مشاهدة النسخة كاملة : الرضاع فى الإسلام
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 01:23 AM
( الموسوعة الإسلامية المعاصرة)
الفَصل الأول
- في وجوب الرضاع للرضيع، وعلى من يجب؟
يقول الله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 233].
ويقول جل شأنه في شأن المطلقات: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق: 6].
في هاتين الآيتين وضع المولى سبحانه الأسس التي تقوم عليها أحكام الرضاع، ومنهما استنبط الفقهاء أكثر أحكامه، وفيهما توزيع لمسئولية الرضاع بين الأب والأم، فكل منهما يقوم بما يستطيعه دون مضارة لأحدهما، فالأم بلبنها الذي أجراه الله في ثديها غذاء لطفلها وهو أنسب غذاء له في هذه الفترة بعد أن تغذى بدمها فترة الحمل، والأب بالإنفاق عليها ليدر لبنها.
ثم رفع الجناح عن إرضاع الأجنبيات إذا ما تعذر إرضاع الأم، وقد كان هذا عرفاً شائعاً عند العرب قبل الإسلام يسيرون عليه راضية به نفوسهم، فلم يعرض له بالإلغاء كما ألغي غيره من الأعراف بل أقره وفوضه لإرادة الآباء مع التصريح برفع الجناح عنهم في ذلك.
وتفتتح الآية الأولى بجملة خبرية تحمل معنى الأمر {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} فنظراً لخبريتها تفيد أن الرضاع حق للأم لها أن تستوفيه ولها أن تتنازل عنه، ونظراً لمعنى الأمر فيها تفيد أنه واجب عليها لا تستطيع تركه إلا إذا منعها من ذلك مانع كمرض ونحوه، ومن هنا جاء اختلاف الفقهاء في وجوب الرضاع على الأم.
وإن نظرة عامة في مذاهب الفقهاء نجدها متفقة على أنه واجب على الأم في بعض الحالات، وغير واجب عليها في حالات أخرى مع اتفاق الجميع على أنه حق للأم لا يزاحمها غيرها في استيفائه إذا أرادت ما لم يكن في ذلك ضرر يلحق الرضيع أو الأب، لأن الأم أقرب الناس إلى وليدها ينبض قلبها بالحنان والشفقة عليه فوق أن لبنها أفضل غذاء له مما عداه لأنه يلائم جسمه الذي تغذى به دماً وهو جنين في بطنها.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 01:24 AM
تلخيص آراء الفقهاء:
اتفق الفقهاء على أن الرضاع واجب على الأم ديانة في جميع الحالات سواء كانت زوجيتها قائمة أو انتهت، بمعنى أنها مسؤولة أمام الله عن ذلك بحيث تأثم لو امتنعت عنه وهي قادرة عليه.
واختلفوا بعد ذلك في وجوبه عليها قضاء، أي أن القاضي يجبرها عليه إذا امتنعت عنه بدون عذر.
فذهب مالك في المشهور عنه أنه واجب عليها قضاء إذا كانت زوجة أو معتدة من طلاق رجعي كما هو واجب ديانة لظاهر الأمر وهو يفيد الوجوب قضاء وديانة إلا إذا كانت ذات ترفه لم يجر عرف قومها بإرضاع نسائهم أولادهن لأن هذا كان في الجاهلية ولم يغيره الإسلام، ولأنها تتضرر حينئذ بإلزامها بالإرضاع إلا إذا تعينت للإرضاع بأن كان الطفل لا يقبل إلا ثديها فإنها تجبر عليه محافظة على الصغير من الهلاك وهو ضرر أكبر من تضررها بالإرضاع تجبر حتى ولو كانت مطلقة بائناً.
وذهب الشافعية إلى أنه يجب عليها أن ترضعه أول لبنها المسمى باللباء، لأن الولد يقوى وتشتد بنيته به، ولا يجب عليها أن ترضعه ما بعده يستوي في ذلك أن تكون زوجة أو أجنبية إلا إذا تعينت بأن لم يوجد من يرضعه غيرها أو لم يقبل الطفل غير ثديها فيتعين عليها الإرضاع.
وذهب الحنفية إلى أنه يجب عليها ديانة لاقضاء، فإن امتنعت عنه بدون عذر فلا تجبر قضاء عليه إلا في حالات ثلاث:
1- إذا لم يكن للطفل ولا لأبيه مال يستأجر به مرضعاً ولم توجد متبرعة بإرضاعه.
2- إذا لم توجد من ترضعه غيرها بأجر أو بغير أجر وإن كان للأب أو الابن مال.
3- إذا وجدت المرضعة ولكن الطفل لا يقبل غير ثدي أمه.
ففي هذه الحالات يتعين عليها الإرضاع وتجبر عليه قضاء حتى لا يتعرض الطفل للهلاك.
وفي غير تلك الحالات إذا قامت الأم بإرضاعه فيها، وإن امتنعت عنه بدون عذر ظاهر لا تجبر عليه لأن الرضاع حق للأم كما هو للولد، ولا يجبر أحد على استيفاء حقه إلا إذا وجد ما يقتضي الإجبار عليه وهو المحافظة على حياة الطفل.
ومن جهة أخرى إن الأم أكثر الناس شفقة وحناناً على ولدها، وهي لا تمتنع عن إرضاعه إلا لعدم قدرتها عليه، فإجبارها حينئذ يلحق الضرر بها، لأنها ستفعل ما لا قدرة عليه أو تتضرر به، وقد نفى الله عنها الضرر بسبب ولدها {لا تضار والدة بولدها}.
وفي هذه الحالة يجب على الأب أن يستأجر له مرضعاً تقوم بإرضاعه حفظاً له من الهلاك.
فإن لم يقم الأب باستئجار المرضعة كان للأم أن تطالبه بالقيام بذلك أو بدفع أجرة الرضاع إليها لتقوم هي باستئجار المرضعة محافظة على ا لولد.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 01:25 AM
- هل تسقط حضانة الأم بالامتناع عن الإرضاع؟
وامتناع الأم عن الإرضاع لا يسقط حضانتها لأنهما حقان منفصلان لا يلزم من سقوط أحدهما سقوط الآخر، وعلى الأب في هذه الحالة أن يتفق مع المرضعة على القيام بعملها على وجه لا يضيع حق الأم في الحضانة ، كأن تقوم بإرضاعه عند أمه أو بنقل الولد إليها في أوقات الرضاعة ثم يرد إلى أمه، فإن لم يتفق معها على شيء من ذلك كان عليها أن تذهب إلى حيث يوجد الطفل عند حاضنته سواء كانت هي الأم أو غيرها لتستطيع الحاضنة القيام بما تقتضيه الحضانة.
وإذا كان للأب الحق في استئجار المرضعة عند امتناع الأم فليس معنى ذلك أنه يتحكم في أمر الإرضاع ويمنع الأم منه إذا رغبت فيه بعد الامتناع عنه، لأن الأم حقها ثابت في الرضاع وهي أحق به من الأجنبية، ولا يملك الأب منعها منه ما لم يلحقه ضرر منه بأن كانت الأم تطلب أجراً عليه - حينما تستحق تستحق الأجر - بينما توجد متبرعة به، أو تطلب أكثر مما تطلبه المرضعة، لأن القرآن كما نفى الإضرار بالأم نفاه أيضاً عن الأب {ولا مولود له بولده}، وليس في منعها إضرار بها لأنها التي أساءت استعمال حقها بطلب الأجر أو الزيادة، وفي هذه الحالة يقال للأم: إما أن ترضعيه مجاناً أو بمثل الأجر الذي قبلته المرضعة أو تسليمه لها لترضعه وهي بالخيار.
لكن يستثنى من ذلك ما إذا كانت الأم مريضة بمرض يخشى على الطفل منه أو ثبت بالتحليل الطبي أن لبن الأم لا يصلح للطفل لسبب من الأسباب. ففي مثل هاتين الحالتين يكون للأب منع الأم من إرضاعه وإعطاؤه للمرضعة محافظة عليه ومنعاً للضرر عنه.
وإذا سقط حق الأم في الرضاع كان على المرضعة أن توفي بما التزمت به.
فإن كانت متبرعة وأرضعته فترة ثم رغبت في إنهاء تبرعها أجيبت إلى ذلك لأنها محسنة، وما على المحسنين من سبيل، إلا إذا كان الطفل لا يقبل ثدي غيرها فإنه يلزمها إرضاعه إلى أن يستغني عن الرضاع حتى لا يلحقه ضرر، ويجب لها أجر مثلها في المدة الباقية لأنها أنهت تبرعها.
وكذلك إذا كانت ترضع بأجر وانتهت المدة المتفق عليها ولم يستغن الطفل عن الرضاع أجبرت على مد الإجارة لمدة أخرى تكفي لاستغناء الطفل عن الرضاعة إذا لم يقبل الطفل ثدي غيرها دفعاً للضرر عن الرضيع، وهي لا يلحقها من ذلك ضرر حيث يجب لها أجر المثل عن المدة الثانية.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 01:26 AM
الفَصل الثّاني
1- من التي تستحق أجرة على الرضاع؟
فذهب الحنفية: أن التي تقوم بالإرضاع إما أن تكون الأم أو غيرها، والأم إما أن تكون زوجة لوالد الرضيع أو معتدة منه بطلاق بائن أو رجعي، أو انتهت عدتها.
فإن كانت زوجة أو معتدة من طلاق رجعي فلا تستحق أجرة على الإرضاع مطلقاً سواء كان واجباً عليها أو لا، لأن أجرة الرضاع ليست عوضاً خالصاً بل هي أشبه بالنفقة، لأن المقصود منها تغذية الأم ليدر لبنها الذي هو غذاء للصغير، ولأن الإرضاع واجب عليها ديانة عندهم، والواجب الديني لا يستحق عليه أجر، ولأن نفقتها في هذه الحالة واجبة على الأب باعتباره زوجاً أو مطلقاً فلا يجمع لها بين نفقتين في وقت واحد، لأنه غير معهود في الشرع.
وإن كانت معتدة من طلاق بائن ففي إحدى الروايتين في المذهب تجب لها النفقة، لأن الزوجية قد انتهت بالطلاق البائن فأشبهت الأجنبية.
وفي الرواية الأخرى لا تجب لها النفقة على الإرضاع، لأن زوجيتها وإن انقطعت بالطلاق البائن إلا أنها تجب لها النفقة على مطلقها على والد الرضيع مادامت في العدة، فلو أوجبنا لها أجرة على الرضاع لكانت جامعة بين نفقتين في وقت واحد.
وفقهاء المذهب وإن اختلفوا في الترجيع لتلك الروايتين إلا أن الفتوى على الثانية وهي التي تمنع وجوب النفقة.
أما إذا انتهت عدتها فتستحق الأجرة قولاً واحداً سواء كانت متعينة للإرضاع أو لا، لأنها أصبحت أجنبية من كل وجه وارتفعت نفقة عدتها لقوله تعالى في شأن المطلقات: {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6].
وإذا كان المانع من وجوب أجرة الرضاع للمعتدة هو استحقاقها نفقة للعدة على والد الرضيع فيكون عدم استحقاق الأجرة على الرضاع للمطلقة مرتبطاً بوجوب النفقة لها لا بكونها معتدة.
وعلى هذا إذا قامت بالإرضاع لا تستحق أجراً عليه مدة سنة، وبعد انقضائها تستحق الأجرة إلى أن تنتهي مدة الرضاع، لأنها صارت في حكم التي انقضت عدتها.
