هكذا تتحطم القلوب   (     آخر رد : dreamer2005  ،   الردود : 6 )     ░◄°° يوم من حياة عضو أو مشرف °°►░   (     آخر رد : شمس النهار  ،   الردود : 26 )     عندما يدخل غير المسلمين الاسلام تقشعر ابداننا لنطق الشهادة تعظيما للموقف.جرب بنفسك   (     آخر رد : dreamer2005  ،   الردود : 3 )     هل ما زلت تفرح بالعيد مثلما كنت تفرح به عندنا كنت صغير السن   (     آخر رد : dreamer2005  ،   الردود : 3 )     لانريـــد الكمـــال ولكـــن نريـــد قلوبـــا تصحـــو عنـــد الخطـــأ....   (     آخر رد : dreamer2005  ،   الردود : 4 )     نصائح مهمة لمستخدمي طرق الشارقة ودبي   (     آخر رد : شمس النهار  ،   الردود : 1 )     سر من أســـــــــرار توقيت الصلوات الخمس   (     آخر رد : شمس النهار  ،   الردود : 2 )     Dream_Aquariumحوض اسماك حقيقي مع صوت الماء على شاشتك   (     آخر رد : حسناء جدة  ،   الردود : 22 )     خواطر حقيقيه   (     آخر رد : بدر كويتي  ،   الردود : 0 )     طال غيابه...   (     آخر رد : بدر كويتي  ،   الردود : 2 )     
   
التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز المشرفة المميزه
مسـ.لوله.ـتر هكذا تتحطم القلوب
بقلم : اموله.
بحر المشاعر ألم مدفون

هدية العروس بريد أعضاء منتديات أصداف مطبخ أصداف للأكلات البحرية الخليجية

تنشيط العضوية

  شاهد منزلك من الفضاء مركز عرب 14 لتحميل الصور طلب كود التنشيط
العودة   منتديات أصداف > الصـدفـات الإسـلامـيـــة > الإسلام والشريعة

المنتج الإسلامي 2.0

الإسلام والشريعة

موقف المسلم من الفتن فى ضوء الكتاب والسنة

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
قديم 16-05-2004   #1 (permalink)
مشرف سابق
 










    

موقف المسلم من الفتن فى ضوء الكتاب والسنة

المبحث الأول
‏{ تعريف الفتنة لغة واصطلاحا والعلاقة بينهما }‏

‏= = = = = = = = = = = = = = ‏
‏* قــال الجوهـــري (‏ ‏) : الفتنة : الامتحان والاختبار . تقول : فتنت ‏الذهب ، إذا أدخلتــه النــار لتنظــر ماجودتــه ، ودينار مفتون . قال تعالى : ‏‏{ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ المُؤْمِنِينَ } (‏ ‏) [البروج : 10 ] .‏
‏* ونقل ابن منظور عن الأزهري (‏ ‏

لا يمكنكم مشاهده باقي المشاركة لأنك زائر ...
فإذا كنت مشترك مسبقا معنا  فقم بتسجيل دخول بعضويتك للمتابعة وإذا لم تكن  فيمكنك تسجيل عضوية جديدة مجانا ً ( من هنا )
اسم العضوية
كلمة المرور

أحمد سعد الدين غير متصل عرض ألبوم أحمد سعد الدين  
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
Google AdSense
Google AdSense
قديم 16-05-2004   #2 (permalink)
مشرف سابق
 










    

المبحث الثاني
‏{ وجوه الفتنة في القرآن }‏

‏===========‏
إن المتأمل لآيات الفتنة الواردة في القرآن يجد أنها ترد على وجوه ‏كثيرة ومعان متعددة مختلفة ، ومن سَبَرَ كتب التفسير ، وغاص في بطونها ‏، وجد أن المفسرين ـ رحمهم الله ـ قد ذكروا للفتنة وجوهاً كثيرة ومتعددة ‏وستذكر زبدتها وخلاصتها هنا ـ إن شاء الله تعالى ـ إلا أنه تبين ـ بعد ‏جمعها ـ أن بعض العلماء قد حددها بخمسة عشر وجهاً ، والبعض الآخر ‏حددها باثني عشر وجهاً .‏
فممَّن حددها بخمسة عشر وجهاً العلامة ابن الجوزي (‏ ‏) ـ رحمه ‏الله ـ ، وممن حددها باثني عشر وجهاً العلامة الفيروز أبادي (‏ ‏) . فهاهي ‏أولاً الأوجه التي اتفقا عليها، ثم مازاده ابن الجوزي على الفيروز أبادي .‏
‏* فأما الأوجه التي اتفقا عليها فهي كما يلي : ‏
‏1ً ـ الفتنة بمعنى الشرك : ومنه قوله تعــالى : { وَقــــَتِلُوهُمْ حَتَّى ‏لاَتَكُونَ فِتْنَةٌ } [البقرة : 193] ، وقوله تعالى : { وَالفِتْنَةُ أَكْبرُ َ مِنَ القَتْلِ ‏‏} [ البقرة 217 ] وقوله تعالى { حَتَّى لاَتَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الــّدِيـــْنُ كُلُّه ‏لِلَّهِ } [ الأنفال : 39 ] . ‏
‏2ً ـ بمعنى الكفر : ومنه قوله تعالى : { فَأَمّا الَّــِذيْــنَ في قُلُوبِهِمْ ‏زَيــْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَاتَــشَـابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ } [ آل عمران : 7 ] ، ‏وقولــه تعــالى : { لَقَــدِ ابــْتَــغُــوا الفِتْنَةَ } [ التوبة 48 ] .‏
‏ 3ً ـ بمعنــى الابتــلاء والاختبــار والمحنـــة : ‏
ومنـه قوله تعالى : { وَفَتَنـــَّكَ فُــتُونًا } [ طه 40] أي : بلوناك . ‏وقولـه تعــالى : { وَلَقَد فَتــَنَّــا الَّذِيــنَ مِنْ قَــبْــلِهِمْ } [ العنكبوت : 3 ] أي ‏‏: امتحناهم ، وقوله تعالى : { أَنْ يَقُوُلُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْــتَــنُــون } [ ‏العنكبوت : 2 ] ، أي: يُـبتلون ، وقوله تعالى : { وَلَقَد فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ ‏فِرْعَونَ } [ الدخان : 17 ] ، أي:ابتليناهم ‏
‏4ً ـ وبمعنـــى العــــذاب : ‏
ومنه قوله تعالى :{ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَافُتِنُـــوا } [ ‏النحل : 110] أي : عُذبوا ، وقولـه تعالى : { ذُوقُوا فِتْنَتَكُــــــم ْ } [ ‏الذاريات : 14 ] ، ومنه قوله تعالى : { جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ الله } [ ‏العنكبوت : 10 ] .‏
‏5ً ـ وبمعنى الإثم : ومنه قوله تعالى : { وَمِنْهُم مَن يَقُولُ ائْذَن لِي ‏وَلاتَـفْتِنـِّي أَلاَ في الفِتْنَةِ سَقَطُوا } [ التوبــة : 49 ] ، أي في الإثـــم ‏ســقطوا ، ومنــه قولـه تعـالى : { فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ ‏تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ } [ النور : 63 ] ، أي : إثم .‏
‏6ً ـ بمعنــى التعذيب والإحـــراق بالنـار : ومنه قوله تعالى : { ذُوقُواْ ‏فِتْنَتَكُمْ } [ الذاريات : 14] أي حُرَقكـم ، ومنــه قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ ‏فَتَنُواْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ } [ البروج : 10 ] أي : عذَّبوهم . ‏
‏7ً ـ وبمعنى القتل والهلاك : ومنه قوله تعالى : { إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ‏الَّذِينَ كَفَرُواْ } [ النساء : 101 ] ، أي يقتلكم ، وقوله تعالى : { عَلَى خَوْفٍ ‏مِّنْ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيــْهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ } [ يونس 83 ] أي : يقتلهم .‏
‏8ً ـ الصدُّ عن الصـراط المســتقيم : ومنه قوله تعالى : { وَإِنْ كــَادُواْ ‏لَيَفْتِنُونَكَ } [ الإسراء : 73 ] ، ومنه قوله تعالى : { وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ ‏‏} [ المائدة 49] أي : يصـدوك ، وقيـل : يوقعـوك في بليـة وشــدة في ‏صرفهم إياك عما أوحي إليك (‏ ‏) .‏
‏9ً ـ بمعنى الحيرة والضلالة : ومنه قوله تعالى : { وَمَن يُرِدِ الَّلهُ ‏فِتْنَتَهُ } [ المائدة 41 ] ، أي : ضلالته ، وقوله تعالى : { مَاأَنتُمْ عَلَيْهِ ‏بِفَــتِنِيْنَ } [ الصافات : 162 ] أي بضالِّين .‏
‏10ً ـ وبمعنى العُذْر والعلة : ومنه قوله تعالى : { ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ ‏إِلاَّ أَن قَالُواْ وَالَّلهِ رَبِّنا مَاكُناَّ مُشْرِكِينَ } [ الأنعام 23 ] ، أي : عُذرهم .‏
‏11ً ـ وبمعنى الجنون والغفلة : ومنه قوله تعالى : { فَسَتُبْصِرُ ‏وَيُبْصِرُونَ بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونَ } [ القلم : 6 ] أي : الجنون (‏ ‏) .‏
هذه هي الأوجه التي اتفق عليها الفيروز أبادي وابن الجوزي ، وقد ‏بلغت أحد عشر وجهاً .‏
‏* وأما مازاده ابن الجوزي على الفيروز أبادي فأربعة أوجه ‏هاك إياها :‏
‏1 ـ الفتنة بمعنى العِبْرة : ومنه قولـــه تعـالى : { رَبَّنَا لاَتَجْعَلْنَا فِتْنَةً ‏لِّلْقَومِ الظَّــلِـمِينَ } [ يونـــس : 85 ] ، وقولــه تعـالى : { لاَتَجْعَلْنَا فِتْنَةً ‏لّــِلَّذِينَ كَفَرُواْ } [ الممتحنة : 5 ] . ‏
‏2 ـ بمعنى العقوبة : ومنه قوله تعالى : { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ ‏أَمْرِهِ أَن تُصِيــبَهُمْ فِتْنَةٌ } [ النور : 63 ] .‏
‏3 ـ بمعنى المرض : ومنه قوله تعالى { أَوَلاَ يَرَوْنَ أَ نَّــهُمْ يُفْتَنُونَ ‏فِي كُـلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ } [ التوبة : 126 ] .‏
‏4 ـ بمعنى القضاء : ومنه قوله تعالى : { إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا ‏مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاء } (‏ ‏) [ الأعراف 155 ] .‏
وهناك وجوه ومعان أُخر غير التي ذكرها العلامتان ابن الجوزي ‏والفيروز أبادي ، وهي متناثرة في ثنايا كتب التفسير لاسيما تفسير ابن ‏جرير الطبري ، وتفسير النكت والعيون للماوردي ، وتفسير القرطبي ، ‏والشوكاني ـ رحمهم الله جميعاً ـ .‏
ومن تلك الوجوه والمعاني ـ أيضاً ـ ماذكره العلامة المحدث الحافظ ‏ابن حجر العسقلاني ـ رحمه الله ـ عند تفسير الألفاظ الغريبة الواردة في ‏صحيح البخاري ، ومما ذكره : (جاءت الفتنة بمعنى ذهاب العقل (( كدنا أن ‏نُفتن في صلاتنا )) (‏ ‏) وبمعنى التوبيخ قوله : { ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي } [ ‏التوبة 49 ] ، قال : أي : لاتوبخني ، وقال غيره: لاتضلني ، ووردت بمعنى ‏الالتهاء بالشيء عن أولى منه ، ومنه { إِنَّمَا أَمْوَ لُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ } [ ‏التغابن : 15 ] ، وبمعنى الدلالة على الشيء ومنه : { وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ ‏‏} ) (‏ ‏) [ الإسراء : 73 ] .‏
وقال في موضع آخر : ( وتطلق ـ يعني الفتنة ـ على الكفر ، والغلو ‏في التأويل البعيد ، وعلى الفضيحة والبلية والعذاب والقتال والتحول من ‏الحسن إلى القبيح ، والميل إلى الشيء والإعجاب به ، وتكون في الخير ‏والشر كقوله تعالى : { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِفِتْنَةً } (‏ ‏) [ الأنبياء : 35 ‏‏] . ‏
هذا وقد ذكر الحسين بن محمد الدامغاني (‏ ‏) الأحد عشر وجهاً ‏التي اتفق عليها ابن الجوزي والفيروز أبادي ، إلا أنه لم يذكر أنها تأتي ‏بمعنى الإثم ، وذكر بدلاً من هذا الوجه وجهاً آخر لم يذكراه وهو أن الفتنة ‏تأتي بمعنى الإعجـــــاب بالشـيء ، قال تعالى : { رَبَّنَا لاَتَجْعَلْنَا فِتْنَةً ‏لّــِلْقَومِ الظَّــلِمِيْنَ } [ يونس 85 ] أي : لاتسلط علينا فرعون وقومه ‏فيقولون : لولا أننا أمثل منكم ماسُلّطنا عليكم . فيكون ذلك فتنة (‏ ‏) . ‏
وقد بين أبو هلال العسكري (‏ ‏) الفرق بين الفتنة والاختبار فقال ـ ‏رحمه الله ـ : الفرق بين الفتنة والاختبار : أن الفتنة أشد الإختبار وأبلغه ، ‏وأصله عرض الذهب ليتبين صــلاحه من فساده . ومنه قوله تعالى : { يَوْمَ ‏هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُــونَ } [ الذاريات : 13 ] ، ويكون في الخير والشر ، ‏ألا تسمع قوله تعالى : { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَولاَدُكُم فِتْنَةٌ } [ التغابن : 15] ، ‏وقال تعالى : { لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقَاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيْهِ } [ الجن : 16 ـ 17 ] ‏، فجعل النعمة فتنة ، لأنه قصد بها المبالغة في اختبار المنعم عليه بها ‏كالذهب إذا أريد المبالغة في تعرف حاله فيراني أدخل النار ، والله تعالى ‏لايختبر العبد لتغيير حاله في الخير والشر ، وإنما المراد بذلك شدة التكليف ‏‏(‏ ‏) .‏
هذا ومما سبق يتبين لنا أن لفظ الفتنة في القرآن يأتي على ‏وجوه كثيرة ، وأن له معان شتى ، من أهمها : الشرك والكفر والابتلاء ‏والامتحان والاختبار والعذاب والاثم والإحراق والتعذيب والقتل والهلاك ‏والضلال والجنون والعذر وغير ذلك مما ذكر في موضعه بإطناب ، والله ‏أعلم بالصواب . ‏


