 ] ، ومنه قوله تعالى : { وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ } [ المائدة 49] أي : يصـدوك ، وقيـل : يوقعـوك في بليـة وشــدة في صرفهم إياك عما أوحي إليك ( ) .
9ً ـ بمعنى الحيرة والضلالة : ومنه قوله تعالى : { وَمَن يُرِدِ الَّلهُ فِتْنَتَهُ } [ المائدة 41 ] ، أي : ضلالته ، وقوله تعالى : { مَاأَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَــتِنِيْنَ } [ الصافات : 162 ] أي بضالِّين .
10ً ـ وبمعنى العُذْر والعلة : ومنه قوله تعالى : { ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَالَّلهِ رَبِّنا مَاكُناَّ مُشْرِكِينَ } [ الأنعام 23 ] ، أي : عُذرهم .
11ً ـ وبمعنى الجنون والغفلة : ومنه قوله تعالى : { فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونَ } [ القلم : 6 ] أي : الجنون ( ) .
هذه هي الأوجه التي اتفق عليها الفيروز أبادي وابن الجوزي ، وقد بلغت أحد عشر وجهاً .
* وأما مازاده ابن الجوزي على الفيروز أبادي فأربعة أوجه هاك إياها :
1 ـ الفتنة بمعنى العِبْرة : ومنه قولـــه تعـالى : { رَبَّنَا لاَتَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَومِ الظَّــلِـمِينَ } [ يونـــس : 85 ] ، وقولــه تعـالى : { لاَتَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّــِلَّذِينَ كَفَرُواْ } [ الممتحنة : 5 ] .
2 ـ بمعنى العقوبة : ومنه قوله تعالى : { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيــبَهُمْ فِتْنَةٌ } [ النور : 63 ] .
3 ـ بمعنى المرض : ومنه قوله تعالى { أَوَلاَ يَرَوْنَ أَ نَّــهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُـلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ } [ التوبة : 126 ] .
4 ـ بمعنى القضاء : ومنه قوله تعالى : { إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاء } ( ) [ الأعراف 155 ] .
وهناك وجوه ومعان أُخر غير التي ذكرها العلامتان ابن الجوزي والفيروز أبادي ، وهي متناثرة في ثنايا كتب التفسير لاسيما تفسير ابن جرير الطبري ، وتفسير النكت والعيون للماوردي ، وتفسير القرطبي ، والشوكاني ـ رحمهم الله جميعاً ـ .
ومن تلك الوجوه والمعاني ـ أيضاً ـ ماذكره العلامة المحدث الحافظ ابن حجر العسقلاني ـ رحمه الله ـ عند تفسير الألفاظ الغريبة الواردة في صحيح البخاري ، ومما ذكره : (جاءت الفتنة بمعنى ذهاب العقل (( كدنا أن نُفتن في صلاتنا )) ( ) وبمعنى التوبيخ قوله : { ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي } [ التوبة 49 ] ، قال : أي : لاتوبخني ، وقال غيره: لاتضلني ، ووردت بمعنى الالتهاء بالشيء عن أولى منه ، ومنه { إِنَّمَا أَمْوَ لُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ } [ التغابن : 15 ] ، وبمعنى الدلالة على الشيء ومنه : { وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ } ) ( ) [ الإسراء : 73 ] .
وقال في موضع آخر : ( وتطلق ـ يعني الفتنة ـ على الكفر ، والغلو في التأويل البعيد ، وعلى الفضيحة والبلية والعذاب والقتال والتحول من الحسن إلى القبيح ، والميل إلى الشيء والإعجاب به ، وتكون في الخير والشر كقوله تعالى : { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِفِتْنَةً } ( ) [ الأنبياء : 35 ] .
هذا وقد ذكر الحسين بن محمد الدامغاني ( ) الأحد عشر وجهاً التي اتفق عليها ابن الجوزي والفيروز أبادي ، إلا أنه لم يذكر أنها تأتي بمعنى الإثم ، وذكر بدلاً من هذا الوجه وجهاً آخر لم يذكراه وهو أن الفتنة تأتي بمعنى الإعجـــــاب بالشـيء ، قال تعالى : { رَبَّنَا لاَتَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّــِلْقَومِ الظَّــلِمِيْنَ } [ يونس 85 ] أي : لاتسلط علينا فرعون وقومه فيقولون : لولا أننا أمثل منكم ماسُلّطنا عليكم . فيكون ذلك فتنة ( ) .
وقد بين أبو هلال العسكري ( ) الفرق بين الفتنة والاختبار فقال ـ رحمه الله ـ : الفرق بين الفتنة والاختبار : أن الفتنة أشد الإختبار وأبلغه ، وأصله عرض الذهب ليتبين صــلاحه من فساده . ومنه قوله تعالى : { يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُــونَ } [ الذاريات : 13 ] ، ويكون في الخير والشر ، ألا تسمع قوله تعالى : { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَولاَدُكُم فِتْنَةٌ } [ التغابن : 15] ، وقال تعالى : { لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقَاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيْهِ } [ الجن : 16 ـ 17 ] ، فجعل النعمة فتنة ، لأنه قصد بها المبالغة في اختبار المنعم عليه بها كالذهب إذا أريد المبالغة في تعرف حاله فيراني أدخل النار ، والله تعالى لايختبر العبد لتغيير حاله في الخير والشر ، وإنما المراد بذلك شدة التكليف ( ) .
هذا ومما سبق يتبين لنا أن لفظ الفتنة في القرآن يأتي على وجوه كثيرة ، وأن له معان شتى ، من أهمها : الشرك والكفر والابتلاء والامتحان والاختبار والعذاب والاثم والإحراق والتعذيب والقتل والهلاك والضلال والجنون والعذر وغير ذلك مما ذكر في موضعه بإطناب ، والله أعلم بالصواب .