وكذلك لو كانت أسقطت نفقة عدتها في مقابل طلاقها منه يكون حكمها كحكم من انقضت عدتها في استحقاق الأجرة لانقطاع نفقتها من الأب، وكذلك التي تزوجت بدون عقد موثق فإنها لا تستحق نفقة على زوجها إذا لم يعترف بالزوجية.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 01:27 AM
2- متى تستحق المرضع الأجر على الرضاع؟
إذا كانت المرضع هي الأم فإنها تستحق الأجر بمجرد الإرضاع، ولا يتوقف استحقاقها على سبق اتفاق بينها وبين الأب ولا على قضاء القاضي به، ويكون الأجر المستحق هو أجر مثلها إلى أن يتفقا على قدر معين، وتكون ديناً على الأب لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء منه، فلو ماتت الأم قبل قبضه كان لورثتها حق المطالبة به باعتباره جزءاً من تركتها، ولو مات الأب قبل قبض الأم له أخذ من تركته كسائر الديون، وكذلك لا تسقط بموت الرضيع.
وإنما استحقت الأم الأجر دون توقف على اتفاق سابق لأن القرآن رتب الأجر على الإرضاع في قوله تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} فقد أمرت الآية بإعطاء الأجر بمجرد الإرضاع دون تقيده بقيد آخر.
ولأن إقبال الأم على إرضاع وليدها قبل الاتفاق على الأجر لا يدل على أنها متبرعة به، لأن عطفها وحنانها على وليدها هو الذي دفعها إلى الإرضاع، ولا يعقل أن تراه يتلوى أمامها من الجوع وتتركه بدون إرضاع حتى يتم الاتفاق مع أبيه.
أما غير الأم فإنها لا تستحق الأجر بمجرد الإرضاع، بل لا تستحقه إلا من وقت الاتفاق، لأنها مستأجرة للإرضاع فلا تستحق الأجرة إلا من يوم العقد.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 02:49 AM
3- مقدار المدة التي تستحق فيها أجرة الرضاع:
لا تستحق الأم أجراً على الرضاع لأكثر من سنتين باتفاق الحنفية حتى ولو زاد إرضاع الطفل عن هذه المدة لقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} فقد جعلت الآية تمام الرضاع كمال الحولين وليس بعد التمام زيادة.
فلو زاد عن الحولين لا تجب أجرة على الزيادة وإن جاز ذلك الرضاع.
ولو اتفق الأب والأم على إنقاص المدة عن الحولين جاز إذا كان في ذلك مصلحة الرضيع لقوله تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا}.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 02:50 AM
4- مقدار أجرة الرضاع:
مقدار الأجرة التي تستحقها الأم في الحالات التي تستحق فيها الأجر هو ما اتفقت مع الأب عليه إذا اتفقا على شيء قبل الإرضاع، وإن لم يكن بينهما اتفاق على قدر معين فإنها تستحق أجر المثل وهو الأجرة التي تقبل امرأة أخرى أن ترضع به، فإذا تنازعا قدره القاضي بذلك، فإن طلبت أكثر من ذلك لا تجاب إلى طلبها.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 02:51 AM
5- على من تجب أجرة الرضاع؟
إذا كان للرضيع مال وجبت الأجرة في ماله، لأن رضاع الصغير هو غذاؤه، وغذاؤه من نفقته، والأصل في النفقة أنها تكون من مال الشخص، فإن لم يكن له مال فتكون على أبيه إن كان موسراً.
فإن كان معسراً وقادراً على الكسب أجبرت الأم على إرضاعه ويكون الأجر ديناً على الأب يدفعه لها إذا أيسر، وإن كان معسراً عاجزاً عن الكسب أو متوفى وجبت أجرة الرضاع على من تجب عليه نفقة الصغير من الأقارب لقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ...} إلى أن قال: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} وسيأتي تفصيل ذلك في مبحث نفقات الأقارب.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 02:53 AM
المغني
موفق الدين أبو محمد عبد الله بن قدامة المقدسي الحنبلي
(الجزء الثالث والأربعون – كتاب الرضاع)
• كتاب الرضاع
o مسألة: الرضاع الذي لا يشك في تحريمه خمس رضعات
فصل: إذا وقع الشك في وجود الرضاع
o مسألة: السعوط كالرضاع وكذلك الوجور
فصل: إنما يحرم من ذلك مثل الذي يحرم بالرضاع
فصل: إن عمل اللبن جبنا ثم أطعمه الصبي ثبت به التحريم
فصل: حكم الحقنة
o مسألة: واللبن المشوب كالمحض
فصل: إن حلب من نسوة وسقيه الصبي
o مسألة: يحرم لبن الميتة كما يحرم لبن الحية
فصل: لو حلبت المرأة لبنها في إناء ثم ماتت, فشربه صبي نشر الحرمة
o مسألة: حكم إذا حلبت ممن يلحق نسب ولدها به فثاب لها لبن
فصل: إذا وطئ رجلان امرأة
فصل: لا تنتشر الحرمة بغير لبن الآدمية
فصل: إن ثاب لامرأة لبن من غير وطء, فأرضعت به طفلا نشر الحرمة
فصل: إذا كان لرجل خمس أمهات أولاد
فصل: إذا كان لامرأة لبن من زوج فأرضعت طفلا ثلاث رضعات
o مسألة: لو طلق زوجته ثلاثا وهي ترضع من لبن ولده
فصل: إذا طلق الرجل زوجته ولها منه لبن
o مسألة: تزوج كبيرة وصغيرة فلم يدخل بالكبيرة حتى أرضعت الصغيرة
الفصل الأول: لو أرضعت الكبيرة الصغيرة قبل الدخول
الفصل الثاني: أنه إن كان دخل بالكبيرة حرمتا جميعا على الأبد
الفصل الثالث: أن عليه نصف مهر الصغيرة
الفصل الرابع: أنه يرجع على الكبيرة بما لزمه من صداق الصغيرة
فصل: والواجب نصف المسمى, لا نصف مهر المثل
فصل: وكل امرأة تحرم ابنتها إذا أرضعت زوجته الصغيرة أفسدت نكاحه
فصل: وإن تزوج كبيرة ثم طلقها, فأرضعت صغيرة بلبنه صارت بنتا له
فصل: حكم ما لو أرضعت بنت الكبيرة الصغيرة
فصل: حكم من أفسد نكاح امرأة بالرضاع قبل الدخول
فصل: وإن أفسد النكاح جماعة, تقسط المهر
فصل: إذا كانت له زوجة أمة فأرضعت امرأته الصغيرة فحرمتها عليه
o مسألة: ارضاع الكبرى الصغرى من امرأتين لرجل واحد
فصل: فإن أرضعت الصغيرتين أجنبية انفسخ نكاحهما
فصل: حكم ما لو أرضعتهما بنت الكبيرة
o مسألة: حكم ما لو كن الأصاغر ثلاثا
فصل: حكم ما لو أرضعتهن بنت الكبيرة
o مسألة: حكم ما لو شهدت امرأة واحدة على الرضاع حرم النكاح
فصل: ويقبل فيه شهادة المرضعة على فعل نفسها
فصل: ولا تقبل الشهادة على الرضاع إلا مفسرة
o مسألة: اقرار الزوج بما يتضمن أن زوجته محرمة عليه
فصل: حكم ما لو قال هي عمتي أو خالتي أو ابنة أخي أو أختي أو أمي من الرضاع
فصل: حكم ما لو ادعى أن زوجته أخته من الرضاع
o مسألة: اقرار المرأة أن زوجها أخوها من الرضاعة
فصل: حكم ما لو ادعى أحد الزوجين على الآخر
فصل: كراهة الارتضاع بلبن الفجور والمشركات
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 02:54 AM
كتاب الرضاع:
الأصل في التحريم بالرضاع الكتاب والسنة والإجماع وأما الكتاب فقول الله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} ذكرهما الله سبحانه في جملة المحرمات وأما السنة, فما روت عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة) متفق عليه وفي لفظ: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) رواه النسائي وعن ابن عباس, قال: (قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بنت حمزة: لا تحل لي يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وهي ابنة أخي من الرضاعة) متفق عليه في أخبار كثيرة, نذكر أكثرها -إن شاء الله تعالى- في تضاعيف الباب وأجمع علماء الأمة على التحريم بالرضاع إذا ثبت هذا فإن تحريم الأم والأخت ثبت بنص الكتاب وتحريم البنت ثبت بالتنبيه, فإنه إذا حرمت الأخت فالبنت أولى وسائر المحرمات ثبت تحريمهن بالسنة وتثبت المحرمية لأنها فرع على التحريم إذا كان بسبب مباح فأما بقية أحكام النسب من النفقة, والعتق ورد الشهادة وغير ذلك, فلا يتعلق به لأن النسب أقوى منه فلا يقاس عليه في جميع أحكامه وإنما يشبه به فيما نص عليه فيه.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 02:54 AM
مسألة:
قال أبو القاسم, -رحمه الله-: [والرضاع الذي لا يشك في تحريمه أن يكون خمس رضعات فصاعدا]
في هذه المسألة: مسألتان: المسألة: الأولى أن الذي يتعلق به التحريم خمس رضعات فصاعدا هذا الصحيح في المذهب وروى هذا عن عائشة, وابن مسعود وابن ال***ر وعطاء, وطاوس وهو قول الشافعي وعن أحمد رواية ثانية أن قليل الرضاع وكثيره يحرم وروي ذلك عن علي وابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب, والحسن ومكحول والزهري, وقتادة والحكم وحماد, ومالك والأوزاعي والثوري, والليث وأصحاب الرأي وزعم الليث أن المسلمين أجمعوا على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر به الصائم واحتجوا بقول الله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} وقوله عليه السلام: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) وعن عقبة بن الحارث (أنه تزوج أم يحيي بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء, فقالت: قد أرضعتكما فذكرت ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: كيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما) متفق عليه ولأن ذلك فعل يتعلق به تحريم مؤبد, فلم يعتبر فيه العدد كتحريم أمهات النساء ولا يلزم اللعان لأنه قول والرواية الثالثة لا يثبت التحريم إلا بثلاث رضعات وبه قال أبو ثور, وأبو عبيد وداود وابن المنذر لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تحرم المصة ولا المصتان) وعن أم الفضل بنت الحارث, قالت: قال نبي الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان) رواهما مسلم ولأن ما يعتبر فيه العدد والتكرار يعتبر فيه الثلاث وروي عن حفصة: لا يحرم دون عشر رضعات وروي ذلك عن عائشة لأن عروة روى في حديث سهلة بنت سهيل: فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما بلغنا: (أرضعيه عشر رضعات فيحرم بلبنها) ووجه الأولى, ما روي عن عائشة أنها قالت: أنزل في القرآن " عشر رضعات معلومات يحرمن " فنسخ من ذلك خمس وصار إلى خمس رضعات معلومات يحرمن, فتوفى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والأمر على ذلك رواه مسلم وروى مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة, عن سهلة بنت سهيل: (أرضعي سالما خمس رضعات فيحرم بلبنها) والآية فسرتها السنة وبينت الرضاعة المحرمة, وصريح ما رويناه يخص مفهوم ما رووه فنجمع بين الأخبار ونحملها على الصريح الذي رويناه.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 02:56 AM
فصل:
وإذا وقع الشك في وجود الرضاع, أو في عدد الرضاع المحرم هل كملا أو لا؟ لم يثبت التحريم لأن الأصل عدمه فلا نزول عن اليقين بالشك, كما لو شك في وجود الطلاق وعدده.