أحمد سعد الدين غير متصل عرض ألبوم أحمد سعد الدين  
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 16-05-2004   #3 (permalink)
مشرف سابق
 










    

المبحث الثالث
‏{ سنة الله في فتنة المؤمنين }‏

‏=================‏
إن من سنن الله تعالى في خلقه ابتلاء هم وتعريضهم للفتنة ، حتى ‏يعلم الذين صدقوا منهم ويعلم الكاذبين . ‏
فسنة الحياة الدنيا والبشر فيها ، تجعل من المستحيل أن يخلو المرء ‏فيها من فتن وكوارث تصيبه ، ومحن وشدائد تحل بساحته ، فكم يَخْفِقُ له ‏عمل ، أو يخيب له أمل ، أو يموت له حبيب ، أو يمرض له بدن أو قريب ، ‏أو يُفْقد منه مال ، أو ...... أو ..... الى آخر مايفيض به نهر الحياة ... حتى ‏قال الشاعر يصف الدنيا :‏
جُبلت على كدر وأنت تُريدها صفواً من الآلام والأكدار !‏
ومُكلِّفُ الأيام ضد طِباعهـــــا مُتَطَلِّبٌ في الماء جذوة ناره ‏
‏ هذه سنة الله تعالى في الحياة الدنيا ، وهو سبحانه وتعالى إنما خلق ‏السماوات والأرض ، وخلق الموت والحياة ، وزيّن الأرض بما عليها ، ‏لابتلاء عباده وامتحانهم ، ليعلم من يريده ويريد ماعنده ممن يريد الدنيا ‏وزينتها .‏
قال الله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَــوَ تِ والأَرْضَ في سِتَةِ أَيَّامٍ ‏وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَ يُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } [ هود : 7 ] . ‏وقــال تعـالى : { إِنَّا جَعَلْنَا مَاعَلَى الأَرْضِ زِيــْنَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَ يُّهُمْ ‏أَحْسَنُ عَمَلاً } [ الكهف : 7 ] .‏
‏( فالاختبار والتمحيص مَحَك صدق الإيمان في السابقين والصالحين ‏‏. فقد بين الله ـ سبحانه وتعالى ـ أنه لابد من الاختبار والتعرض للفتنة ‏للتحقق من قوة الإيمان وصدقه ، وأن ذلك سنة الله في السابقين والصالحين ‏، يقول الله تعالى : { أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُـتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُمْ ‏لاَيُفْـتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِ ينَ مِن قَبْــلـِهِمْ فَليَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ ‏وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِـينَ } [ العنكبوت : 2 ـ 3 ] . ‏
قال الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ عند تفسيرها : ( استفهام انكار ، ‏ومعناه : أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لابد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ‏ماعندهم من الإيمان ....) (‏ ‏).‏
وقد جاء الاستفهام الإنكاري هنا على الذين يظنون أنهم مؤمنون ‏بمجرد ادعاء الإيمان باللسـان ، دون التعــرض للمحنــة والإبتلاء ، وثباتهم ‏في ميدان الإختبار والإمتحان (‏ ‏).‏
والاستفهام الإستنكاري في هذه الآية أُريد به التقرير والتوبيخ ، ‏ومعناه:الظن (‏ ‏) .‏
‏( أي : أَظَنَّ من آمن من الناس أن يُتركوا دون اختبار وتمحيص ‏لمجرد قولهم باللسان: آمنا ؟ لا . ليس الأمر كما ظنوا ، فلا بد من الإمتحان ‏ليتميز الصادق من الكاذب ، وكرر قوله : { وليعلمن الله } بعد قوله : { ‏فليعلمن الله } ، لزيادة التأكيد والتقرير ) (‏ ‏) .‏
‏( إن الإيمان ليس كلمة تقال ، إنما هو حقيقة ذات تكاليف ؛ وأمانة ‏ذات أعباء ؛ وجهاد يحتاج إلى صبر ، وجهد يحتاج إلى احتمال . فلا يكفي ‏أن يقول الناس : آمنا . وهم لايُتركون لهذه الدعوة ، حتى يتعرضوا للفتنة ‏فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم ، خالصة قلوبهم . كما تفتن ‏النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به ـ وهذا هو أصل ‏الكلمة اللغوي ، وله دلالته وظله وإيحاؤه ـ وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب .‏
هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت ، وسنة جارية في ميزان الله ـ ‏سبحانه ـ ) (‏ ‏) .‏
‏( وهذا الطريق الذي حدده الله ـ تعالى ـ للإيمان ليس بِدَعاً ولا جديدا ‏في عالم الدعوات ، بل هو قديم أزلي مرت به الدعوات السابقة ، وستمر به ‏الدعوات اللاحقة ، الى أن يأخذ الله الأرض ومن عليها { وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِ ينَ ‏مِن قَبْــلـِهِمْ فَليَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِ ينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِـينَ } [ العنكبوت ‏‏: 3 ] . وهذا الاختبار ليس القصد منه رمي المؤمنين في الفتنة ، وإنما ‏الغاية أن يمحص الله المؤمنين بالتجربة والاختبار ، فيعلم ـ وهو العليم ‏الخبير ـ الصادق منهم والكاذب ، حيث يسقط الأدعياء ويبقى الأولياء ) ‏‏(‏ ‏) .‏
‏ ( والله يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء ، ولكن الابتلاء يكشف في ‏عالم الواقع ماهو مكشوف لعلم الله ، مغيب عن علم البشر ، فيحاسب الناس ‏إذن على مايقع من عملهم لاعلى مجرد مايعلمه سبحانه من أمرهم . وهو ‏فضل من الله من جانب ، وعدل من جانب ، وتربية للناس من جانب ، فلا ‏يأخذوا أحد اً إلا بما استعلن من أمره ، وبما حققه فعله . فليسوا بأعلم من الله ‏بحقيقة قلبه ! ) (‏ ‏) .‏
وهذا المعنى الذي دلت عليه الآيات السابقة قد جاء مبيناً في آيات ‏أُخَر من كتاب الله كقوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم ‏مَثَلُ الَّذِ ينَ خَلَواْ مِن قَـبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَ زُ لْزِلُواْ حَـتَّى ‏يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ } ‏‏[ البقرة : 214 ] . وقوله : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ ‏الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِ يـنَ } [ آل عمران : 142] ، وقوله ‏تعالى : { وَلَنَبْلُوَ نَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ ا لْمُجَــهِدِ ينَ مِنكُمْ وَالصَّــبِرِيــنَ وَ ‏نـَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ } [ محمد : 31 ] ، وقوله تعالى : { َمَا كَانَ اللهُ لِـيَذَرَ ‏المُؤْمِنــِينَ عَلَى مَاأَنـتُمْ عَلَيْهِ حَـتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ... } ‏الآية [ آل عمران: 179 ] ، وقوله تعالى : { وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَافِي ‏صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَافِي قُلُوبِـكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [ آل ‏عمران : 154 ] ، وقوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تـُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ ‏الَّذِ ينَ جَــهَدُواْ مِنكُمْ وَ لَمْ يَـتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللهِ وَ لاَ رَسُولِهِ وَ لاَ ‏المُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [ التوبة : 16 ] ، إلى غير ‏ذلك من الآيات ، وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله هنــا: { وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِ ينَ ‏مِن قَبْــلـِهِمْ فَليَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِ ينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِـينَ } (‏ ‏) ‏‏[العنكبوت : 3 ] . أي : ابتلينا الماضين كالخليل أُلقي في النار، وكقوم ‏نُشروا بالمناشير في دين الله فلم يرجعوا عنه ، وكقوم موسى وفتنة فرعون ‏لهم ، وغيرهم من المؤمنين في غابر الأزمان (‏ ‏) .‏
قال ابن جرير الطبري ـ رحمه الله تعالى ـ عند تفسير هذه الآية ‏مانصه : ( يقول تعالى ذكره : ولقد اختبرنا الذين من قبلهم من الأمم ، ممن ‏أرسنا إليهم رسلنا ، فقالوا مثل ماقالته أمتك يامحمد بأعدائهم ، وتمكيننا ‏إياهم من أذاهم كموسى إذ أرسلناه إلى بني إسرائيل ، فابتليناهم بفرعون ‏وملئهم ، وكعيسى إذ أرسلناه إلى بني إسرائيل ، فابتلينا من اتبعه بمن تولى ‏عنه ، فكذلك ابتلينا أتباعك بمخالفيك من أعدائك { فَليَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِ ينَ ‏صَدَقُواْ } منهم في قيلهم آمنا { وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِـينَ } منهم في قيلهم ذلك ، ‏والله عالم بذلك منهم قبل الاختبار ، وفي حال الاختبار ، وبعد الاختبار ، ‏ولكن معنى ذلك : وليظهرن الله صدق الصادق منهم في قيله آمنا بالله من ‏كذب الكاذب منهم بابتلائه إياه بعدوه ، ليعلم صدقه من كذبه أولياؤه ) (‏ ‏).‏
وقال ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ عند تفسير قوله تعالى : { فَليَعْلَمَنَّ ‏اللهُ الَّذِ ينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِـينَ } [العنكبوت : 3 ] ، أي : الذين ‏صدقوا في دعوى الإيمان ممن هو كاذب في قوله ودعواه ، والله ـ سبحانه ‏وتعالى ـ يعلم ماكان وما يكون ومالم يكن لو كان كيف يكون . وهذا مجمع ‏عليه عند أئمة السنة والجماعة ، وبهذا يقول ابن عباس وغيره ... (‏ ‏) .‏
هذا وقد بينت السنة الثابتة أن هذا الابتلاء المذكور في هذه الآية يُبتلى ‏به المؤمنون على قدر ماعنــدهم من الإيمان ، كمــا في حديث أبي سعيد ‏الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ‏يوعك ، فوضعت يدي عليه ، فوجدت حرّة بين يدي فوق اللحاف . فقلت : ‏يارسول الله ماأشدَّها عليك؟ قال : (( إنا كذلك يُضَعَّف لنا البلاء ويُضَعَّف لنا ‏الأجر )) قلت : يارسول الله ! أيّ الناس أشد بلاء ؟ قال : (( الأنبياء )) وقلت ‏‏: ثم من ؟ قال : (( ثم الصالحون إن كان أحدهم ليُبتلى بالفقر حتى مايجـد إلا العباءة ‏يُحَوِّيْهَا ، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء )) (‏ ‏) .‏
وعن سعد بن أبي وقاص قال : قلت : يارسول الله ! أي الناس أشد ‏بلاءً ؟ قال : (( الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل . يبتلى العبد على حسب دينه . فإن كان ‏في دينه صُلباً اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه رِقّة ابتلي على حسب دينه . فما يبرح ‏البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وماعليه من خطيئة )) (‏ ‏) .‏
وعن خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة ، فقلنا له : ألا تسـتنصر لنا ؟ ألا ‏تدعو لنا ؟ فقال : (( قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل ‏فيها ، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ‏لحمه وعظمه فما يصرفه ذلك عن دينه، والله لَـيُتِمَّن هذا الأمر حتى يسير الراكب من ‏صنعاء إلى حضرموت لايخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون )) (‏ ‏) ‏‏.‏
‏( وفي هذه الأحاديث دلالة صريحة على أن المؤمن كلما كان أقوى ‏إيماناً ، ازداد بلاءً وامتحاناً ، والعكس بالعكس ... فالبلاء غالباً دليل خير ، ‏وليس نذير شر كما يدل على ذلك حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏قال : (( إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم ، فمن ‏رضي فله الرضا ، ومن ســخط فله السخط )) (‏ ‏) .‏
وقد دل هذا الحديث ـ أيضاً ـ على أمر زائد على ماسبق ، وهو أن ‏البلاء إنما يكون خيراً ، وأن صاحبه يكون محبوباً عند الله تعالى ، إذا صبر ‏على بلاء الله تعالى ، ورضــي بقضاء الله عز وجل . ويشهد لذلك قوله ‏صلى الله عليه وسلم : (( عجبت لأمـــر المـؤمن ، إن أمره كله خير ، إن أصابه ‏مايحب حمد الله وكان له خير ، وإن أصابــه مايكــره فصبر كان له خير ، وليس كل ‏أحد أمره كله خير إلا المؤمن )) (‏ ‏) ) (‏ ‏)‏
فكل مكلف عاقل من المسلمين ، ومن السابقين ، من الإنس ومن ‏الجن ، مبتلى وممتحن بألوان من الفتن ، على مستوى الأفراد وعلى ‏مستوى الأمم ، كل ذلك ليميز الله الخبيث من الطيب ، والصادق من الكاذب ‏، وهذه سنة الله في خلقه منذ القدم .‏
‏( إن الإيمان أمانة الله في الأرض ، لايحملها إلا من هم لها أهل ، ‏وفيهم على حملها قدرة ، وفي قلوبهم تجرد لها وإخلاص . وإلا الذين ‏يؤثرونها على الراحة والدعة ، وعلى الأمن والسلامة ، وعلى المتاع ‏والإغراء . وإنها لأمانة الخلافة في الأرض ، وقيادة الناس إلى طريق الله ، ‏وتحقيق كلمته في عالم الحياة . فهي أمانة كريمة ، وهي أمانة ثقيلة ، وهي ‏من أمر الله يضطلع بها الناس ، ومن ثم تحتاج إلى طراز خاص يصبر ‏على الإبتلاء .‏
ومن الفتنة أن يتعرض المؤمن للأذى من الباطل وأهله ، ثم لايجد ‏النصير الذي يسانده ويدفع عنه ، ولا يملك النصرة لنفسه ولا المنعة ؛ ولا ‏يجد القوة التي يواجه بها الطغيان . وهذه هي الصورة البارزة للفتنة ، ‏المعهودة في الذهن حين تذكر الفتنة . ولكنها ليست أعنف صور الفتنة . ‏فهناك فتن كثيرة في صور شتى ، ربما كانت أمرُّ وأدهى .‏
هناك فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه ‏، وهو لايملك عنهم دفعاً ، وقد يهتفون به ليسالم أو ليستسلم ، وينادونه باسم ‏الحب والقرابة ، واتقاء الله في الرحم التي يعرضها للأذى أو الهلاك ) (‏ ‏) ‏‏.‏
وقد أُشير في سورة العنكبوت ـ عند قوله تعالى : { وَوَصَّـيْنَا الإِ ‏نْسَــنَ بِوَالِدَيـْهِ حُسْناً ...} [ العنكبوت : 8 ] ـ إلى لون من هذه الفتنة ، ‏وهي الفتنة مع الوالدين ، وهو لون شاق عسير .‏
ومن ذلك ماتعرض له الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص ـ رضي ‏الله عنه ـ، عندما امتنعت أمه عن الطعام حتى تموت جوعاً ـ بُغْية إرغامه ‏على ارتداده عن الإسلام ـ فيعيره العرب بعقوقه لأمه ، فأوصاه الله تعالى ‏ببرها وعدم طاعتها بالمعصية . ‏
‏( وهناك فتنة إقبال الدنيا على المبطلين ، ورؤية الناس لهم ناجحين ‏مرموقين ، تهتف لهم الدنيا ، وتصفق لهم الجماهير ، وتتحطم في طريقهم ‏العوائق ، وتصاغ لهم الأمجاد وتصفو لهم الحياة . وهو مُهْمَل مُنْكَر لايحس ‏به أحد ، ولايحامي عنه أحد ، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون ‏من أمثاله الذين لايملكون من أمر الحياة شيئاً .‏
وهنالك فتنة الغربة في البيئة والاستيحاش بالعقيدة ، حين ينظر ‏المؤمن فيرى كل ماحوله وكل من حوله غارقاً في تيار الضلالة ، وهو ‏وحده موحش عريب طريد . ‏
وهناك فتنة من نوع آخر قد نراها بارزة في هذه الأيام . فتنة أن يجد ‏المؤمن أمماً ودولاً غارقة في الرذيلة ، وهي مع ذلك راقية في مجتمعها ، ‏متحضرة في حياتها ، يجد الفرد فيها من الرعاية والحماية مايناسب قيمة ‏الإنسان ، ويجدها غنية قوية ، وهي مشاقة لله ! ‏
وهنالك الفتنة الكبرى . أكبر من هذا كله وأعنف . فتنة النفس ‏والشهوة . وجاذبية الأرض ، وثِقلة اللحم والدم ، والرغبة في المتاع ‏والسلطان ، أو في الدّعة والاطمئنان ، وصعوبة الاستقامة على صراط ‏الإيمان والاستواء على مرتقاه ، مع المعوقات والمثبطات في أعماق النفس ‏، وفي ملابسات الحياة ، وفي منطق البيئة ، وفي تصورات أهل الزمان !‏
فإذا طال الأمد ، وأبطأ نصر الله ، كانت الفتنة أشد وأقسى . وكان ‏الابتلاء أشد وأعنف . ولم يثبت إلا من عصــم الله ، وهؤلاء هــم الذيـن ‏يحققون في أنفسهم حقيقة الإيمان ، ويؤتمنون على تلك الأمانة الكبرى ، ‏أمانة السماء في الأرض ، وأمانة الله في ضمير الإنسان . ‏
ومابالله ـ حاشا لله ـ أن يعذب المؤمنين بالابتلاء ، وأن يؤذيهم بالفتنــة ‏‏) (‏ ‏). فليس الابتلاء للمؤمنين ليلاً لاصبح بعده ، وإنما ذلك يكون لأمد ‏يعلمه الله في علم الغيب قد يطول وقد يقصر ، ولعل الآية التي وردت سابقاً ‏ـ وهي قول الله تعالى : { مَاكَانَ اللهُ لِـيَذَرَ الْمُؤْمِنـِينَ عَلَى مَاأَنتُمْ عَلَيْهِ ‏حَـتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهَُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ وَ ‏لَـكِنَّ الله َ يَجْتَبِى مِن رُسُلِهِ مَن يَشَاءُ ..... } الآيــة [ آل عمران: ‏‏179 ] ــ تدل على ذلك . ‏
فليس المؤمن يوجد في هذه الحياة ليكون العذاب والألم لزيمة أو ‏قرينة ، وإنما الأمر أمر تربية وإعداد . بتربية هذا المؤمن يتربى آخرون ، ‏وقد تتربى أمة بحالها ، والله تبارك وتعالى هو العليم وحده بالمقاصد ‏والغايات من وراء إجراء سننه في خلقه .‏
إنه : ( الإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة . فهي في حاجة إلى إعداد ‏خاص لايتم إلا بالمعاناة العملية للمشاق ، وإلا بالاستعلاء الحقيقي على ‏الشهوات ، وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام ، وإلا بالثقة الحقيقية في نصر ‏الله أو في ثوابه ، على الرغم من طول الفتنة وشدة الابتلاء .‏
والنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث ، وتستجيش كامن قواها ‏المذخورة فتستيقظ وتتجمع . وتطرقها بعنف وشدة فيشتد عودها ويصلب ‏ويصقل . وكذلك تفعل الشدائد بالجماعات ، فلا يبقى صامداً إلا أصلبها ‏عوداً ، وأقواها طبيعة ، وأشدها اتصالاً بالله ، وثقة فيما عنده من الحسنيين ‏‏: النصر أو الأجر ، وهؤلاء هم الذين يُسَلَّمون الراية في النهاية . مؤتمنين ‏عليها بعد الاستعداد والاختبار ) (‏ ‏).‏


أحمد سعد الدين غير متصل عرض ألبوم أحمد سعد الدين  
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 16-05-2004   #4 (permalink)
مشرف سابق
 










    