المسألة الثانية: أن تكون الرضعات متفرقات وبهذا قال الشافعي والمرجع في معرفة الرضعة إلى العرف لأن الشرع ورد بها مطلقا ولم يحدها بزمن ولا مقدار, فدل ذلك على أنه ردهم إلى العرف فإذا ارتضع الصبي وقطع قطعا بينا باختياره, كان ذلك رضعة فإذا عاد كانت رضعة أخرى فأما إن قطع لضيق نفس, أو للانتقال من ثدي إلى ثدي أو لشيء يلهيه أو قطعت عليه المرضعة, نظرنا فإن لم يعد قريبا فهي رضعة وإن عاد في الحال ففيه وجهان أحدهما, أن الأولى رضعة فإذا عاد فهي رضعة أخرى وهذا اختيار أبي بكر وظاهر كلام أحمد في رواية حنبل, فإنه قال: أما ترى الصبي يرتضع من الثدي فإذا أدركه النفس أمسك عن الثدي ليتنفس أو يستريح فإذا فعل ذلك فهي رضعة, وذلك لأن الأولى رضعة لو لم يعد فكانت رضعة وإن عاد كما لو قطع باختياره والوجه الآخر, أن جميع ذلك رضعة وهو مذهب الشافعي إلا فيما إذا قطعت عليه المرضعة ففيه وجهان لأنه لو حلف: لا أكلت اليوم إلا أكلة واحدة فاستدام الأكل زمنا, أو قطع لشرب الماء أو انتقال من لون إلى لون أو انتظار لما يحمل إليه من الطعام لم يعد إلا أكلة واحدة, فكذا ها هنا والأول أصح لأن اليسير من السعوط والوجور رضعة فكذا هذا.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 02:56 AM
مسألة:
قال الشافعي: [والسعوط كالرضاع وكذلك الوجور]
معنى السعوط: أن يصب اللبن في أنفه من إناء أو غيره والوجور: أن يصب في حلقه صبا من غير الثدي واختلفت الرواية في التحريم بهما, فأصح الروايتين أن التحريم يثبت بذلك كما يثبت بالرضاع وهو قول الشعبي والثوري وأصحاب الرأي وبه قال مالك في الوجور والثانية لا يثبت بهما التحريم وهو اختيار أبي بكر, ومذهب داود وقول عطاء الخراساني في السعوط لأن هذا ليس برضاع وإنما حرم الله تعالى ورسوله بالرضاع ولأنه حصل من غير ارتضاع, فأشبه ما لو دخل من جرح في بدنه ولنا ما روى ابن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا رضاع, إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم) رواه أبو داود ولأن هذا يصل به اللبن إلى حيث يصل بالارتضاع ويحصل به من إنبات اللحم وإنشاز العظم ما يحصل من الارتضاع, فيجب أن يساويه في التحريم والأنف سبيل الفطر للصائم فكان سبيلا للتحريم كالرضاع بالفم.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 02:57 AM
فصل:
وإنما يحرم من ذلك مثل الذي يحرم بالرضاع, وهو خمس في الرواية المشهورة فإنه فرع على الرضاع فيأخذ حكمه, فإن ارتضع وكمل الخمس بسعوط أو وجور أو استعط أو أوجر وكمل الخمس برضاع, ثبت التحريم لأنا جعلناه كالرضاع في أصل التحريم فكذلك في إكمال العدد ولو حلبت في إناء دفعة واحدة, ثم سقته غلاما في خمسة أوقات فهو خمس رضعات فإنه لو أكل من طعام خمس أكلات متفرقات, لكان قد أكل خمس أكلات وإن حلبت في إناء حلبات في خمسة أوقات ثم سقته دفعة واحدة كان رضعة واحدة كما لو جعل الطعام في إناء واحد في خمسة أوقات, ثم أكله دفعة واحدة كان أكلة واحدة وحكى عن الشافعي قول في الصورتين عكس ما قلنا اعتبارا لخروجه منها لأن الاعتبار بالرضاع والوجور فرعه ولنا أن, الاعتبار بشرب الصبي له لأنه المحرم ولهذا ثبت التحريم به من غير رضاع ولو ارتضع بحيث يصل إلى فيه, ثم مجه لم يثبت التحريم فكان الاعتبار به, وما وجد منه إلا دفعة واحدة فكان رضعة واحدة وإن سقته في أوقات, فقد وجد في خمسة أوقات فكان خمس رضعات فأما إن سقته اللبن المجموع جرعة بعد جرعة متتابعة, فظاهر قول الخرقي أنه رضعة واحدة لاعتباره خمس رضعات متفرقات ولأن المرجع في الرضعة إلى العرف وهم لا يعدون هذا رضعات فأشبه ما لو أكل الآكل الطعام لقمة بعد لقمة, فإنه لا يعد أكلات ويحتمل أن يرجع على ما إذا قطعت عليه المرضعة الرضاع على ما قدمنا.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 02:58 AM
فصل:
وإن عمل اللبن جبنا ثم أطعمه الصبي ثبت به التحريم وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: لا يحرم به لزوال الاسم وكذلك على الرواية التي تقول: لا يثبت التحريم بالوجور لا يثبت ها هنا بطريق الأولى ولنا, أنه واصل من الحلق يحصل به إنبات اللحم وإنشاز العظم فحصل به التحريم, كما لو شربه.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 02:59 AM
فصل:
فأما الحقنة فقال أبو الخطاب: المنصوص عن أحمد أنها لا تحرم وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وقال ابن حامد, وابن أبي موسى: تحرم وهذا مذهب الشافعي لأنه سبيل يحصل بالواصل منه الفطر فتعلق به التحريم, كالرضاع ولنا أن هذا ليس برضاع ولا يحصل به التغذي, فلم ينشر الحرمة كما لو قطر في إحليله ولأنه ليس برضاع ولا في معناه, فلم يجز إثبات حكمه فيه ويفارق فطر الصائم فإنه لا يعتبر فيه إنبات اللحم, ولا إنشاز العظم وهذا لا يحرم فيه إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم ولأنه وصل اللبن إلى الباطن من غير الحلق أشبه ما لو وصل من جرح.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:00 AM
مسألة:
قال: [واللبن المشوب كالمحض]
المشوب: المختلط بغيره والمحض: الخالص الذي لا يخالطه سواه وسوى الخرقي بينهما, سواء شيب بطعام أو شراب أو غيره وبهذا قال الشافعي وقال أبو بكر: قياس قول أحمد أنه لا يحرم لأنه وجور وحكى عن ابن حامد أنه قال: إن كان الغالب اللبن حرم وإلا فلا وهو قول أبي ثور, والمزني لأن الحكم للأغلب ولأنه يزول بذلك الاسم والمعنى المراد به ونحو هذا قول أصحاب الرأي وزادوا, فقالوا: إن كانت النار قد مست اللبن حتى أنضجت الطعام أو حتى تغير فليس برضاع ووجه الأول, أن اللبن متى كان ظاهرا فقد حصل شربه ويحصل منه إنبات اللحم وإنشاز العظم, فحرم كما لو كان غالبا وهذا فيما إذا كانت صفات اللبن باقية, فأما إن صب في ماء كثير لم يتغير به لم يثبت به التحريم لأن هذا ليس بلبن مشوب ولا يحصل به التغذي, ولا إنبات اللحم ولا إنشاز العظم وحكي عن القاضي أن التحريم يثبت به وهو قول الشافعي لأن أجزاء اللبن حصلت في بطنه فأشبه ما لو كان لونه ظاهرا ولنا, أن هذا ليس برضاع ولا في معناه فوجب أن لا يثبت حكمه فيه.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:00 AM
فصل:
وإن حلب من نسوة, وسقيه الصبي فهو كما لو ارتضع من كل واحدة منهن لأنه لو شيب بماء أو عسل لم يخرج عن كونه رضاعا محرما, فكذلك إذا شيب بلبن آخر.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:01 AM
مسألة:
قال: [ويحرم لبن الميتة كما يحرم لبن الحية لأن اللبن لا يموت] المنصوص عن أحمد, في رواية إبراهيم الحربي أنه ينشر الحرمة وهو اختيار أبي بكر وهو قول أبي ثور والأوزاعي, وابن القاسم وأصحاب الرأي وابن المنذر وقال الخلال: لا ينشر الحرمة وتوقف عنه أحمد, في رواية مهنا وهو مذهب الشافعي لأنه لبن ممن ليس بمحل للولادة فلم يتعلق به التحريم كلبن الرجل ولنا أنه وجد الارتضاع, على وجه ينبت اللحم وينشز العظم من امرأة فأثبت التحريم كما لو كانت حية ولأنه لا فارق بين شربه في حياتها وموتها إلا الحياة والموت أو النجاسة, وهذا لا أثر له فإن اللبن لا يموت والنجاسة لا تمنع, كما لو حلب في وعاء نجس ولأنه لو حلب منها في حياتها فشربه بعد موتها لنشر الحرمة, وبقاؤه في ثديها لا يمنع ثبوت الحرمة لأن ثديها لا يزيد على الإناء في عدم الحياة وهي لا تزيد على عظم الميتة في ثبوت النجاسة.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:02 AM
فصل:
ولو حلبت المرأة لبنها في إناء ثم ماتت, فشربه صبي نشر الحرمة في قول كل من جعل الوجور محرما وبه قال أبو ثور والشافعي وأصحاب الرأي, وغيرهم وذلك لأنه لبن امرأة في حياتها فأشبه ما لو شربه وهي في الحياة.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:03 AM
مسألة:
قال: [وإذا حلبت ممن يلحق نسب ولدها به فثاب لها لبن, فأرضعت به طفلا خمس رضعات متفرقات في حولين حرمت عليه, وبناتها من أبي هذا الحمل ومن غيره وبنات أبي هذا الحمل منها ومن غيرها وإن أرضعت صبية, فقد صارت ابنة لها ولزوجها لأن اللبن من الحمل الذي هو منه]
وجملة ذلك أن المرأة إذا حملت من رجل وثاب لها لبن فأرضعت به طفلا رضاعا محرما صار الطفل المرتضع ابنا للمرضعة بغير خلاف, وصار أيضا ابنا لمن ينسب الحمل إليه فصار في التحريم وإباحة الخلوة ابنا لهما وأولاده من البنين والبنات أولاد أولادهما, وإن نزلت درجتهم وجميع أولاد المرضعة من زوجها ومن غيره وجميع أولاد الرجل الذي انتسب الحمل إليه من المرضعة ومن غيرها, إخوة المرتضع وأخواته وأولاد أولادها أولاد إخوته وأخواته, وإن نزلت درجتهم وأم المرضعة جدته وأبوها جده وإخوتها أخواله, وأخواتها خالاته وأبو الرجل جده وأمه جدته, وإخوته أعمامه وأخواته عماته وجميع أقاربهما ينتسبون إلى المرتضع كما ينتسبون إلى ولدهما من النسب لأن اللبن الذي ثاب للمرأة مخلوق من ماء الرجل والمرأة, فنشر التحريم إليهما ونشر الحرمة إلى الرجل وإلى أقاربه وهو الذي يسمى لبن الفحل وفي التحريم به اختلاف, ذكرناه في باب ما يحرم نكاحه والجمع بينه والحجة القاطعة فيه, ما روت عائشة (أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن على بعد ما أنزل الحجاب فقلت: والله لا آذن له حتى أستأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني, ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس فدخل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إن الرجل ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأته قال: ائذني له فإنه عمك, تربت يمينك قال عروة: فبذلك كانت عائشة تأخذ بقول: حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب) متفق عليه وسئل ابن عباس عن رجل تزوج امرأتين فأرضعت إحداهما جارية, والأخرى غلاما هل يتزوج الغلام الجارية؟ فقال: لا اللقاح واحد قال مالك: اختلف قديما في الرضاعة من قبل الأب, ونزل برجال من أهل المدينة في أزواجهم منهم محمد بن المنكدر وابن أبي حبيبة فاستفتوا في ذلك, فاختلف عليهم ففارقوا زوجاتهم فأما المرتضع فإن الحرمة تنتشر إليه وإلى أولاده وإن نزلوا, ولا تنتشر إلى من في درجته من إخوته وأخواته ولا إلى أعلى منه كأبيه وأمه وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته وأجداده وجداته, فلا يحرم على المرضعة نكاح أبي الطفل المرتضع ولا أخيه ولا عمه, ولا خاله ولا يحرم على زوجها نكاح أم الطفل المرتضع ولا أخته, ولا عمته ولا خالته ولا بأس أن يتزوج أولاد المرضعة, وأولاد زوجها إخوة الطفل المرتضع وأخواته قال أحمد: لا بأس أن يتزوج الرجل أخت أخته من الرضاع ليس بينهما رضاع ولا نسب وإنما الرضاع بين الجارية وأخته.