المبحث الرابع
‏{ الناس أمام الفتنة }‏

‏========‏
إن الناس يختلفون في الفتنة من ناحية استقبالهم وتصورهم لها . ‏فالناس معادن أمام الفتن ، فمنهم من يفتن نفسه بنفسه ، ومنهم من يفتن غيره ‏، ومنهم من يؤمن بلسانه ، فإذا أصابه بلاء من الله أو مصيبة في نفسه افتتن ‏‏.‏
وسيُعرض في هذا المبحث ـ إن شاء الله تعالى ـ نماذج من الناس أمام ‏الفتن .‏
المطلب الأول ‏
‏{ استقبال الناس للفتنة }‏
‏* * * *‏
إن بعض الناس يدعي الإيمان ويقول بلسانه آمنا ، بيد أنه إذا أوذي ‏في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله .‏
‏( ولما ذكر تعالى : أنه لابد أن يمتحن من ادّعى الايمان ، ليظهر ‏الصادق من الكاذب ـ كما تقدم في المبحث السابق ـ ، بيّن تعالى ، أن من ‏الناس فريقاً لاصبر لهم على المحن ، ولا ثبات لهم على بعض الزلازل ، ‏فقــال : { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَا مَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِىَ فِى اللهِ } [ ‏العنكبوت : 10 ] بضرب ، أو أخذ مال ، أو تعيير ، ليرتد عن دينه ، ‏وليراجع الباطل { جَعَلَ فِتْـنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ } [ العنكبوت : 10 ] أي : ‏يجعلها صادّة له عن الإيمان ، والثبات عليه ، كما أن العذاب صاد عما هو ‏سببه ) (‏ ‏) .‏
هذا حال بعض الناس ـ نسأل الله السلامة والعافية ـ وهذه صفات ‏المكذبين الذين يدَّعون الإيمان بألسنتهم ولم يثبت الإيمان في قلوبهم ، فإذا ‏ماجاءتهم محنة وفتنة في الدنيا اعتقدوا أن هذا من نقمة الله تعالى بهم ‏فارتدوا عن الإسلام ، وجزعوا من ذلك كما يُجزع من عذاب الله ، ولا ‏يصبروا على الأذية في الله .‏
فهذا الصنف من الناس هم الذين قال الله فيهم : { وَمِنَ النَّاسِ مَن ‏يَعْبُدُ اللهََ عَلَى حَرْفٍ فــَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَـتْهُ فِتْـنَةٌ ‏انـقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْـيَا وَالآخِرَةَ ذَلـِكَ هُوَ اْلخُسْرَانُ المُبِينُ } ‏‏[ الحج : 11 ] . ‏
إنهم يعبدون الله على حرف ، أي : على شك وطرف ، فإن وجدوا ‏مايحبونه استقروا وإلا انشمروا (‏ ‏) .‏
ثم أخبر سبحانه وتعالى ـ في بقية الآية نفسها ـ عن صفة أخرى من ‏صفاتهم أمام الفتنــة . فقـال تعــالى : { وَلَـئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ ‏إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ } [العنكبوت :10] . فأخبر تعالى بأنه لو جاء للمؤمنين نصر ‏قريب وفتح ومغانم من الله تعالى ليقولن هؤلاء المرتدون للمؤمنين إنا كنا ‏معكم ، أي : إخوانكم في الدين وهم كاذبون كما قال تعالى : { الَّذِينَ يَتَرَ ‏بَّصُونَ بـِكُمْ فَإِن كَانَ لـَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللهِ قَالُواْ أَ لَمْ نـَكُن مَّـعَكُمْ وَإِن كَانَ ‏لِـلْكَفـِرِ ينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعَكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ ‏النساء : 141 ] ، فرد الله عليهم وقال لهم : { أَوَ لَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى ‏صُدُورِ الْعَالَمِينَ } [ العنكبوت : 10 ] نعم ، أليس الله بأعلم بما في قلوبهم ‏وماتكنه ضمائرهم وإن أظهروا للمؤمنين الموافقة ؟ فهو ـ سبحانه وتعالى ـ ‏يعلم خائنة الأعين وماتخفي الصدور ، وهو أدرى وأعلم بما في أفئدتهم ‏منهم بأنفسهم . (‏ ‏)‏
هذا نموذج للناس أمام الفتنة ومدى استقبالهم لها ، فنسأل الله تعالى أن ‏لايجعلنا مثلهم وأن يجعلنا من الصابرين الصامدين صمود الجبال الراسيات ‏أمام الفتن الكاسحات وأن يجعلنا ممن تزيدهم إيمانا على إيمانهم وعلى ربهم ‏يتوكلون . أ هـ .‏
المطلب الثاني
‏{ فتنة الناس بعضهم البعض }‏
‏===========‏
إن من حكمة الله تعالى وسنته في خلقه أن يفتن الناس بعضهم ببعض ‏، ويختبرهم ويبلوهم ليعلم من يطيع ممن يعصي ، فالمسلم مبتلى بالكافر ‏ومفتون به ، والكافر مفتون بالمسلم ومبتلى به ، ويمتحن الله الأغنياء ‏بالفقراء ، والفقراء بالأغنياء ، والضعفاء بالأقوياء والأقوياء بالضعفاء ‏‏......... وهكذا يمتحن الله عباده بعضهم ببعض .‏
وللعلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ كلام نفيس فريد في بابه في هذا ‏الموضوع ، فها هو إيراد جملة منه مع بعض الزيادات من كلام علماء ‏السلف الصالح ـ رحمهم الله تعالى ـ . قال تعالى : { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ ‏فِتْنَةً } [ الفرقان : 20 ] ، أي: اختبرنا بعضكم ببعض وبلونا بعضكم ‏ببعض لنعلم من يطيع ممن يعصي . (‏ ‏) ‏
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ عند ذكره لهذه الآية :‏
‏( وهذا عام في جميع الخلق ، امتحن بعضهم ببعض ، فامتحن الرسل ‏بالمرسل إليهم ودعوتهم الى الحق والصبر على أذاهم . وتحمل المشاق في ‏تبليغهم رسالات ربهم ، وامتحن المرسل اليهم بالرسل ، وهل يطيعونهم ، ‏وينصرونهم ويصدقونهم أم يكفرون بهم ويردون عليهم ويقاتلونهم ؟ ‏وامتحن العلماء بالجهال ، هل يعلمونهم وينصحونهم ، ويصبرون على ‏تعليمهم ونصحهم وإرشادهم ، ولوازم ذلك ؟ وامتحن الجهال بالعلماء ، هل ‏يطيعونهم ويهتدون بهم ؟ وامتحن الملوك بالرعية ، والرعية بالملوك ، ‏وامتحن الأغنياء بالفقراء ، والفقراء بالأغيناء ، وامتحن الضعفاء بالأقوياء ‏، والأقوياء بالضعفاء ، والسادة بالأتباع ، والأتباع بالسادة ، وامتحن المالك ‏بمملوكه ، ومملوكه به ، وامتحن الرجل بامرأته ، وامرأته به ، وامتحن ‏الرجال بالنساء ، والنساء بالرجال ، والمؤمنين بالكفار والكفار بالمؤمنين . ‏وامتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم ، وامتحن المأمورين بهم ، ‏ولذلك كان فقراء المؤمنين وضعفاؤهم من أتباع الرسل ، فتنة لأغنيائهم ‏ورؤسائهم ، امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصــدق الرســل ، وقالوا : { ‏لَوْ كَانَ خَيْرَاً مَّا سَبَقُونَا إِلَيـْهِ } [ الأحقاف : 11 ] هؤلاء ، وقالوا لنوح ‏عليه السلام : { أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ } [ الشعراء : 111 ] . ‏
قال تعالى : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لّـِيـَقُولُواْ أَهَـؤُ لاَءِ مَنَّ ‏اللهُ عَلَيْهِم مِّن بـَيْنِنَا } [ الأنعام : 53 ] . فإذا رأى الشريفُ الرئيسُ ‏المسكينَ الذليل قد سبقه إلى الإيمان ومتابعة الرسول حَمَى وأَنِفَ أن يسلم ، ‏فيكون مثله ، وقال : أُسلم فأكون أنا وهذا الوضيعَ على حد سواء ؟ ) ا هـ ‏كلام ابن القيم ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) .‏
نعم ماأجمله من كلام ! وما أصدقه من قيل ! ولله درُّ قائله ـ رحمه ‏الله تعالى ـ .‏
ومن المناسب جداً أن نذكر مثلاً لذلك مما جاء عن أسلافنا ـ رحمهم ‏الله تعالى ـ في هذا المضمار .‏
قال عكرمة ـ رحمه الله تعالى ـ عند قوله تعالى : { وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِ ينَ ‏يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَ بّـِهِمْ .... } الآية [ الأنعام : 51 ] ، جاء عتبة ‏بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، ومطعم بن عدي ، والحارث بن نوفل ، ‏وقلظة بن عبد عمرو بن نوفل في أشراف من بني عبد مناف من الكفار ، ‏إلى أبي طالب فقالوا : ياأبا طالب ، لو أن ابن أخيك يطرد عنه موالينا ‏وحلفاءنا فإنما هم عبيدنا وعُسفاؤنا ، كان أعظم في صدورنا ، وأطوع له ‏عندنا ، وأدنى لاتّباعنا إياه وتصديقنا له ، قال : فأتى أبو طالب النبي صلى ‏الله عليه وسلم فحدثه بالذي كلموه به ، فقال عمر بن الخطاب : لو فعلت ذلك ‏حتى تنظر ماالذي يريدون ، وإلى مايصيرون من قولهم ، فأنزل الله تعالى ‏هذه الآية : { وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبـِّــهِمْ لَيْسَ لَهُم ‏مِّن دُونِهِ وَ لِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَـتَّقُونَ * وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِيـنَ يَدْعُونَ ‏رَبــَّــهُم بِالْغَدوةِ وَالْعَشِــيِّ يُرِ يــــدُونَ وَجْهـَــهُ ...... } إلى قولـه : { أَ ‏لَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ } [ الأنعام : 51 ـ 53 ] . قال : وكانوا بلالاً ‏وعمار بن ياسر، وسالماً مولى أبي حذيفة ، وصبيحاً مولى أُسيد ، ومن ‏الحلفاء : ابن مسعود ، والمقداد بن عمرو ، ومسعود بن القاري ، وواقد بن ‏عبد الله الحنظلي ، وعمرو ابن عبد عمرو ذو الشمالين ، ومرثد بن أبي ‏مرثد ، وأبو مرثد من غنيِّ حليف حمزة بن عبد المطلب ، وأشباههم من ‏الحلفاء ، ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفـاء { وَكَذَلِكَ ‏فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوأ أَهَــؤُ لاَءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنِا } ... ‏الآية [ الأنعام : 53 ] فلمــا نزلــت أقبــل عمــر بن الخطاب ، فاعتذر من ‏مقالته ، فأنزل الله ـ تعالى ـ: { وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِيـنَ يُؤْمِنُونَ بِآ يَـتِنَا فَقُلْ ‏سَــلـــَمٌ عَلَـيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } الآيـــة [ الأنعام : 54 ] ‏‏(‏ ‏) .‏
وهكذا تكون الأَنَفة والغَطْرسة سداً منيعاً ، وقفلاً حصيناً يحول بين ‏العبد وربه ، فإذا رأى الشريفُ الرئيسُ المسكينَ الذليلَ قد سبقه إلى فعل ‏الخيرات والطاعات ، والقيام بالواجبات ، والانتهاء عن المنهيات ‏والمنكرات ، حَمِيَ وأَنِفَ أن يُسلم نفسه لله ، فيكون مثله ، وقال : أُسلمُ ‏وأفعل نحوه فأكون أنا وهذا الوضيع على حد سواء ؟