إذا ثبت هذا, فإن من شرط تحريم الرضاع أن يكون في الحولين وهذا قول أكثر أهل العلم روى نحو ذلك عن عمر وعلي, وابن عمر وابن مسعود وابن عباس, وأبى هريرة وأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- سوى عائشة وإليه ذهب الشعبي وابن شبرمة والأوزاعي, والشافعي وإسحاق وأبو يوسف, ومحمد وأبو ثور ورواية عن مالك, وروي عنه إن زاد شهرا جاز وروى شهران وقال أبو حنيفة: يحرم الرضاع في ثلاثين شهرا لقوله سبحانه: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} ولم يرد بالحمل حمل الأحشاء لأنه يكون سنتين فعلم أنه أراد الحمل في الفصال وقال زفر: مدة الرضاع ثلاث سنين وكانت عائشة ترى رضاعة الكبير تحرم ويروى هذا عن عطاء والليث, وداود لما روى (أن سهلة بنت سهيل قالت: يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا فكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد, ويراني فضلا وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت فكيف ترى فيه؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: أرضعيه فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها فبذلك كانت عائشة تأخذ, تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها, وإن كان كبيرا خمس رضعات وأبت ذلك أم سلمة وسائر أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس, حتى يرضع في المهد وقلن لعائشة: والله ما ندري لعلها رخصة من النبي -صلى الله عليه وسلم- لسالم دون الناس) رواه النسائي, وأبو داود وغيرهما ولنا قول الله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} فجعل تمام الرضاعة حولين, فيدل على أنه لا حكم لها بعدهما وعن عائشة (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دخل عليها وعندها رجل فتغير وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: انظرن من إخوانكن, فإنما الرضاعة من المجاعة) الشافعي متفق عليه وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء, وكان قبل الفطام) أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وعند هذا يتعين حمل خبر أبي حذيفة على أنه خاص له دون الناس كما قال سائر أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- وقول أبي حنيفة, تحكم يخالف ظاهر الكتاب وقول الصحابة فقد روينا عن علي وابن عباس أن المراد بالحمل حمل البطن وبه استدل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر, وقد دل على هذا قول الله تعالى: {وفصاله في عامين} فلو حمل على ما قاله أبو حنيفة لكان مخالفا لهذه الآية إذا ثبت هذا فالاعتبار بالعامين لا بالفطام, فلو فطم قبل الحولين ثم ارتضع فيهما لحصل التحريم, ولو لم يفطم حتى تجاوز الحولين ثم ارتضع بعدهما قبل الفطام لم يثبت التحريم وقال ابن القاسم صاحب مالك: لو ارتضع بعد الفطام في الحولين, لم تحرم لقوله عليه السلام: (وكان قبل الفطام) ولنا قول الله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} وروي عنه عليه السلام: (لا رضاع إلا ما كان في الحولين) والفطام معتبر بمدته لا بنفسه قال أبو الخطاب: لو ارتضع بعد الحولين بساعة لم يحرم وقال القاضي: لو شرع في الخامسة, فحال الحول قبل كمالها لم يثبت التحريم ولا يصح هذا لأن ما وجد من الرضعة في الحولين كاف في التحريم بدليل ما لو انفصل مما بعده, فلا ينبغي أن يسقط حكم بإيصال ما لا أثر له به واشترط الخرقي في نشر الحرمة بين المرتضع وبين الرجل الذي ثاب اللبن بوطئه أن يكون لبن حمل ينتسب إلى الواطئ إما لكون الوطء في نكاح أو ملك يمين, أو بشبهة فأما لبن الزاني أو النافي للولد باللعان فلا ينشر الحرمة بينهما, في مفهوم كلام الخرقي وهو قول أبي عبد الله بن حامد ومذهب الشافعي وقال أبو بكر عبد العزيز: تنتشر الحرمة بينهما لأنه معنى ينشر الحرمة فاستوى في ذلك مباحه ومحظوره, كالوطء يحققه أن الواطئ حصل منه لبن وولد ثم إن الولد ينشر الحرمة بينه وبين الواطئ, كذلك اللبن ولأنه رضاع ينشر الحرمة إلى المرضعة فنشرها إلى الواطئ, كصورة الإجماع ووجه القول الأول أن التحريم بينهما فرع لحرمة الأبوة فلما لم تثبت حرمة الأبوة, لم يثبت ما هو فرع لها ويفارق تحريم ابنته من الزنى لأنها من نطفته حقيقة بخلاف مسألتنا ويفارق تحريم المصاهرة فإن التحريم ثم لا يقف على ثبوت النسب ولهذا تحرم أم زوجته وابنتها من غير نسب, وتحريم الرضاع مبنى على النسب ولهذا قال عليه السلام: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) فأما المرضعة فإن الطفل المرتضع محرم عليها, ومنسوب إليها عند الجميع وكذلك يحرم جميع أولادها وأقاربها الذين يحرمون على أولادها على هذا المرتضع, كما في الرضاع باللبن المباح وإن كان المرتضع جارية حرمت على الملاعن بغير خلاف أيضا لأنها ربيبته, فإنها بنت امرأته من الرضاع وتحرم على الزاني عند من يرى تحريم المصاهرة, وكذلك يحرم بناتها وبنات المرتضع من الغلمان لذلك.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:05 AM
فصل:
وإذا وطئ رجلان امرأة فأتت بولد فأرضعت بلبنه طفلا, صار ابنا لمن ثبت نسب المولود منه سواء ثبت نسبه منه بالقافة أو بغيرها وإن ألحقته القافة بهما صار المرتضع ابنا لهما, فالمرتضع في كل موضع تبع للمناسب فمتى لحق المناسب بشخص فالمرتضع مثله, وإن انتفى المناسب عن أحدهما فالمرتضع مثله لأنه بلبنه ارتضع, وحرمته فرع على حرمته وإن لم يثبت نسبه منهما لتعذر القافة أو لاشتباهه عليهم ونحو ذلك, حرم عليهما تغليبا للحظر لأنه يحتمل أن يكون منهما ويحتمل أن يكون ابن أحدهما, فيحرم عليه أقاربه دون أقارب الآخر وقد اختلطت أخته بغيرها فحرم الجميع, كما لو علم أخته بعينها ثم اختلطت بأجنبيات وإن انتفى عنهما جميعا بأن تأتي به لدون ستة أشهر من وطئهما, أو لأكثر من أربع سنين أو لدون ستة أشهر من وطء أحدهما أو لأكثر من أربع سنين من وطء الآخر, انتفى المرتضع عنهما أيضا فإن كان المرتضع جارية حرمت عليهما تحريم المصاهرة ويحرم أولادها عليها أيضا لأنها ابنة موطوءتهما, فهي ربيبة لهما.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:05 AM
فصل:
ولا تنتشر الحرمة بغير لبن الآدمية بحال فلو ارتضع اثنان من لبن بهيمة لم يصيرا أخوين, في قول عامة أهل العلم منهم الشافعي وابن القاسم وأبو ثور وأصحاب الرأي ولو ارتضعا من رجل, لم يصيرا أخوين ولم تنتشر الحرمة بينه وبينهما في قول عامتهم وقال الكرابيسي: يتعلق به التحريم لأنه لبن آدمي, أشبه لبن الآدمية وحكى عن بعض السلف أنهما إذا ارتضعا من لبن بهيمة صارا أخوين وليس بصحيح لأن هذا لا يتعلق به تحريم الأمومة, فلا يثبت به تحريم الأخوة لأن الأخوة فرع على الأمومة وكذلك لا يتعلق به تحريم الأبوة لذلك, ولأن هذا اللبن لم يخلق لغذاء المولود فلم يتعلق به التحريم كسائر الطعام فإن ثاب لخنثى مشكل لبن, لم يثبت به التحريم لأنه لم يثبت كونه امرأة فلا يثبت التحريم مع الشك وقال ابن حامد:: يقف الأمر حتى ينكشف أمر الخنثى فعلى قوله يثبت التحريم إلا أن يتبين كونه رجلا لأنه لا يأمن كونه محرما.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:06 AM
فصل:
وإن ثاب لامرأة لبن من غير وطء, فأرضعت به طفلا نشر الحرمة في أظهر الروايتين وهو قول ابن حامد, ومذهب مالك والثوري والشافعي, وأبي ثور وأصحاب الرأي وكل من يحفظ عنه ابن المنذر لقول الله تعالى: {وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم} ولأنه لبن امرأة فتعلق به التحريم, كما لو ثاب بوطء ولأن ألبان النساء خلقت لغذاء الأطفال وإن كان هذا نادرا, فجنسه معتاد والرواية الثانية لا ينشر الحرمة لأنه نادر لم تجر العادة به لتغذية الأطفال, فأشبه لبن الرجال والأول أصح.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:07 AM
فصل:
إذا كان لرجل خمس أمهات أولاد له منهن لبن فارتضع طفل من كل واحدة منهن رضعة, لم يصرن أمهات له وصار المولى أبا له وهذا قول ابن حامد لأنه ارتضع من لبنه خمس رضعات وفيه وجه آخر لا تثبت الأبوة لأنه رضاع لم يثبت الأمومة, فلم يثبت الأبوة كالارتضاع بلبن الرجل والأول أصح فإن الأبوة إنما تثبت لكونه رضع من لبنه لا لكون المرضعة أما له ولأصحاب الشافعي وجهان, كهذين وإذا قلنا بثبوت الأبوة حرمت عليه المرضعات لأنه ربيبهن وهن موطوءات أبيه وإن كان لرجل خمس بنات, فأرضعن طفلا كل واحدة رضعة لم يصرن أمهات له وهل يصير الرجل جدا له, وأولاده أخوالا له وخالات؟ على وجهين: أحدهما: يصير جدا وأخوهن خالا لأنه قد كمل للمرتضع خمس رضعات من لبن بناته أو أخواته فأشبه ما لو كان من واحدة والآخر: لا يثبت ذلك لأن كونه جدا فرع كون ابنته أما, وكونه خالا فرع كون أخته أما ولم يثبت ذلك فلا يثبت الفرع وهذا الوجه يترجح في هذه المسألة: لأن الفرعية متحققة, بخلاف التي قبلها فإن قلنا: يصير أخوهن خالا لم تثبت الخئولة في حق واحدة منهن لأنه لم يرتضع من لبن أخواتها خمس رضعات ولكن يحتمل التحريم لأنه قد اجتمع من اللبن المحرم خمس رضعات ولو كمل للطفل خمس رضعات من أمه وأخته وابنته وزوجته وزوجة أبيه من كل واحدة رضعة, خرج على الوجهين.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:08 AM
فصل:
إذا كان لامرأة لبن من زوج فأرضعت طفلا ثلاث رضعات وانقطع لبنها, فتزوجت آخر فصار لها منه لبن فأرضعت منه الصبي رضعتين, صارت أما له بغير خلاف علمناه عند القائلين بأن الخمس محرمات ولم يصر واحد من الزوجين أبا له لأنه لم يكمل عدد الرضاع من لبنه, ويحرم على الرجلين لكونه ربيبها لا لكونه ولدهما.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:09 AM
مسألة:
قال: [ولو طلق زوجته ثلاثا وهي ترضع من لبن ولده, فتزوجت بصبي مرضع فأرضعته فحرمت عليه, ثم تزوجت بآخر ودخل بها ووطئها ثم طلقها, أو مات عنها لم يجز أن يتزوجها الأول لأنها صارت من حلائل الأبناء لما أرضعت الصبي الذي تزوجت به]
هذه المسألة: من فروع المسألة: التي قبلها وهو أن المرتضع يصير ابنا للرجل الذي ثاب اللبن بوطئه فهذه المرأة لما تزوجت صبيا, ثم أرضعته بلبن مطلقها صار ابنا لمطلقها فحرمت عليه لأنها أمه وبانت منه, وكانت زوجة له فصارت زوجة لابن مطلقها فحرمت على الأول على التأبيد لكونها صارت من حلائل أبنائه ولو تزوجت امرأة صبيا, فوجدت به عيبا ففسخت نكاحه ثم تزوجت كبيرا, فصار لها منه لبن فأرضعت به الصبي خمس رضعات حرمت على زوجها لأنها صارت من حلائل أبنائه ولو زوج الرجل أم ولده أو أمته بصبي مملوك, فأرضعته بلبن سيدها خمس رضعات انفسخ نكاحه وحرمت على سيدها على التأبيد لأنها صارت من حلائل أبنائه فإن كان الصبى حرا, لم يتصور هذا الفرع لم يصح نكاحه لأن من شرط جواز نكاح الحر الأمة خوف العنت, ولا يوجد ذلك في الطفل فإن تزوج بها كان النكاح فاسدا وإن أرضعته, لم تحرم على سيدها لأنه ليس بزوج في الحقيقة.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:10 AM
فصل:
وإذا طلق الرجل زوجته ولها منه لبن فتزوجت آخر لم يخل من خمسة أحوال أحدها, أن يبقى لبن الأول بحاله لم يزد ولم ينقص ولم تلد من الثاني, فهو للأول سواء حملت من الثاني أو لم تحمل لا نعلم فيه خلافا لأن اللبن كان للأول ولم يتجدد ما يجعله من الثاني, فبقي للأول الثاني: أن لا تحمل من الثاني فهو للأول سواء زاد أو لم يزد, أو انقطع ثم عاد أو لم ينقطع الثالث: أن تلد من الثاني فاللبن له خاصة قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم وهو قول أبي حنيفة والشافعي, سواء زاد أو لم يزد انقطع أو اتصل لأن لبن الأول ينقطع بالولادة من الثاني فإن حاجة المولود إلى اللبن تمنع كونه لغيره الحال الرابع: أن يكون لبن الأول باقيا, وزاد بالحمل من الثاني فاللبن منهما جميعا في قول أصحابنا وقال أبو حنيفة: هو للأول, ما لم تلد من الثاني وقال الشافعي: إن لم ينته الحمل إلى حال ينزل منه اللبن فهو للأول فإن بلغ إلى حال ينزل به اللبن, فزاد به ففيه قولان أحدهما هو للأول والثاني, هو لهما ولنا أن زيادته عند حدوث الحمل ظاهر في أنها منه وبقاء لبن الأول يقتضي كون أصله منه, فيجب أن يضاف إليهما كما لو كان الولد منهما الحال الخامس: انقطع من الأول ثم ثاب بالحمل من الثاني فقال أبو بكر: هو منهما وهو أحد أقوال الشافعي إذا انتهى الحمل إلى حال ينزل به اللبن وذلك لأن اللبن كان للأول, فلما عاد بحدوث الحمل فالظاهر أن لبن الأول ثاب بسبب الحمل الثاني فكان مضافا إليهما, كما لو لم ينقطع واختار أبو الخطاب أنه من الثاني وهو القول الثاني للشافعي لأن لبن الأول انقطع فزال حكمه بانقطاعه وحدث بالحمل من الثاني, فكان له كما لو لم يكن لها لبن من الأول وقال أبو حنيفة: هو للأول ما لم تلد من الثاني وهو القول الثالث للشافعي لأن الحمل لا يقتضي اللبن, وإنما يخلقه الله تعالى للولد عند وجوده لحاجته إليه والكلام عليه قد سبق.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:10 AM
مسألة:
قال: [ولو تزوج كبيرة وصغيرة فلم يدخل بالكبيرة حتى أرضعت الصغيرة في الحولين, حرمت عليه الكبيرة وثبت نكاح الصغيرة وإن كان قد دخل بالكبيرة حرمتا عليه جميعا, ويرجع بنصف مهر الصغيرة على الكبيرة]
نص أحمد على هذا كله في هذه المسألة: فصول أربعة:
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:12 AM
الفصل الأول:
أنه متى تزوج كبيرة وصغيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة قبل دخوله بها فسد نكاح الكبيرة في الحال, وحرمت على التأبيد وبهذا قال الثوري والشافعي وأبو ثور, وأصحاب الرأي وقال الأوزاعي: نكاح الكبيرة ثابت وتنزع منه الصغيرة وليس بصحيح فإن الكبيرة صارت من أمهات النساء فتحرم أبدا لقول الله سبحانه: {وأمهات نسائكم} ولم يشترط دخوله بها, فأما الصغيرة ففيها روايتان إحداهما نكاحها ثابت لأنها ربيبة, ولم يدخل بأمها فلا تحرم لقول الله سبحانه: {فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} والرواية الثانية ينفسخ نكاحها وهو قول الشافعي, وأبي حنيفة لأنهما صارتا أما وبنتا واجتمعتا في نكاحه والجمع بينهما محرم, فانفسخ نكاحهما كما لو صارتا أختين وكما لو عقد عليهما بعد الرضاع عقدا واحدا ولنا, أنه أمكن إزالة الجمع بانفساخ نكاح الكبيرة وهي أولى به لأن نكاحها محرم على التأبيد فلم يبطل نكاحهما به, كما لو ابتدأ العقد على أخته وأجنبية ولأن الجمع طرأ على نكاح الأم والبنت فاختص الفسخ بنكاح الأم, كما لو أسلم وتحته امرأة وبنتها وفارق الأختين لأنه ليست إحداهما أولى بالفسخ من الأخرى وفارق ما لو ابتدأ العقد عليهما لأن الدوام أقوى من الابتداء.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:14 AM
الفصل الثاني:
أنه إن كان دخل بالكبيرة حرمتا جميعا على الأبد, وانفسخ نكاحهما لأن الكبيرة صارت من أمهات النساء والصغيرة ربيبة قد دخل بأمها فتحرم تحريما مؤبدا, وإن كان الرضاع بلبنه صارت الصغيرة بنتا محرمة عليه لوجهين لكونها بنته وربيبته التي دخل بأمها.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:15 AM
الفصل الثالث:
أن عليه نصف مهر الصغيرة لأن نكاحها انفسخ قبل دخوله بها من غير جهتها, والفسخ إذا جاء من أجنبي كان كطلاق الزوج في وجوب الصداق عليه ولا مهر للكبيرة إن لم يكن دخل بها لأن فسخ نكاحها بسبب من جهتها فسقط صداقها, كما لو ارتدت وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور, وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا وإن كان دخل بالكبيرة لم يسقط مهرها لأنه استقر بدخوله بها استقرارا لا يسقطه شيء ولذلك لا يسقط بردتها ولا بغيرها.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:15 AM
الفصل الرابع:
أنه يرجع على الكبيرة بما لزمه من صداق الصغيرة وبهذا قال الشافعي وحكى عن بعض أصحابه, أنه يرجع بجميع صداقها لأنها أتلفت البضع فوجب ضمانه وقال أصحاب الرأي: إن كانت المرضعة أرادت الفساد رجع عليها بنصف الصداق, وإلا فلا يرجع بشيء وقال مالك: لا يرجع بشيء ولنا أنه يرجع عليها بالنصف أنها قررته عليه وألزمته إياه, وأتلفت عليه ما في مقابلته فوجب عليها الضمان كما لو أتلفت عليه المبيع ولنا, على أبي حنيفة أن ما ضمن في العمد ضمن في الخطأ كالمال, ولأنها أفسدت نكاحه وقررت عليه نصف الصداق فلزمها ضمانه, كما لو قصدت الإفساد ولنا على أن الزوج إنما يرجع بالنصف أن الزوج لم يغرم إلا النصف, فلم يجب له أكثر مما غرم ولأنه بالفسخ يرجع إليه بدل النصف الآخر فلم يجب له بدل ما أخذ بدله مرة أخرى, ولأن خروج البضع من ملك الزوج لا قيمة له وإنما ضمنت المرضعة ها هنا لما ألزمت الزوج ما كان معرضا للسقوط بسبب يوجد من الزوجة فلم يرجع ها هنا بأكثر مما ألزمته.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:17 AM
فصل:
والواجب نصف المسمى, لا نصف مهر المثل لأنه إنما يرجع بما غرم والذي غرم نصف ما فرض لها فرجع به وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي: يرجع بنصف مهر المثل لأنه ضمان متلف, فكان الاعتبار بقيمته دون ما ملكه به كسائر الأعيان ولنا, أن خروج البضع من ملك الزوج لا قيمة له بدليل ما لو قتلت نفسها أو ارتدت, أو أرضعت من ينفسخ نكاحها بإرضاعه فإنها لا تغرم له شيئا وإنما الرجوع ها هنا بما غرم, فلا يرجع بغيره ولأنه لو رجع بقيمة المتلف لرجع بمهر المثل كله ولم يختص بنصفه لأن التلف لم يختص بالنصف, ولأن شهود الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا لزمهم نصف المسمى كذا ها هنا.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:18 AM
فصل:
وكل امرأة تحرم ابنتها إذا أرضعت زوجته الصغيرة أفسدت نكاحه, وحرمتها عليه ولزمها نصف الصداق فإن أرضعتها أمه, صارت أخته وإن أرضعتها جدته صارت عمته أو خالته, وإن أرضعتها بنته صارت بنت بنته وإن أرضعتها أخته, صارت بنت أخته وكل امرأة تحرم بنت زوجها عليه إذا أرضعتها بلبن زوجها حرمتها عليه, وعليها نصف مهرها كامرأة ابنه وامرأة أبيه, وامرأة أخيه وامرأة جده لأنها إن أرضعتها امرأة أبيه بلبنه صارت أخته, وإن أرضعتها امرأة ابنه صارت بنت ابنه وإن أرضعتها امرأة أخيه, صارت بنت أخيه وإن أرضعتها امرأة جده بلبنه صارت عمته أو خالته وإن أرضعتها امرأة أحد هؤلاء بلبن غيره, لم تحرم عليه لأنها صارت ربيبة زوجها وإن أرضعتها من لا تحرم بنتها كعمته وخالته لم تحرمها عليه ولو تزوج ابنة عمه, فأرضعت جدتهما أحدهما صغيرا انفسخ النكاح لأنها إن أرضعت الزوج صار عم زوجته وإن أرضعت الزوجة صارت عمة, وإن أرضعتهما جميعا صار كل واحد منهما عم الآخر وإن تزوج بنت عمته فأرضعت جدتهما أحدهما صغيرا انفسخ النكاح لأنها إن أرضعت الزوج صار خالا لها, وإن أرضعت الزوجة صارت عمته وإن تزوج ابنة خاله فأرضعت جدتهما الزوج صار عم زوجته وإن أرضعتها صارت خالته وإن تزوج ابنة خالته, فأرضعت جدتهما الزوج صار خال زوجته وإن أرضعتها صارت خالة زوجها.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:19 AM
فصل:
وإن تزوج كبيرة ثم طلقها, فأرضعت صغيرة بلبنه صارت بنتا له وإن أرضعتها بلبن غيره صارت ربيبة, فإن كان قد دخل بالكبيرة حرمت الصغيرة على التأبيد وإن كان لم يدخل بها لم تحرم لأنها ربيبة لم يدخل بأمها وإن تزوج صغيرة, ثم طلقها فأرضعتها امرأة حرمت المرضعة على التأبيد لأنها من أمهات نسائه وإن تزوج كبيرة وصغيرة, ثم طلق الصغيرة فأرضعتها الكبيرة حرمت الكبيرة, وانفسخ نكاحها فإن كان لم يدخل بها فلا مهر لها, وله نكاح الصغيرة وإن كان دخل بها فلها مهرها, وتحرم هي والصغيرة على التأبيد وإن طلق الكبيرة وحدها قبل الرضاع فأرضعت الصغيرة ولم يكن دخل بالكبيرة, ثبت نكاح الصغيرة وإن كان دخل بها حرمت الصغيرة, وانفسخ نكاحها ويرجع على الكبيرة بنصف صداقها وإن طلقهما جميعا فالحكم في التحريم على ما مضى ولو تزوج رجل كبيرة وآخر صغيرة, ثم طلقاهما ونكح كل واحد منهما زوجة الآخر ثم أرضعت الكبيرة الصغيرة, حرمت عليهما الكبيرة وانفسخ نكاحها وإن كان زوج الصغيرة دخل بالكبيرة, حرمت عليه وانفسخ نكاحها وإلا فلا.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:20 AM
فصل:
وإن أرضعت بنت الكبيرة الصغيرة, فالحكم في التحريم والفسخ حكم ما لو أرضعتها الكبيرة لأنها صارت جدتها والرجوع بالصداق على المرضعة التي أفسدت النكاح وإن أرضعتها أم الكبيرة انفسخ نكاحهما معا لأنهما صارتا أختين, فإن كان لم يدخل بالكبيرة فله أن ينكح من شاء منهما ويرجع على المرضعة بنصف صداقهما, وإن كان قد دخل بالكبيرة فله نكاحها لأن الصغيرة لا عدة عليها وليس له نكاح الصغيرة حتى تنقضي عدة الكبيرة لأنها قد صارت أختها, فلا ينكحها في عدتها وكذلك الحكم إن أرضعتها جدة الكبيرة لأنها تصير عمة الكبيرة أو خالتها والجمع بينهما محرم وكذلك الحكم إن أرضعتها أختها أو زوجة أخيها بلبنه لأنها صارت بنت أخت الكبيرة أو بنت أخيه وكذلك إن أرضعتها بنت أخيها أو بنت أختها ولا يحرم في شيء من هذا واحدة منهن على التأبيد لأنه تحريم جمع إلا إذا أرضعتها بنت الكبيرة وقد دخل بأمها.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:20 AM
فصل:
ومن أفسد نكاح امرأة بالرضاع قبل الدخول, غرم نصف صداقها وإن كان بعد الدخول فنص أحمد على أنه يرجع عليه بالمهر كله وهو مذهب الشافعي لأن المرأة تستحق المهر كله على زوجها, فيرجع بما لزمه كنصف المهر في غير المدخول بها والصحيح -إن شاء الله تعالى-, أنه لا يرجع على المرضعة بعد الدخول بشيء لأنها لم تقرر على الزوج شيئا ولم تلزمه إياه فلم يرجع عليها بشيء, كما لو أفسدت نكاح نفسها ولأنه لو ملك الرجوع بالصداق بعد الدخول لسقط إذا كانت المرأة هي المفسدة للنكاح, كالنصف قبل الدخول ولأن خروج البضع من ملك الزوج غير متقوم على ما ذكرناه فيما مضى ولذلك لا يجب مهر المثل, وإنما رجع الزوج بنصف المسمى قبل الدخول لأنها قررته عليه ولذلك يسقط إذا كانت هي المفسدة لنكاحها ولم يوجد ذلك ها هنا وهذا قول بعض أصحاب الشافعي ولأنه لو رجع بالمهر بعد الدخول, لم يخل إما أن يكون رجوعه ببدل البضع الذي فوتته أو بالمهر الذي أداه لا يجوز أن يكون ببدل البضع لأنه لو وجب بدله, لوجب له على الزوجة إذا فات بفعلها أو بقتلها ولكان الواجب له مهر مثلها ولا يجوز أن يجب له بدل ما أداه إليها لذلك ولأنها ما أوجبته, ولا لها أثر في إيجابه ولا أدائه ولا تقريره ولا نعلم بينهم خلافا في أنها إذا أفسدت نكاح نفسها بعد الدخول أنه لا يسقط مهرها ولا يرجع عليها بشيء إن كان أداه إليها, ولا في أنها إذا أفسدته قبل الدخول أنه يسقط صداقها وأنه يرجع عليها بما أعطاها فلو دبت صغيرة إلى كبيرة, فارتضعت منها خمس رضعات وهي نائمة وهما زوجتا رجل انفسخ نكاح الكبيرة, وحرمت على التأبيد فإن كان دخل بالكبيرة حرمت الصغيرة, وانفسخ نكاحها ولا مهر للصغيرة لأنها فسخت نكاح نفسها وعليه مهر الكبيرة, يرجع به على الصغيرة عند أصحابنا ولا يرجع به, على ما اخترناه وإن لم يكن دخل بالكبيرة فعليه نصف صداقها, يرجع به على مال الصغيرة لأنها فسخت نكاحها وإن ارتضعت الصغيرة منها رضعتين وهي نائمة ثم انتبهت الكبيرة, فأتمت لها ثلاث رضعات فقد حصل الفساد بفعلهما فيتقسط الواجب عليهما, وعليه مهر الكبيرة وثلاثة أعشار مهر الصغيرة يرجع به على الكبيرة, وإن لم يكن دخل بالكبيرة فعليه خمس مهرها يرجع به على الصغيرة وهل ينفسخ نكاح الصغيرة؟ على روايتين.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:21 AM
فصل:
وإن أفسد النكاح جماعة, تقسط المهر عليهم فلو جاء خمس فسقين زوجة صغيرة من لبن أم الزوج خمس مرات انفسخ نكاحها, ولزمهن نصف مهرها بينهن فإن سقتها واحدة شربتين وأخرى ثلاثا فعلى الأولى الخمس, وعلى الثانية خمس وعشر وإن سقتها واحدة شربتين وسقاها ثلاث ثلاث شربات فعلى الأولى الخمس, وعلى كل واحدة من الثلاث عشر وإن كان له ثلاث نسوة كبار وواحدة صغيرة فأرضعت كل واحدة من الثلاث الصغيرة أربع رضعات, ثم حلبن في إناء وسقينه الصغيرة حرم الكبار, وانفسخ نكاحهن فإن لم يكن دخل بهن فنكاح الصغيرة ثابت, على إحدى الروايتين وعليه لكل واحدة منهن ثلث صداقها ترجع به على ضرتيها لأن فساد نكاحها حصل بفعلها وفعلهما, فسقط ما قابل فعلها وهو سدس الصداق وبقي عليه الثلث, فرجع به على ضرتيها فإن كان صداقهن متساويا سقط, ولم يجب شيء لأنه يتقاص ما لها على الزوج بما يرجع به عليها إذ لا فائدة في أن يجب لها عليه ما يرجع به عليها, وإن كان مختلفا وهو من جنس واحد تقاصا منه بقدر أقلهما, ووجبت الفضلة به لصاحبها وإن كان من أجناس ثبت التراجع, على ما ذكرنا وإن كان قد دخل بإحدى الكبار حرمت الصغيرة أيضا وانفسخ نكاحها, ووجب لها نصف صداقها ترجع به عليهن أثلاثا وللتي دخل بها المهر كاملا, وفي الرجوع به ما أسلفناه من الخلاف وإن حلبن في إناء فسقته إحداهن الصغيرة خمس مرات كان صداق ضراتها يرجع به عليها, إن كان قبل الدخول بهن لأنها أفسدت نكاحهن ويسقط مهرها إن لم يكن دخل بها وإن كان دخل بها, فلها مهرها ولا ترجع به على أحد وإن كانت كل واحدة من الكبار أرضعت الصغيرة خمس رضعات حرم الثلاث, فإن كان لم يدخل بهن فلا مهر لهن عليه وإن كان دخل بهن, فعليه لكل واحدة مهرها لا يرجع به على أحد وتحرم الصغيرة, ويرجع بما لزمه من صداقها على المرضعة الأولى لأنها التي حرمتها عليه وفسخت نكاحها ولو أرضع الثلاث الصغيرة بلبن الزوج فأرضعتها كل واحدة رضعتين, صارت بنتا لزوجها في الصحيح وينفسخ نكاحها, ويرجع بنصف صداقها عليهن على المرضعتين الأوليين منه أربعة أخماسه وعلى الثالثة خمسه لأن رضعتها الأولى حصل بها التحريم, لكمال الخمس بها والثانية لا أثر لها في التحريم فلم يجب عليها بها شيء, ولا ينفسخ نكاح الأكابر لأنهن لم يصرن أمهات لها ولو كان لامرأته الكبيرة خمس بنات لهن لبن, فأرضعن امرأته الصغيرة رضاعا تصير به إحداهن أما لها لحرمت أمها وانفسخ نكاحها, وهل ينفسخ نكاح الصغيرة؟ على روايتين وإن أرضعت كل واحدة منهن الصغيرة رضعة فالصحيح أن الكبيرة لا تحرم بهذا لأن كونها جدة ينبني على كون ابنتها أما وما صارت واحدة من بناتها أما, ويحتمل أن تحرم لأنه قد كمل لها من بناتها خمس رضعات وكذلك الحكم لو أرضعتها بنتها رضعة وبنت ابنها رضعة وبنات بناتها ثلاث رضعات ولو كمل لها من زوجته بلبنه ومن أمه وأخته وابنته وابنة ابنه خمس رضعات, فعلى الوجهين أصحهما لا يثبت تحريمها وفي الآخر يثبت فعلى هذا الوجه, ينفسخ نكاحها ويرجع عليهن بما غرم من صداقها على قدر رضاعهن فإن قيل: فلم لا يرجع عليهن على عدد رءوسهن لكون الرضاع مفسدا, فيستوي قليله وكثيره كما لو طرح النجاسة جماعة في مائع في حالة واحدة؟ قلنا: لأن التحريم يتعلق بعدد الرضعات فكان الضمان متعلقا بالعدد, بخلاف النجاسة فإن التنجيس لا يتعلق بقدر فيستوي قليله وكثيره لكون القليل والكثير سواء في الإفساد, فنظير ذلك أن يشرب في الرضعة من إحداهما أكثر مما يشرب من الأخرى.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:22 AM
فصل:
إذا كانت له زوجة أمة فأرضعت امرأته الصغيرة فحرمتها عليه, وفسخت نكاحها كان ما لزمه من صداق الصغيرة له في رقبة الأمة لأن ذلك من جنايتها وإن أرضعتها أم ولده أفسدت نكاحها, وحرمتها عليه لأنها ربيبة دخل بأمها وتحرم أم الولد عليه أبدا لأنها من أمهات نسائه ولا غرامة عليها لأنها أفسدت على سيدها, فإن كان قد كاتبها رجع عليها لأن المكاتبة يلزمها أرش جنايتها وإن أرضعت أم ولده امرأة ابنه بلبنه فسخت نكاحها وحرمتها عليه لأنها صارت أخته وإن أرضعت زوجة أبيه بلبنه, حرمتها عليه لأنها صارت بنت ابنه ويرجع الأب على ابنه بأقل الأمرين مما غرمه لزوجته أو قيمتها لأن ذلك من جناية أم ولده وإن أرضعت واحدة منهما بغير لبن سيدها لم تحرمها لأن كل واحدة منهما صارت بنت أم ولده.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:23 AM
مسألة:
قال: [ولو تزوج بكبيرة وصغيرتين, فأرضعت الكبيرة الصغيرتين حرمت عليه الكبيرة وانفسخ نكاح الصغيرتين, ولا مهر عليه للكبيرة ويرجع عليها بنصف صداق الصغيرتين وله أن ينكح من شاء منهما]
أما تحريم الكبيرة فلأنها صارت من أمهات النساء, وأما انفساخ نكاح الصغيرتين فلأنهما صارتا أختين واجتمعتا في الزوجية, فينفسخ نكاحهما كما لو ارتضعتا معا ولا مهر للكبيرة لأن الفساد جاء من قبلها, ويرجع عليها بنصف صداق الصغيرتين لأنها أفسدت نكاحهما وله أن ينكح من شاء منهما لأن انفساخ نكاحهما للجمع ولا يوجب تحريما مؤبدا وهذا على الرواية التي قلنا: إنها إذا أرضعت الصغيرة, اختص الفسخ بالكبيرة فأما على الرواية التي تقول: ينفسخ نكاحهما معا فإنه يثبت نكاح الأخيرة من الصغيرتين لأن الكبيرة لما أرضعت الأولى انفسخ نكاحهما ثم أرضعت الأخرى, فلم تجتمع معهما في النكاح فلم ينفسخ نكاحها فأما إن كان دخل بالكبيرة حرمت, وحرمت الصغيرتان على التأبيد لأنهما ربيبتان قد دخل بأمهما.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:24 AM
فصل:
فإن أرضعت الصغيرتين أجنبية انفسخ نكاحهما أيضا وهذا قول أبي حنيفة والمزني وأحد قولي الشافعي, وقال في الآخر: ينفسخ نكاح الأخيرة وحدها لأن سبب البطلان حصل بها وهو الجمع فأشبه ما لو تزوج إحدى الأختين بعد الأخرى ولنا, أنه جامع بين الأختين في النكاح فانفسخ نكاحهما كما لو أرضعتهما معا, وفارق ما لو عقد على واحدة بعد الأخرى فإن عقد الثانية لم يصح فلم يصر به جامعا بينهما, وهاهنا حصل الجمع برضاع الثانية ولا يمكن القول بأنه لم يصح فحصلتا معا في نكاحه, وهما أختان لا محالة.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:24 AM
فصل:
وإن أرضعتهما بنت الكبيرة فالحكم في الفسخ كما لو أرضعتهن الكبيرة نفسها لأن الكبيرة تصير جدة لهما ولكن الرجوع يكون على المرضعة المفسدة لنكاحهن.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:25 AM
مسألة:
قال: [وإن كن الأصاغر ثلاثا, فأرضعتهن منفردات حرمت الكبيرة وانفسخ نكاح المرتضعتين أولا, وثبت نكاح آخرهن رضاعا فإن أرضعت إحداهن منفردة واثنتين بعد ذلك معا حرمت الكبيرة, وانفسخ نكاح الأصاغر وتزوج من شاء من الأصاغر وإن كان دخل بالكبيرة حرم الكل عليه على الأبد]
إنما حرمت الكبيرة لأنها صارت من أمهات النساء, وانفسخ نكاح المرضعتين أولا لأنهما صارتا أختين في نكاحه وثبت نكاح الأخيرة لأن رضاعها بعد انفساخ نكاح الصغيرتين اللتين قبلها فلم يصادف إخوتها جمعا في النكاح وإن أرضعت إحداهن منفردة, واثنتين بعد ذلك معا بأن تلقم كل واحدة منهما ثديا فيمتصان معا, أو تحلب من لبنها في إناء فتسقيهما انفسخ نكاح الجميع لأنهن صرن أخوات في نكاحه وله أن يتزوج من شاء من الأصاغر لأن تحريمهن تحريم جمع, لا تحريم تأبيد فإنهن ربائب لم يدخل بأمهن وإن دخل بالكبيرة حرم الكل على الأبد لأنهن ربائب مدخول بأمهن هذا على الرواية الأولى وعلى الأخرى, لما أرضعت الأولى انفسخ نكاحها ونكاح الكبيرة لأنها صارت أمها واجتمعتا في نكاحه, ثم أرضعت الثانية فلم ينفسخ نكاحها لأنها منفردة بالرضاع في النكاح, فلما أرضعت الثالثة صارتا أختين فانفسخ نكاحهما.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:26 AM
فصل:
فإن أرضعتهن بنت الكبيرة, فهو كما لو أرضعتهن أمها وإن كان لها ثلاث بنات فأرضعت كل واحدة منهن زوجة من الأصاغر حرمت الكبيرة بإرضاع أولاهن, ويرجع على مرضعتها بما لزمه من مهرها لأنها أفسدت نكاحها ولا ينفسخ نكاح الأصاغر لأنهن لم يصرن أخوات وإنما هن بنات خالات وعلى الرواية الأخرى, ينفسخ نكاح المرضعة الأولى لاجتماعها مع جدتها في النكاح ويثبت نكاح الأخيرتين ويرجع بما لزمه من مهر التي فسد نكاحها على التي أرضعتها وإن كان دخل بالكبيرة, حرم الكل عليه على الأبد ورجع على كل واحدة بما لزمه من مهر التي أرضعتها وإن قلنا: إنه يرجع بمهر الكبيرة رجع به على المرضعة الأولى لأنها التي أفسدت نكاحها.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:27 AM
مسألة:
قال: [وإذا شهدت امرأة واحدة على الرضاع حرم النكاح إذا كانت مرضية وقد روي عن أبي عبد الله, -رحمه الله- رواية أخرى: إن كانت مرضية استحلفت فإن كانت كاذبة, لم يحل الحول حتى تبيض ثدياها وذهب في ذلك إلى قول ابن عباس رضي الله عنه]
وجملة ذلك أن شهادة المرأة الواحدة مقبولة في الرضاع إذا كانت مرضية وبهذا قال طاوس, والزهري والأوزاعي وابن أبي ذئب, وسعيد بن عبد العزيز وعن أحمد رواية أخرى: لا يقبل إلا شهادة امرأتين وهو قول الحكم لأن الرجال أكمل من النساء ولا يقبل إلا شهادة رجلين فالنساء أولى وعن أحمد, رواية ثالثة أن شهادة المرأة الواحدة مقبولة وتستحلف مع شهادتها وهو قول ابن عباس, وإسحاق لأن ابن عباس قال في امرأة زعمت أنها أرضعت رجلا وأهله فقال: إن كانت مرضية, استحلفت وفارق امرأته وقال: إن كانت كاذبة لم يحل الحول حتى يبيض ثدياها يعني يصيبها فيها برص, عقوبة على كذبها وهذا لا يقتضيه قياس ولا يهتدي إليه رأى فالظاهر أنه لا يقوله إلا توقيفا وقال عطاء, وقتادة والشافعي: لا يقبل من النساء أقل من أربع لأن كل امرأتين كرجل وقال أصحاب الرأي: لا يقبل فيه إلا رجلان أو رجل وامرأتان وروي ذلك عن عمر لقول الله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} ولنا, ما روى عقبة بن الحارث قال: (تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء, فقالت: قد أرضعتكما فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكرت ذلك له فقال: وكيف, وقد زعمت ذلك) متفق عليه وفي لفظ رواه النسائي قال: (فأتيته من قبل وجهه, فقلت: إنها كاذبة قال: كيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما خل سبيلها) وهذا يدل على الاكتفاء بالمرأة الواحدة وقال الزهري: فرق بين أهل أبيات في زمن عثمان رضي الله عنه بشهادة امرأة في الرضاع وقال الأوزاعي: فرق عثمان بين أربعة وبين نسائهم, بشهادة امرأة في الرضاع وقال الشعبي: كانت القضاة يفرقون بين الرجل والمرأة بشهادة امرأة واحدة في الرضاع ولأن هذا شهادة على عورة فيقبل فيه شهادة النساء المنفردات, كالولادة وعلل الشافعي بأنه معنى يقبل فيه قول النساء المنفردات فيقبل فيه شهادة المرأة المنفردة, كالخبر.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:28 AM
فصل:
ويقبل فيه شهادة المرضعة على فعل نفسها لما ذكرنا من حديث عقبة من أن الأمة السوداء قالت: قد أرضعتكما فقبل النبي -صلى الله عليه وسلم- شهادتها ولأنه فعل لا يحصل لها به نفع مقصود ولا تدفع عنها به ضررا, فقبلت شهادتها به كفعل غيرها فإن قيل: فإنها تستبيح الخلوة به والسفر معه, وتصير محرما له قلنا: ليس هذا من الأمور المقصودة التي ترد بها الشهادة ألا ترى أن رجلين لو شهدا أن فلانا طلق زوجته, وأعتق أمته قبلت شهادتهما وإن كان يحل لهما نكاحهما بذلك.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:29 AM
فصل:
ولا تقبل الشهادة على الرضاع إلا مفسرة, فلو قالت: أشهد أن هذا ابن هذه من الرضاع لا تقبل لأن الرضاع المحرم يختلف الناس فيه منهم من يحرم بالقليل, ومنهم من يحرم بعد الحولين فلزم الشاهد تبيين كيفيته ليحكم الحاكم فيه باجتهاده, فيحتاج الشاهد أن يشهد أن هذا ارتضع من ثدي هذه خمس رضعات متفرقات خلص اللبن فيهن إلى جوفه في الحولين فإن قيل: خلوص اللبن إلى جوفه لا طريق لهم إلى مشاهدته, فكيف تجوز الشهادة؟ قلنا: إذا علم أن هذه المرأة ذات لبن ورأى الصبي قد التقم ثديها وحرك فمه في الامتصاص, وحلقه في الاجتراع حصل ظن يقرب إلى اليقين أن اللبن قد وصل إلى جوفه وما يتعذر الوقوف عليه بالمشاهدة, اكتفى فيه بالظاهر كالشهادة بالملك وثبوت الدين في الذمة, والشهادة على النسب بالاستفاضة ولو قال الشاهد: أدخل رأسه تحت ثيابها والتقم ثديها لا يقبل لأنه قد يدخل رأسه ولا يأخذ الثدي وقد يأخذ الثدي ولا يمص, فلا بد من ذكر ما يدل عليه وإن قال: أشهد أن هذه أرضعت هذا فالظاهر أنه يكتفى به في ثبوت أصل الرضاع لأن المرأة التي قالت: قد أرضعتكما اكتفى بقولها.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:30 AM
مسألة:
قال: [وإذا تزوج امرأة ثم قال قبل الدخول: هي أختي من الرضاعة انفسخ النكاح فإن صدقته المرأة, فلا مهر لها وإن أكذبته فلها نصف المهر]