هذا حال بعض الدهماء من الناس نسأل الله السلامة والعافية ! ‏
قال الزَّجاج : ( كان الرجل الشريف ربما أراد الإسلام ، فيمتنع عنه ، ‏لئلا يقال أسـلم قبله من هو دونه ، فيقيـم على كفره ، لئلا يكون للمسـلم ‏المســابقة عليـه في الفضل ) (‏ ‏) .‏
ومن كون بعض الناس لبعضهم فتنة : أن الفقير يقول : لِمَ لَمْ أَكُنْ مثل ‏الغني ؟ ويقول الضعيف : هلاَّ كنتُ مثل القوي ؟ ويقول المبتلى : هلاَّ كنتُ ‏مثل المعافى ؟ وقال الكفار : { لَن نُّــؤْمِنَ حـَــتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ ‏رُسُلُ اللهِ }(‏ ‏) [ الأنعام : 124 ] .‏
هذا وقد ثبت في السنة مايدل دلالة ناصعة ـ لاَجَرَمَ فيها ـ على ماتقرر ‏سابقاً من أن الابتلاء لامحيص عنه ، وأن العباد يَفْتِن ويَبْلِي بعضهم بعضاً ، ‏حتى الرسل ـ عليهم صلوات ربي وسلامه ـ فإن الله مبتليهم ومبتلي بهم ، ‏فابتلى الرسل بالمرسل إليهم ودعوتهم إلى الحق والصبر على أذاهم . ‏وتحمل المشاق في تبليغهم رسالات ربهم ، وابتلى المرسلَ إليهم بالرسل ، ‏وهل يطيعونهم وينصرونهم ويُصدقونهم ، أم يكفرون بهم ويرُدُّون عليهم ‏ويقاتلونهم ؟
ومما ثبت في ذلك : الحديث القدسي الطويل ، والشاهد فيه : (( ... ‏إنما بعـثـتك لأبتليَـكَ وأبتليَ بك .... )) (‏ ‏) .‏
فالابتلاء لابد منه ، والفتنة لامحيص عنها ولا مفر منها ، فهي كِيـْرُ ‏القلوب ، ومَحَكُّ الإيمان ، وبها يتبين الصادق من الكاذب .‏
قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ : ( لايقولن أحدُكم : اللهم إني أعوذ ‏بك من الفتنة ، فإنه ليس منكم أحد إلا وهو مشتمل على فتنة ، لأن الله تعالى ‏يقول : { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْ لــــَدُكُمْ فِتْـنَةٌ } [ التغابن : 15 ] ، فأيكم ‏استــعاذ فليستـــعذ بالله ‏
تعالى من مضلات الفتن ) (‏ ‏) .‏
فنعوذ بالله من مضلات الفتن ماظهر منها وما بطن .‏
المطلب الثالث
‏{ فتنة الإنسان نفسه }‏
إن من الناس من يفتن نفسه بنفسه ، وذلك باتباعه واندراجه تحت ‏أحضان شهواته فيكون رهيناً لها ، وقد يُفتن بالغَرور الذي يُزين له الكفر ‏والريب ، فيطمئن له ، ويثق بوعده ، ويُصدِّق خبره .‏
وقد يفتن العبد نفسه بالشك في البعث بعد الموت ، وقد تغرُّه الأماني ‏الباطلة ، وطول الأمل. فيفتن نفسه بذلك ... إلى آخر مايفيض به نهر الحياة ‏من فتنةالإنسان نفسه. ‏
قال العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ :‏
‏( فالعبد في هذه الدار مفتون بشهواته ونفسه الأمّارة ، وشيطانه ‏المُغوي المزيّن ، وقرنائه ومايراه ويشاهده ، مما يعجزُ صبره عنه ، ويتفق ‏مع ذلك ضعف الإيمان واليقين ، وضعف القلب ومرارة الصبر ، وذوقُ ‏حلاوةِ العاجــل ، وميلُ النفس إلى زهرة الحياة الدنيا . وكون العِوَضِ ‏مؤجلاً في دارٍ أخرى غير هذه الدارالتي خلق فيها ، وفيها نشأ ، فهو مكلفٌ ‏بأن يترك شهوته الحاضرة المشاهدة لغيبٍ طُلب منه الإيمان به :‏
فو الله ، لولا اللهُ يُســعِدُ عبــــدَه بتوفيقــه ، والله بالعبـــد أرحـمُ
لما ثبتَ الإيمان يومــاً بقلبـــه على هـذه العِلاّتِ ، والأمرُ أعظمُ ‏
ولا طاوعته النفس في ترك شهوةٍ مخافــــةَ نــارٍ ، جمرُهـــا ‏يَتَضـرَّمُ
ولا خـاف يوماً مـن مقـام إلــهه عليه بحكمِ القسطِ ، إذ ليس يَظلمُ ) ‏‏(‏ ‏)‏
إن من الناس من يستعمل نفسه ويهلكها بالفتنة بشتى أنواعها . وقد ‏حكى الله عن مشهد جسيم من مشاهد يوم القيامة وما يقع في العرصات من ‏الأهوال المزعجة والزلازل العظيمة والأمور الفظيعة . وذلك فيمن فتنوا ‏أنفسهم في الدنيا ، وتربصوا بالمؤمنين ، وارتابوا في التوحيد ، وغرتهم ‏الأماني الكاذبة الباطلة ، وغرهم بالله الغرور . فقال سبحانه وتعالى: { يَوْمَ ‏يَقُولُ الْمـُنَــفِقُونَ وَالْمـُنَــفِقَاتُ لِلَّذِ يـنَ ءامَنُواْ انظُرُونَــا نَقْتَبِسْ مِن ‏نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورَاً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ ‏بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَــهِرُهُ مِن قِــبَـــلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَ لَمْ ‏نَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنـفُسَكُمْ وَ تَرَبـَّــصْتُمْ وَارْتَــبْــتُمْ وَغَرَّ ‏تْكُمُ اْلأَمَانِيُّ حَـتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُم بِاللهِ الْـغَرُورُ } [ الحديد : 13 ـ ‏‏14 ] .‏
إنه مشهدٌ عظيم ، وإن هناك المنافقين والمنافقات ، في حيرةٍ وضلال ‏، وفي مهانة وإهمال . وهم يتعلقون بأذيال المؤمنين : { يَوْمَ يَقُولُ ‏الْمُنَــفِقُونَ وَالْمُنَــفِقَاتُ لِلَّــِذيــنَ ءامَنُواْ انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } ‏‏... أي : أمهلونا ، لننال من نوركم مانمشي به لننجو من العذاب .‏
وحيثما تتوجه أنظار المؤمنين والمؤمنات يشع ذلك النور اللطيف ‏الشفيف . ولكن أنّى للمنافقين أن يقتبسوا من هذا النور وقد عاشوا حياتهم ‏كلها في الظلام ؟
وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال : { يُخَــدِعُونَ اللهََ ‏وَهُــوَ خَــدِعَهُمْ } [ النساء : 142 ] .‏
إن صوتاً يناديهم : { قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورَاً } أي : ‏ارجعوا إلى الموضع الذي أُخذ منه النور ، واطلبوا هنالك لأنفسكم نوراً ، ‏فإنكم لاتقتبسون من نور المؤمنين ، فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه ‏النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم .‏
وعلى الفور يُفصل بين المؤمنين والمؤمنات ، والمنافقين والمنافقات ‏، فهذا يوم الفصل إن كانوا في الدنيا مختلطين في الجماعة : { فَضُرِبَ ‏بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَــهِرُهُ مِن قِبَــلِـهِ الْعَذَابُ ‏‏} أي ضُرب بينهم بحائط وحاجز بين الجنة والنار، ليحجز بين المؤمنين ‏والمنافقين ، فإذا انتهى إليه المؤمنون دخلوه من بابه ، فإذا استكملوا دخولهم ‏أُغلق الباب وبقي المنافقون من ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب كما كانوا ‏في الدار الدنيا في كفر وجهل وشك وحيرة وفساد .‏
وهذا السور { بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ } أي : الجنة ، وهذا هو الذي ‏يلي المؤمنين ، { وَظَــهِرُهُ مِن قِبــَلــِهِ الْعَذَابُ } أي : النار ، وهذا هو ‏الذي يلي المنافقين .‏
ثــم ينــادي المنافقون المؤمنين ، فيقولون تضرعاً وترحماً { ألَمْ ‏نَـكُن مّـَعَكُمْ } ؟ أما كنا معكم في الدار الدنيا نشهد معكم الجمعات ، ‏ونصلي معكم الجماعات ، ونقف معكم بعرفات ، ونحضر معكم الغزوات ، ‏ونؤدي معكم سائر الواجبات ؟ ألم نعش معكم في صعيد واحد ؟ وقد بُعثنا ‏معكم هنا في صعيد واحد ؟ ‏
‏{ قَا لُواْ بَلَى } فأجاب المؤمنـون المنافقــين قائلـين : بلـى . كان ‏الأمر كذلك . { وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنـفُسَكُمْ } وهذا هو الشاهد في موضوعنا ‏في هذا المطلب: فتنة الإنسان نفسه ، فهاهم أولاء المنافقون قد فتنوا أنفسهم ‏وصرفوها عن الهدى باللذات والمعاصي والشهوات . ‏
ولم تقتصر فتنتهم لأنفسهم على ذلك ، بل أجابهم المؤمنون بأمور ‏أخرى فتنوا بها أنفسهم فقالوا لهم : { .... وَتَرَ بـَّصْتُمْ } أي : أخرتم التوبة ‏من وقت إلى وقت ، وترقبتهم الدوائر بالحق وأهله . { وَارْتَبْتُمْ } في ‏التوحيــد ، والنبـوة ، والبعث بعد الموت . { وَغـَــرَّتــــْكُــمُ اْلأَمَانِيُّ } ‏الباطلة ، من طول الأمل في أن تنجوا وتربحوا بالذبذبة وإمساك العصا من ‏طرفيها ! { حَتَّــى جَـاءَ أَمْـرُ اللهِ } بموتكم وانتهى الأمـر . { وَغَرَّكُم ‏بِاللهِ الْغَرُورُ } وهو الشيطان الذي كان يُطمِعكم ويُمنّيكم . (‏ ‏) ‏
وقد ذكر سيد قطب ـ رحمه الله ـ الحكمة الخاصة لاختيار مشهد النور ‏في هذا الموضع بالذات من الآيات السابقة فقال :‏
‏( وننظر من ناحية التناسق الفني في عرض المشهد ، فنجد لاختيار ‏مشهد النور في هذا الموضع بالذات حكمة خاصة ..... إن الحديث هنا عن ‏المنافقين والمنافقات ... والمنافقون والمنافقات يُخفون باطنهم ويتظاهرون ‏بغير مافي الضمير المكنون ، ويعيشون في ظلام من النفاق والدس ‏والوقيعة ، والنور يكشف المخبوء ويفضح المستور . كما أن الصفحة ‏المقابلة الوضيئة لصفحة النفاق المظلمة المطموسة . فهو أليق شيء بأن ‏تُطلق أشعته على المشهد الكبير . وبأن ينير بين أيدي المؤمنين والمؤمنات ‏وبأيمانهم ، بينما المنافقون في الظلام الذي يناسب ظلمات الضمير وظلمات ‏الخفاء المستور ! ) (‏ ‏) .‏
وهكذا يفتن الإنسان نفسه حينما يكون أسيراً لشهواته وملذاته ، ‏حينما يكون بعيداً عن ربه ، معرضاً عن ذكره ، ناسياً لآياته ، { وَمَنْ ‏أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكَاً وَنَحْشــُرُهُ يَوْمَ الْـقِيَــمَةِ ‏أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِـمَ حَشَرْتَـنِى أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيـرَ اً * قَالَ ‏كَذَلِكَ أَتـَــتْكَ ءَا يَــتُـنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَــذَلِكَ ‏نَـجْزِى مـَنْ أَسـْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِـآيَــاتِ رَ بِّهِ وَلَعَذَابُ اْلآخِرَةِ ‏أَشَــدُّ وَأَبْقَى } [ طه : 124 ـ 127 ] .‏


أحمد سعد الدين غير متصل عرض ألبوم أحمد سعد الدين  
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 16-05-2004   #5 (permalink)
مشرف سابق
 










    

المبحث الأول
‏{إخباره ــ صلى الله عليه وسلم ــ عن ظهور الفتن ومجيئها }‏

‏= = = = = = = = = = = = ‏
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن ظهور الفتن على اختلاف ‏أنواعها وأشكالها ، وأن ظهورها يُعد من أشراط الساعة الصغرى ، وأخبر ‏بأنها فتنٌ عظيمة ، يلتبس فيها الحق بالباطل فتزلزل الإيمان ، حتى يصبح ‏الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ، يبيع دينه ‏بعَرَض من الدنيا قليل (‏ ‏) .‏
وكلما ظهرت فتنة قال المؤمن : هذه مُهلكتي ، ثم تنكشف ، وتجيء ‏فتنة غيرها فيقول : هذه هذه .... (‏ ‏) ولا تزال الفتن تظهر في الناس إلى أن ‏تقوم الساعة .‏
ومما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم به أمته عن ظهور الفتن ‏المختلفة وأن ذلك من أشـراط الساعة ، ماجـــاء عن أبـــي هريرة رضــي ‏الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( يتقارب الزمان ، ويُقبض ‏العلــم ، وتَظهر الفتن ، ويُلْقَى الشُّحُّ ، ويكثُرُ الهرْج )) قالوا : وما الهرج ؟ قال : ‏‏(( القتلُ )) (‏ ‏) .‏
وفي رواية : (( لاتقوم الساعة حتى .... تظهر الفتن ... )) الحديث (‏ ‏) .‏
هذا وقد اختلفت أقوال العلماء وتفسيراتهم في تقارب الزمان المذكور ‏في الحديث إلى أقوال كثيرة وسيُذكر منها مايلي :‏
‏1 ـ قيل المراد : قصر الأعمار بالنسبة إلى كل طبقة ، فالطبقة ‏الأخيرة أقصر أعماراً من الطبقة التي قبلها (‏ ‏) .‏
‏2 ـ وقيل المراد : نزع البركة من كل شيء حتى من الزمان ، وذلك ‏من علامات قرب الساعة ، فيصير الانتفاع باليوم كالانتفاع بالساعة الواحدة ‏‏.‏
هذا ماذهب إليه النووي تبعاً لعياض وغيره ـ رحمهم الله ـ وهذا هو ‏الذي رجحه ابن حجر ـ رحمه الله ـ حيث ذكره وصدَّره بأنه هو الحق (‏ ‏) .‏
‏3 ـ وقيل معنى تقارب الزمان : استواء الليل والنهار (‏ ‏) .‏
‏4 ـ وقيل المـراد بذلك : قصر الزمان وســرعته وتقاربه ، وقصر ‏مدة الأيام والليـالي (‏ ‏) .‏
وفيما يظهر ـ والله أعلم ـ أنه قول قوي سديد ، لأن أصحابه استدلوا ‏له بحديث يؤيد ماقالوا ويفسر المراد من تقارب الزمان المذكور .‏
وهو حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم : (( لاتقوم الساعة حتى يتقارب الزمان ، فتكون السنة كالشهر ، ‏ويكون الشهر كالجمـــعة ، وتكــون الجمعة كاليوم ، ويكون اليوم كالساعة ، وتكون ‏الساعة كاحتراق السَّعَفَة الخُوْصَة (‏ ‏) )) (‏ ‏) .‏
فقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم المراد من تقارب الزمان المذكور ‏في الحديث وذلك بقوله : (( فتكون السنة كالشهر ، والشهر كالجمعة ... )) ‏الحديث .‏
‏5 ـ وهناك قول جميل وجيه في المراد بذلك لسماحة الشيخ العلاّمة ‏عبد العزيز بن عبد الله بن باز (‏ ‏) ـ حفظه الله ـ حيث قال في تعليقه على ‏مانقله الحافظ ابن حجر من أقوال العلماء في ذلك مانصه : ‏
‏( الأقرب تفسير التقارب المذكور في الحديث بما وقع في هذا العصر ‏من تقارب مابين المدن والأقاليم وقِصر زمن المسافة بينها بسبب اختراع ‏الطائرات والسيارات والإذاعة وما إلى ذلك ، والله أعلم ) (‏ ‏) .‏
وبنحو قوله هذا ، قال الشيخ حمود بن عبد الله التويجري (‏ ‏) ، ‏والشيخ السيد سابق (‏ ‏) ، والشيخ الجزائري (‏ ‏) ـ حفظهم الله جميعاً .‏
هذه مجمل أقوال العلماء في المراد بـ ( تقارب الزمان ) المذكور في ‏الحديث لُخِّصَت ورُتِّبَت وانتُقِيَت من أسفارهم ومصادرهم ، مع الإحجام عن ‏ذكر بعض الأقوال في ذلك خشية الإطالة .‏
والمراد بقوله صلى الله عليه وســلم في بقية الحديث (( .. ويُقبض ‏العلم ...)) أي : يُرفع ، وهو من أشراط الســـاعة ، فقد ثبت عنه صلى الله ‏عليه وســلم أنه قال : (( إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم ويثبت الجهل ... )) ‏الحديث (‏ ‏) .‏
والمراد برفعه هنا موت حملته ، فإن العلم لايرفع إلا بقبض العلماء ‏‏(‏ ‏) ، وبقبضهم يُقبض العلم ، ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن ‏العاص قال : سمعــت رســول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( إن الله ‏لايقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا ‏لم يُبقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضَــلُّوا وأضلُّوا )) ‏‏(‏ ‏) .‏
قال النووي ـ رحمه الله ـ عند شرح هذا الحديث مانصه : ‏
‏( هذا الحديث يبين أن المراد بقبض العلم في الأحاديث السابقة ‏المطلقة ليس هو محوه من صدور حفاظه ، ولكن معناه : أن يموت حملته ‏ويتخذ الناس جهالاً يحكمون بجهالاتهم فيَضِلُّون ويُضِلُّون ) (‏ ‏) .‏
وليس المقصود بالعلم هنا أي علم ، بل هو العلم الشرعي ، علم ‏الكتاب والسنة وهو ماورثه العلماء عن الأنبياء عليهم السلام ، فإن العلماء ‏هم ورثة الأنبياء ، وبموتهم يذهب العلم وتموت السنن ، وتتفشى البدع ، ‏ويعم الجهل .‏
وإلاّ فعلم الدنيا يزداد يوماً تلو الآخر ، كما نشاهده عياناً ، فليس هو ‏العلم المقصود في الأحاديث السابقة ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : (( ‏فسُئلوا فأَفتوا بغير علم فضَـلُوا وأَضلُّوا )) ولا يكون الضلال إلا عند الجهل ‏بالدين والبعد عن رب العالمين.‏
هــذا وقد جاء حديث (( ويُقبض العلم )) بلفظ آخـر فــي روايــة ‏أخــرى وهي (( وينقص العلم )) (‏ ‏) .‏
قال النووي ـ رحمه الله ـ في التعليق على هذه الرواية (( وينقص ‏العلم )) : ‏
‏( هذا يكون مثل قبضه ) (‏ ‏) .‏
وقال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ في التعليق على هذه الرواية ‏أيضاً :( اختلف في المراد بقوله (( ينقص العلم )) فقيل المراد : نقص علم ‏كل عالم بأن يطرأ عليه النسيان مثلاً ، وقيل نقص العلم بموت أهله ، فكلما ‏مات عالم في بلد ولم يخلفه غيره نقص العلم من تلك البلد ) (‏ ‏) .‏
ونأتي الآن إلى الشاهد في الحديث الذي سِيْقَ قريباً في أول الكلام ‏للاستدلال على ماتُرجم به هذا الفصل من إخباره صلى الله عليه وسلم عن ‏ظهور الفتن . والشاهد هنا في قوله صلى الله عليه وسلم : (( .... وتظهر ‏الفتن .... )) . والمراد : كثرتها واشتهارها وعدم التكاتم بها ، والله المستعان ‏‏(‏ ‏). فيكثر ظهورها على اختلاف أنواعها وأشكالها ، ومايترتب عليها من ‏المحن والبلايا العظام (‏ ‏) .‏
وقد ترجم البخاري ـ رحمه الله ـ لهذا الحديث بقوله : ( باب ظهور ‏الفتن ) (‏ ‏) والـمراد بالفــتن في قوله ـ صلى الله عليه وســلم ـ (( وتظهر ‏الفتن )) مايؤثر في أمر الدين (‏ ‏) وفي قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( ‏وتظهر الفتن )) إشارة إلى تغلغلها في الأوساط الإسلامية وهذا ماترجم به ‏الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ لهذا الحديث حيث قال ( إشارة نبوية إلى ‏تغلغل الفتن في الأوساط الإسلامية ) (‏ ‏) .‏
‏ وإخباره ـ صلى الله عليه وسلم ـ هنا عن ظهور الفتن يشمل فتن ‏الدين والدنيا ، أما فتن الدين : فكل مايصد عن الإيمان بالله والقيام بأمره ‏واتباع هدى نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من العقائد الفاسدة والأفكار الهدّامة ‏والسلوك المنحرف ، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة بالاشتغال بالشهوات ‏واللذائذ المحرمة . وأما فتن الدنيا : فما يحصل من القتل والخوف والسلب ‏والنهب . وظهور الفتن دليل على ضعف العلم الصحيح والإيمان الخالص ‏والولاية العادلة (‏ ‏).‏
هذا ماشرحه العلماء بالنسبة لهذه الجزئية في الحديث ، وهي ظهور ‏الفتن ، وذلك من خلال تتبع ماكُتب في هذه الجزئية ، فلم أجد أحداً أفاض ‏بأكثر مما أشرت إليه .‏
ويبدو لي .. أن الحديث ـ بعد تأمل طويل لألفاظه ـ يحمل إعجاز ‏النبوة في الإخبار بالمغيبات بحيث إنه لم يحدد نوعية الفتن كماً ولا كيفاً ، ‏بل أخبر بظهور الفتن ، وما يشاهده المرء في عالم اليوم من تتابع الفتن ‏ظهوراً وكثرةً لهو يُجلي بحق ، ويُظهر بصدق عظمة إعجاز النبوة في ‏الإخبار عن هذه المغيبات ، فنرى اليوم فتناً تظهر في مجال الإعلام والتعليم ‏، والاقتصاد ، والسياسة والعلاقات الدولية ، واستضعاف المسلمين وهوانهم ‏وحرق مساجدهم وتدميرها ، واستحلال أعراضهم ، وسفك دمائهم ، ‏وطردهم من أراضيهم . وكذلك مانراه من فتنة النساء وكثرتهن وصولتهن ‏وخروجهن على مأمورات الشرع ، وكذلك فتنة العلم ، فأصبح الناس ‏يتعلمون لا لذات العلم ولا لوجه الله ، وإنما يتعلمون من أجل الوظيفة ‏والشهادة ، ـ إلا من رحم ربي ـ . وكذلك فتنة فُشُو الأمراض المستعصية ‏الفتاكة والتي لم تكن في الأمم السابقة ولا في أسلافهم .‏
وكذلك فتنة المروق عن الدين ومجون المجتمعات وفسادها ، حتى إن ‏الناس في كل يوم يصبحون مستغربين لأنماط من الفتن ومن غرائب ‏الأحوال ، مالم يكن قد ألفوه من قبل ، وكأن الناس حينما تُحيط بهم الفتن ‏ظهوراً وتتابعاً وكثرةً ، تَغْمرهم هذه الفتن ، فلا يتبين كثير منهم طريق ‏الحق والصواب ، وإنما يسير الكثير في دوامة هذه الفتن من فتنة إلى أخرى ‏، ومن واحلة إلى التي هي أكبر منها وأشد ، وقليل هم المُستبصرون وسط ‏هذه الدوامة المُهلكة ، أعاذنا الله منها ، وجعلنا من عباده المستبصرين ‏الذين يعرفون طريقهم إلى الله فيعتصمون به برغم كل شيء .‏
وقوله صلى الله عليه وسلم في بقية الحديث : ( .... ويُلقى الشُّح ... ) ، ‏أي : يوضع في القلوب (‏ ‏) .‏ ‏ والشُّح : هو البُخل ، والإمساك المفرط ‏والتشدد الفاحش (‏ ‏) .‏
قال النووي ـ رحمه الله ـ : ( والشُّحُّ هو : البُخل بأداء الحقوق ‏والحرص على ماليس له ) (‏ ‏) .‏
وقيل : الشح أشدّ البخل ، وهو أبلغ في المنع من البخل (‏ ‏) .‏
وقيل : الشح الحرص على ماليس عنده والبخل بما عنده (‏ ‏) .‏
وقيل غير ذلك (‏ ‏) .‏
والمراد بإلقاء الشح في الحديث : إلقاء البخل في قلوب الناس على ‏اختلاف أحوالهم حتى يبخل العالم بعلمه ، فيترك التعليم والفتوى ، ويبخل ‏الصانع بصناعته حتى يترك تعليم غيره ، ويبخل الغني بماله حتى يهلك ‏الفقير ، وليس المراد وجود أصل الشح لأنه لم يزل موجوداً (‏ ‏) .‏
وفي الحديث : (( إياكم والشح ؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالشح : أمرهم ‏بالبخل فبخلوا ، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا ، وأمرهم بالفجور ففجروا )) (‏ ‏) .‏
وقوله : (( ويكثر الهَرْج )) : الهرج ـ بفتح الهاء وسكون الراء المهملة ‏ـ أصله : الكثرة في الشيء والاتساع . (‏ ‏) ‏
وقال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ ( وأصل الهرج في اللغة العربية ‏‏: الاختلاط ، يقال : هَرَجَ الناس اختلطوا واختلفوا ، وهَرَج القوم في الحديث ‏إذا كثروا وخلطوا ) (‏ ‏) هذا وقد صرّحت الرواية التي معنا هنا بالمراد من ‏الهرج المذكور في الحديث بأنه القتل . وذلك عندما قال صلى الله عليه وسلم ‏‏: (( ..... ويكثر الهرج )) قالوا : وما الهرج ؟ قال : (( القتل )) . فهذه الرواية ‏صريحة في تفسير الهرج هنا بأنه القتل ، وقد ورد ذلك في عدة من ‏الروايات المرفوعة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمُخَرَّجَة عقب ‏ذكر الحديث في أول هذا الفصل .‏
ومعنى ذلك : أنه يكثر بين المسلمين القتل لأسباب عدة ، وهذا قد ‏حصل ورُئي عياناً كما قال ابن بطال . ـ وسيأتي قوله بعد أسطر قلائل إن ‏شاء الله تعالى ـ وهو واقع وحاصل في عصرنا وزماننا هذا . سواء كان من ‏قتل المسلمين بعضهم البعض أو قتالهم مع غيرهم من الكفار ، أو قتل الكفار ‏فيما بينهم . وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى مزيد بيان فيما يتعلق بالهرج وفتنته ‏في الفصل السادس من هذا الباب ـ .‏
هذا وقد أورد العلاّمة ابن منظور عدة معان للهرج ، فذكر منها : ‏الاختلاط ، والفتنة في آخر الزمان ، وشدة القتل وكثرته ، وكثرة الجماع ‏والنكاح ، وكثرة الكذب ، وكثرة النوم . (‏ ‏) ‏
هذا مايتعلق بشـرح وتفسير المراد من الصفات والأشراط المذكورة ‏في الحديث وهي : تقارب الزمان ، وقبض العلم ، وظهور الفتن ، وإلقاء ‏الشح ، وكثرة الهرج .‏
وقد ذكر أهل العلم أن جميع ماتضمنه هذا الحديث من الأشراط قد ‏حصل ورُئي عياناً . ‏
قال ابن بطّال (‏ ‏) ـ فيما نقله عنه الحافظ ـ : ( وجميع ماتضمنه هذا ‏الحديث من الأشراط قد رأيناها عياناً ، فقد نقص العلم وظهر الجهل وأُلقي ‏الشح في القلوب ، وعمّت الفتن ، وكثر القتل ) . (‏ ‏) ‏
قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ معلقاً على قول ابن بطال هذا : ( ‏قلت : الذي يظهر أن الذي شاهده كان منه الكثير مع وجود مقابله ، والمراد ‏من الحديث : استحكام ذلك حتى لايبقى مما يقابله إلا النادر ، وإليه الإشارة ‏بالتعبير بقبض العلم فلا يبقى إلاّ الجهل الصرف ، ولا يمنع من ذلك وجود ‏طائفة من أهل العلم لأنهم يكونون حينئذ مغمورين في أولئك .... وكذا القول ‏في باقي الصفات ، والواقع أن الصفات المذكورة وُجدت مباديها من عهد ‏الصحابة ثم صارت تكثر في بعض الأماكن دون بعض ، وقد مضى من ‏الوقت الذي قال فيه ابن بطال ماقال نحو ثلاثمائة وخمسين سنة ، والصفات ‏المذكورة في ازدياد في جميع البلاد لكن يقل بعضها في بعض ، ويكثر ‏بعضها في بعض ، وكلما مضت طبقة ظهر النقص الكثير في التي تليها ‏وإلى ذلك الإشارة بقوله في حديث الباب الذي بعده (( لايأتي زمان إلا والذي ‏بعده شر منه )) (‏ ‏) ) (‏ ‏) .‏
وإذا كان الحافظ ـ رحمه الله ـ قد ذكر أن كلام ابن بطال ـ والمتضمن ‏أن جميع الصفات المذكورة في هذا الحديث قد وقعت ورؤيت عياناً ـ قد ‏مضى عليه نحواً من ثلاثمائة وخمسين سنة ، ثم ذكر أن هذه الصفات في ‏ازدياد ، وذلك حسبما ظهر في عصره وازداد ، فما بالك في عصرنا هذا ‏المُحْزِن الذي تدمع له الأعين وتدمى له القلوب . وبينه وبين عصر ابن ‏حجر مدة مديدة وأزمنة بعيدة ، فإن الحافظ ـ رحمه الله ـ قد توفي في ‏منتصف القرن التاسع وبالتحديد في سنة 852 هـ ، ونحن الآن في منتصف ‏سنة 1413 هـ فتبين أن بين عصره ـ رحمه الله ـ وعصرنا بون شاسع ‏وفرق واسع ، يقرب من نحو خمسة قرون ونصف القرن وبالتحديد إحدى ‏وستون وخمسمائة سنة ( 561 ) . والله المستعان وعليه التكلان .‏
قال المُنَاوي (‏ ‏) _ رحمه الله ـ عند شرح حديث بنحو حديثنا هذا ‏المذكور فيه بعض الصفات والأشراط السابقة : ( وفيه حث على اقتباس ‏العلوم الدينية قبل هجوم تلك الأيام الدنيئة الرديئة ) ا هـ . (‏ ‏) ‏
هذا ويتلخص من كل ماسبق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر ‏عن ظهور بعض صفات وأشراط الساعة ومن ضمنها إخباره صلى الله ‏عليه وسلم عن ظهور الفتن وهذا شاهدناه ـ كما سبق ذكره من هذا الفصل ـ ‏‏.‏
وقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن ذلك أيضاً في كثير من الأحاديث ، ‏منها : ‏
‏1 = حديث أسامة بن زيد قال : أشرف النبي صلى الله عليه وسلم ‏على أُطُم من آطام المدينة فقال : (( هل ترون ماأرى )) ؟ قالوا : لا . قال : ‏‏(( فإني لأرى الفتنَ تقعُ خلال بيوتكم كوقع القطر )) (‏ ‏) .‏
فدل الحديث على إخباره صلى الله عليه وسلم عن إقبال الفتن ورؤيته ‏لها ونزولها كمواقع القطر ، وفيه إشارة نبوية إلى تغلغلها في الأوساط ‏الإسلامية (‏ ‏) .‏
ومعنى قوله : ( أشرف ) أي : علا وارتفع (‏ ‏) ، واطّلع ونظر من ‏علو ومكان مرتفع . (‏ ‏) ‏
والأُطُم : ـ بضم الهمزة والطاء ـ هو القصر والحصون التي تبنى ‏بالحجارة (‏ ‏). وقيل : هو كل بيت مربع مُسطّح . (‏ ‏) ‏
وقوله صلى الله عليه وسلم : (( إني لأرى )) الرؤية هنا بمعنى النظر ‏، أي : كُشف لي فأبصرت ذلك عياناً (‏ ‏) . بمعنى أنها رؤية عين ، بأن ‏تكون الفتن مُثّلت له حتى رآها ، كما مُثّلت له الجنة والنار في القبلة ، حتى ‏رآها وهو يصلي . وقيل : الرؤية هنا بمعنى العلم (‏ ‏) . أي أنه أُخبر بها .‏
والمراد بـ ( مواقع الفتن ) أي : مواضع السقوط (‏ ‏) . ومعنى ( ‏خلال بيوتكم ) : أي : نواحيها (‏ ‏) .‏
قال الحافظ : ( شبه سقوط الفتن وكثرتها بسقوط القطر في الكثرة ‏والعموم ، وهذا من علامات النبوة لاخباره بما سيكون ، وقد ظهر مصداق ‏ذلك من قتل عثمان وهلمّ جرا ولا سيما يوم الحرة ) (‏ ‏) .‏
وقال أيضاً : ( إنما اختصت المدينة بذلك لأن قتل عثمان رضي الله ‏عنه كان بها ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك ، فالقتال بالجمل وبصفين ‏كان بسبب قتل عثمان ، والقتال بالنهروان كان بسبب التحكيم بصفين ، وكل ‏قتال وقع في ذلك العصر إنما تولد عن شيء من ذلك أو عن شيء تولّد عنه ‏، ثم إن قتل عثمان كان أشد أسبابه الطعن على أمرائه ثم عليه بتوليته لهم ، ‏وأول مانشأ ذلك من العراق وهي من جهة المشرق ........ وحسن التشبيه ‏بالمطر لإرادة التعميم ، لأنه إذا وقع في أرض معينة عمها ولو في بعض ‏جهاتها ) (‏ ‏) .‏
قال ابن بطال : ( ...... أخبر في حديث أسامة بوقوع الفتن خلال ‏البيوت ليتأهبوا لها فلا يخوضوا فيها ، ويسألوا الله الصبر والنجاة من شرها ‏‏) ا هـ (‏ ‏) .‏
وقول الحافظ هذا هو نحو قول النووي ـ رحمه الله ـ عند شرحه لهذا ‏الحديث (‏ ‏) ‏
‏ 2 = ومنها : حديث أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت ‏‏: استيقظ رســول الله صلى الله عليه وسلـم ليــــلةً فزعاً يقول : (( سبحان الله ‏، ماذا أنزل الله من الخزائن ، وماذا أنزل من الفتن .... )) الحديث . (‏ ‏) ‏
ففـــي الحديـث اخبـار منـه صلى الله عليه وسلـم عن نزول الفتن ‏ومجيئهـا . فقــد ( أوحي إليه في نومه ذاك بما سيقع بعده من الفتن فعبَّر عنه ‏بالإنزال ) (‏ ‏) .‏
هذا وقد ذكــر القرطبي ـ رحمه الله ـ رواية أخرى لهذا الحديث ‏تصرح بمجيء الفتن ونــزولها فقال : ( عن عبيــد بن عمير قال : خرج ‏رسـول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقــال : (( ياأصحاب الحجرات : ســعرت ‏النار ، وجاءت الفتن كقطع الليل المظلم .....)) الحديث (‏ ‏) .‏
‏3 = ومنها : ماثبت من قوله صلى الله عليه وسلم : (( إن الفتنة تجيء ‏من هاهنا ، وأومأ بيده نحو المشرق .... )) (‏ ‏) فأخبر النبي ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ في هذا الحديث عن ظهور الفتن وأنها قادمة لامحالة . وسيأتي ‏شرح الحديث مفصلاً قريباً إن شاء الله . (‏ ‏) ‏
‏4 = ومنها : قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( بادروا بالأعمال فتناً ‏كقطـع الليل المظلم .... )) الحديث (‏ ‏) . وهنا أخبر ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏أيضاً عن ظهور الفتن وأنها ستأتي وتظهر ، فلذلك حث على المبادرة ‏بالأعمال الصالحة قبل مجيء الفتن المظلمة الشاغلة المتكاثرة المتراكمة ‏كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر وذلك بما يحصل من القتل والنهب ‏والاختلاف .... (‏ ‏) . وســيأتي قريبــاً مزيد شـرح وبيان لهذا الحديث إن ‏شــاء الله . (‏ ‏) ‏
‏5 = ومنها : ماثبت عن حذيفة قال : (( قام فينا رسول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ مقاماً ماترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة ، إلاّ حدَّث به ‏حفظه من حفظه ونسيه من نسيه . قد علمه أصحابي هؤلاء ، وإنه ليكونُ منه ‏الشيء قد نَـسِـيـتُه فأراه فأذكره . كما يذكر الرجل وجهَ الرجل إذا غاب عنه ، ثم إذا ‏رآه عَرَفَهُ )) (‏ ‏) .‏
وعن حذيفة بن اليمان قال : والله ! إني لأعلم الناس بكل فتنة هي ‏كائنة ، فيما بيني وبين الساعة . ومابي إلاّ أن يكون رسول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ أسرَّ إليَّ في ذلك شيئاً لم يُحَدِّثْه غيري ، ولكن رسول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ قال : وهو يحّـِدث مجلســاً أنا فيـه عن الفتن فقال ‏رســـول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يَعدُّ الفتن : (( منهن ثلاث لايكدْن ‏يَذَرْنَ شيئاً ، ومنهن فتنٌ كرياح الصيف . منها صغارٌ ومنها كبار )) . ‏
قال حذيفة : فذهب أؤلئك الرهط كلهم غيري . (‏ ‏) ‏
وعن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنه ـ قال : (( كنا قعوداً عند ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الفتن فأكثر في ذكرها ... )) الحديث (‏ ‏) ‏
فدلت هذه الأحاديـث الثلاثة التي ســقناها على اخبار النبي ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ بما يكون من ظهور الفتن من بعده ، وهذا مافهمه أئمة ‏الإسلام .‏
فقد أورد هذه الأحاديث الإمام القرطبي ـ رحمه الله ـ وترجم لها بقوله ‏‏: ( باب مايكون من الفتن وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بها ) (‏ ‏) .‏
وبنحو ترجمة القرطبي هذه ترجم شرَّاح صحيح مسلم للحديثين ‏الأولين من هذه الفقرة (‏ ‏) .‏
‏6 = ومنها ماأخبر به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمته بما ‏سيصيبهم من بلاء وفتن . ففي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :‏
‏(( إنه لم يكن نبي قبلي إلاّ كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير مايعلمُـهُ لهم ‏وينذرهم شر مايعلمه لهم ، وإن أمتكم هذه جُعل عافيتُها في أولهـا ، وسـيصيب ‏آخرَها بلاءٌ وأمورٌ تُنكرونها . وتجيء فتنةٌ فيُرقِّــقُ بعضها بعضاً ، وتجيءُ الفتنةُ ‏فيقولُ المؤمنُ : هذه مهلكتي . ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن : هــذه هذه ‏‏...)) الحديث (‏ ‏) .‏
قوله (( يرقق بعضها بعضاً )) أي : يصير بعضها رقيقاً أي خفيفاً ‏لعظم مابعده فالثاني يجعل الأول رقيقاً ، وقيل يشبه بعضها بعضاً ، وقيل : ‏يسوق بعضها إلى بعض بتحسينها وتسويلها (‏ ‏) . وتظهر من الحديث ‏دلالته على ماقلنا سابقاً من اخباره صلى الله عليه وسلم أمته بما سيصيبهم ‏من بلاء وفتن . والله المستعان وعليه التكلان .‏
‏7 = ومنها : ماأخبر به صلى الله عليه وسلم من وقوع الفتن كالظلل . ‏
فعن كُرْز بن علقمة الخُزاعي قال : قال رجــل : يارســـول الله ! هل ‏للإسـلام من منتهى ؟ قال : (( أيّما أهل بيت ـ وقال في موضــع آخــر : قال ‏‏: نــعم ، أَيّما أهل بيت ـ من العرب أو العجم ، أراد الله بهم خيراً ، أدخل عليهم ‏الإســلام )) . قال : ثم مــــه ؟ قال : (( ثم تقع الفتن كأنها الظُّلل )) ، قـال : ‏كــلا ، والله إن شـاء الله . قال : (( بلـــى ، والذي نفسي بيده ثم تعودون فيها ‏أســــاود صُباً يضرب بعضــكم رقـــاب بعض )) (‏ ‏) . فدل الحديث على ‏مجيء الفتن وظهورها وأنها تقع كالظُّلل ، وأن الناس سيضرب بعضهم ‏رقاب بعض كما تنصب وترتفع الحية السـوداء على الملدوغ فتلدغه ، وهذا ‏المقصود بقوله (( أساود صُبا )) (‏ ‏) . ‏
‏ وسيأتي ـ إن شاء الله(‏ ‏) ـ شرح هذا الحديث بالتفصيل .‏
هذا ماتيسر جمعه وتخرجه وشرحه فيما يتعلق بهذا المبحث من ‏إخباره ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ظهور الفتن ومجيئها ، وقد ذكرنا نحواً ‏من أحد عشر حديثاً تقريباً ، وبينا وجه دلالتها وعلاقتها بهذا المبحث . ولعل ‏في هذا كفاية .. والله من وراء تحقيق الغاية .‏


أحمد سعد الدين غير متصل عرض ألبوم أحمد سعد الدين  
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 16-05-2004   #6 (permalink)
مشرف سابق
 










    

ورد في السنة كوكبة من الأحاديث النبوية الصحيحة الشريفة ، ‏وفحواها يتكلم عن تعظيم شأن الفتن وشدة وقعها ، فتجد بعضها يصف الفتن ‏وصفاً دقيقاً ويشبهها بقطع الليل المظلم ، والبعض الآخر يشبه موجها بموج ‏البحر ، والبعض الآخر يصفها بأنها عمياء صماء تجعل الناس كالأنعام ، ‏وبعض الأحاديث تصف الفتن بأنها تذهب العقول من شدة وقعها ، وبعض ‏الفتن يدخل حرها بيت كل مسلم ، بل وصل الأمر إلى تمني الموت من شدة ‏وقعها وعظم شأنها .‏
وهذا ماسيُعرض في هذا المبحث ـ إن شاء الله تعالى ـ ونظراً لتشعب ‏المادة العلمية في هذا المبحث وتشتتها قُسِّــمَ إلى عدة مطالب بغية تقريبها ‏إلى الأذهان وترتيبها بحيث يسهل شرحها وفهمها من غير اتعاب بدن ولا ‏إعمال قريحة . ‏
والله من وراء القصد


المطلب الأول
‏{ فتن كقطع الليل المظلم }‏
‏= = = = = = = =‏
حث النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين على المبادرة إلى الأعمال ‏الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن العظام والمحن ‏الجسام ، وقد وصفها بأنها فتن متراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم ، لا ‏المقمر .‏
وقد وصف صلى الله عليه وسلم ـ أيضاً ـ نوعاً من شدائد تلك الفتن ، ‏وهو أن يمسي الإنسان مؤمناً ثم يصبح كافراً ، والعكس كذلك ، فينقلب في ‏اليوم الواحد هذا الانقلاب السريع ، وماذاك إلا لعظم شأن الفتن وشدة وقعها ‏‏(‏ ‏) .‏
ومما ورد في ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم قال : (( بادروا بالأعمــال فتنـــاً كقطـــع الليــل المظلم . ‏يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً . ويمســي مؤمناً ويصبح كافراً . يبيع دينه بعرض ‏من الدنيا قليل )) (‏ ‏) ‏
وقوله صلى الله عليه وسلم (( كقطع الليل المظلم )) أي : كقطع من ‏الليل المظلم لفرط سوادها وظلمتها وعدم تبيّن الصلاح والفساد فيها .‏
وحاصل المعنى : تعجلوا بالأعمال الصالحة قبل مجيء الفتن ‏المظلمة من القتل والنهب والاختلاف بين المسلمين في أمر الدنيا والدين ، ‏فإنكم لاتطيقون الأعمال على وجه الكمال فيها . ‏
والمراد من التشبيه : بيان حال الفتن من حيث أنه بشيع فظيع ، ولا ‏يعرف سببها ولا طريق الخلاص منها ، فالمبادرة المسارعة بإدراك الشيء ‏قبل فواته أو بدفعه قبل وقوعه .‏
وقوله : (( يصبح الرجل مؤمناً )) أي : موصوفاً بأصل الإيمان أو ‏بكماله (‏ ‏). ‏
‏ ومما يدل على بشاعة الفتن وعظم شأنها ماجاء عن الحسن ‏البصري ـ رحمه الله ـ في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( يصبــح الرجـــل ‏مؤمناً ويمسي كافراً .... )) قال : ( يُصبحُ مُحرِّماً لدم أخيه وعرضه وماله ‏ويمسي مستحلاً له ، ويمسي محرِّماً لدم أخيه وعرضه وماله ويُصبح ‏مستحلاً له ) (‏ ‏) . وقيل : (( يمسي كافراً )) أي : حقيقة ، أو كافراً للنعمة أو ‏مشابهاً للكفرة أو عاملاً عمل الكفر . ‏
وقوله : (( بِعَرَضٍ )) ـ بفتحتين ـ أي : بأخذ متاع دنيء وثمن رديء . ‏وما أكثر ذلك في زماننا هذا ممن يبيع دينه وعرضه بعَرَض من الدنيا قليل ‏‏.‏
‏ قال الحسن : ( فوالله لقد رأيناهم صوراً ولا عقولاً ، وأجساماً ولا ‏أحلاماً ، فراش نار وذباب طمع ، يغدون بدرهمين ويروحون بدرهمين ، ‏يبيع أحدهم دينه بثمن العنز ) (‏ ‏) .‏
فإذا كان ذلك في زمن الحسن ـ رحمه الله ـ والرعيل الأول فما بالك ‏بزماننا هذا ؟ والله المستعان وعليه التكلان . ‏


أحمد سعد الدين غير متصل عرض ألبوم أحمد سعد الدين  
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 16-05-2004   #7 (permalink)
مشرف سابق
 










    

المطلب الثاني
‏{ وقوع الفتن كالظلل }‏
‏ = = = = = = = =‏
عن كُرْز الخزاعي رضي الله عنه قال : قال رجل يارســول الله هل ‏للإســلام من منتهى ؟ قال : (( أيّما أهل بيت ـ وقال في موضــع آخــر : قال : ‏نــعم ، أَيـُّما أهل بيت ـ من العرب أو العجم ، أراد الله بهم خيراً ، أدخل عليهم ‏الإســلام )) . قال : ثم مـه ؟ قــال : (( ثم تقع الفتــــن كأنها الظُّلل )) ، قال : كلا ‏، والله إن شـاء الله . قال : (( بلى ، والذي نفسي بيده ثم تعودون فيها أسَاود صُباً ‏يضرب بعضكم رقاب بعض ، فخير الناس يومئذٍ : مؤمن معتزل في شعب من ‏الشعاب ، يتقي الله ، ويذر الناس من شره )) (‏ ‏) .‏
قوله : ( هل للإسلام من منتهى ) هو سؤال الأعرابي للنبي صلى الله ‏عليه وسلم عن انتهاء العمل بشرائع الإسلام ، وأحكامه وقو