وجملته أن الزوج إذا أقر أن زوجته أخته من الرضاعة, انفسخ نكاحه ويفرق بينهما وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: إذا قال: وهمت أو أخطأت قبل قوله لأن قوله ذلك يتضمن أنه لم يكن بينهما نكاح, ولو جحد النكاح ثم أقر به قبل, كذلك ها هنا ولنا أنه أقر بما يتضمن تحريمها عليه فلم يقبل رجوعه عنه, كما لو أقر بالطلاق ثم رجع أو أقر أن أمته أخته من النسب وما قاسوا عليه غير مسلم, وهذا الكلام في الحكم فأما فيما بينه وبين ربه فينبني ذلك على علمه بصدقه, فإن علم أن الأمر كما قال فهي محرمة عليه ولا نكاح بينهما, وإن علم كذب نفسه فالنكاح باق بحاله وقوله كذب لا يحرمها عليه لأن المحرم حقيقة الرضاع لا القول وإن شك في ذلك, لم تزل عن اليقين بالشك وقيل في حلها له إذا علم كذب نفسه روايتان والصحيح ما قلناه لأن قوله ذلك إذا كان كذبا لم يثبت التحريم كما لو قال لها وهي أكبر منه: هي ابنتي من الرضاعة إذا ثبت هذا, فإنه إن كان قبل الدخول وصدقته المرأة فلا شيء لها لأنهما اتفقا على أن النكاح فاسد من أصله, لا يستحق فيه مهر فأشبه ما لو ثبت ذلك ببينة وإن أكذبته, فالقول قولها لأن قوله غير مقبول عليها في إسقاط حقوقها فلزمه إقراره فيما هو حق له وهو تحريمها عليه, وفسخ نكاحه ولم يقبل قوله فيما عليه من المهر.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:31 AM
فصل:
فإن قال: هي عمتي أو خالتي أو ابنة أخي أو أختي أو أمي من الرضاع وأمكن صدقه, فالحكم فيه كما لو قال: هي أختي وإن لم يمكن صدقه مثل أن يقول لأصغر منه أو لمثله: هذه أمي أو لأكبر منه أو لمثله: هذه ابنتي لم تحرم عليه وبهذا قال الشافعي وقال أبو يوسف ومحمد: تحرم عليه لأنه أقر بما يحرمها عليه فوجب أن يقبل, كما لو أمكن ولنا أنه أقر بما تحقق كذبه فيه فأشبه ما لو قال: أرضعتني وإياها حواء أو كما لو قال: هذه حواء وما ذكروه منتقض بهذه الصور, ويفارق ما إذا أمكن فإنه لا يتحقق كذبه والحكم في الإقرار بقرابة من النسب تحرمها عليه, كالحكم في الإقرار بالرضاع لأنه في معناه.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:31 AM
فصل:
إذا ادعى أن زوجته أخته من الرضاع فأنكرته فشهدت بذلك أمه أو ابنته, لم تقبل شهادتهما لأن شهادة الوالدة لولدها والوالد لولده غير مقبولة وإن شهدت بذلك أمها أو ابنتها قبلت وعنه لا يقبل بناء على شهادة الوالد على ولده والولد على والده وفي ذلك روايتان وإن ادعت ذلك المرأة, وأنكره الزوج فشهدت لها أمها أو ابنتها لم تقبل, وإن شهدت لها أم الزوج أو ابنته فعلى روايتين.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:32 AM
مسألة:
قال: [وإن كانت المرأة هي التي قالت: هو أخي من الرضاعة فأكذبها ولم تأت بالبينة على ما وصفت, فهي زوجته في الحكم]
وجملته أن المرأة إذا أقرت أن زوجها أخوها من الرضاعة فأكذبها لم يقبل قولها في فسخ النكاح لأنه حق عليها فإن كان قبل الدخول, فلا مهر لها لأنها تقر بأنها لا تستحقه فإن كانت قد قبضته لم يكن للزوج أخذه منها لأنه يقر بأنه حق لها, وإن كان بعد الدخول فأقرت أنها كانت عالمة بأنها أخته وبتحريمها عليه ومطاوعة له في الوطء, فلا مهر لها أيضا لإقرارها بأنها زانية مطاوعة وإن أنكرت شيئا من ذلك, فلها المهر لأنه وطء بشبهة وهي زوجته في ظاهر الحكم لأن قولها عليه غير مقبول فأما فيما بينها وبين الله تعالى, فإن علمت صحة ما أقرت به لم يحل لها مساكنته وتمكينه من وطئها وعليها أن تفر منه, وتفتدي نفسها بما أمكنها لأن وطأه لها زنى فعليها التخلص منه مهما أمكنها كما قلنا في التي علمت أن زوجها طلقها ثلاثا, وجحدها ذلك وينبغي أن يكون الواجب لها من المهر بعد الدخول أقل الأمرين من المسمى أو مهر المثل لأنه إن كان المسمى أقل فلا يقبل قولها في وجوب زائد عليه وإن كان الأقل مهر المثل, لم تستحق أكثر منه لاعترافها بأن استحقاقها له بوطئها لا بالعقد فلا تستحق أكثر منه وإن كان إقرارها بأخوته قبل النكاح لم يجز لها نكاحه ولا يقبل رجوعها عن إقرارها, في ظاهر الحكم لأن إقرارها لم يصادف زوجية عليها يبطلها فقبل إقرارها على نفسها بتحريمه عليها وكذلك لو أقر الرجل أن هذه أخته من الرضاع أو محرمة عليه برضاع أو غيره, وأمكن صدقه لم يحل له تزوجها فيما بعد ذلك في ظاهر الحكم, وأما فيما بينه وبين الله تعالى فينبنى على علمه بحقيقة الحال على ما ذكرناه.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:33 AM
فصل:
وإن ادعى أحد الزوجين على الآخر, أنه أقر أنه أخو صاحبه من الرضاع فأنكر لم يقبل في ذلك شهادة النساء المنفردات لأنها شهادة على الإقرار, والإقرار مما يطلع عليه الرجال فلم يحتج فيه إلى شهادة النساء المنفردات فلم يقبل ذلك, بخلاف الرضاع نفسه.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:34 AM
فصل:
كره أبو عبد الله الارتضاع بلبن الفجور والمشركات وقال عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما: اللبن يشتبه فلا تستق من يهودية ولا نصرانية ولا زانية ولا يقبل أهل الذمة المسلمة, ولا يرى شعورهن ولأن لبن الفاجرة ربما أفضى إلى شبه المرضعة في الفجور ويجعلها أما لولده فيعتبر بها, ويتضرر طبعا وتعيرا والارتضاع من المشركة يجعلها أما لها حرمة الأم مع شركها, وربما مال إليها في محبة دينها ويكره الارتضاع بلبن الحمقاء كيلا يشبهها الولد في الحمق فإنه يقال: إن الرضاع يغير الطباع والله تعالى أعلم.
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:35 AM
الأم_أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي
باب في الرضاع
قال الشافعي أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عروة بن ال***ر أن رسول الله أمر سهلة ابنة سهيل أن ترضع سالما خمس رضعات فيحرم بهن قال الشافعي أخبرنا مالك عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة أنها قالت كان فيما أنزل الله في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفى رسول الله وهن مما يقرأ من القرآن قال الشافعي أخبرنا مالك عن نافع أن سالم بن عبدالله أخبره أن عائشة زوج النبي أرسلت به وهو يرضع إلى أختها أم كلثوم فأرضعته ثلاث رضعات ثم مرضت فلم ترضعه غير ثلاث رضعات فلم يكن يدخل على عائشة من أجل أن أم كلثوم لم تكمل له عشر رضعات قال الشافعي رحمه الله تعالى أخبرنا مالك عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد أنها أخبرته أن حفصة أم المؤمنين أرسلت بعاصم بن عبدالله بن سعد إلى أختها فاطمة بنت عمر ترضعه عشر رضعات ليدخل عليها وهو صغير يرضع ففعلت فكان يدخل عليها قال الشافعي فرويتم عن عائشة أن الله أنزل كتابا أن يحرم من الرضاع بعشر رضعات ثم نسخن بخمس رضعات وأن النبي توفى وهي مما يقرأ من القرآن وروى عن النبي أنه أمر بأن يرضع سالم خمس رضعات يحرم بهن ورويتم عن عائشة وحفصة أمي المؤمنين مثل ما روت عائشة وخالفتموه ورويتم عن ابن المسيب أن المصة الواحدة تحرم فتركتم رواية عائشة ورأيها ورأي حفصة بقول ابن المسيب وأنتم تتركون على سعيد بن المسيب رأيه برأي أنفسكم مع أنه روي عن النبي مثل ما روت عائشة وابن ال***ر ووافق ذلك رأي أبي هريرة وهكذا ينبغي لكم أن يكون عندكم العمل قال الشافعي أخبرنا أنس بن عياض عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبدالله ابن ال***ر أن النبي قال لا تحرم المصة ولا المصتان فقلت للشافعي أسمع ابن ال***ر من النبي فقال نعم وحفظه عنه وكان يوم توفى النبي ابن تسع سنين
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:36 AM
ما يحرم من النساء بالقرابة
أخبرنا الربيع بن سليمان قال قال الشافعي رحمه الله تعالى قال الله تبارك وتعالى حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم الآية قال الشافعي وإذا حرم من الرضاع ما حرم من النسب لم يحل له أن ينكح من بنات الأم التي أرضعته وإن سفلن وبنات بنيها وبناتها وكل من ولدته من قبل ولد ذكر أو أنثى امرأة وكذلك أمهاتها وكل من ولدها لأنهن بمنزلة أمهاته وأخواته وكذلك أخواتها لأنهن خالاته وكذلك عماتها وخالاتها لأنهن عمات أمه وخالات أمه وكذلك ولد الرجل الذي أرضعته لبنه وأمهاته وأخواته وخالاته وعماته وكذلك من أرضعته بلن الرجل الذي أرضعته من الأم التي أرضعته أو غيرها وكذلك من أرضع بلبن ولد المرأة التي أرضعته من أبيه الذي أرضعه بلبنه أو زوج غيره قال الشافعي وإذا أرضعت المرأة مولودا فلا بأس أن يتزوج المرأة المرضع أبوه ويتزوج ابنتها وأمها لأنها لم ترضعه هو وكذلك إن لم يتزوجها الأب فلا بأس أن يتزوجها أخو المرضع الذي لم ترضعه هو لأنه ليس ابنها وكذلك يتزوج ولدها ولا بأس أن يتزوج الغلام المرضع ابنة عمه وابنة خاله من الرضاع كما لا يكون بذلك بأس من النسب ولا يجمع الرجل بين الأختين من الرضاعة بنكاح ولا وطء ملك وكذلك المرأة وعمتها من الرضاعة يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب وذوات المحرم من الرضاعة مما يحرم من نكاحهن ويسافر بهن كذوات المحرم من النسب وسواء رضاعة الحرة والأمة والذمية كلهن أمهات وكلهن يحرمن كما تحرم الحرة لا فرق بينهن وسواء وطئت الأمة بملك أو نكاح كل ذلك يحرم ولا بأس أن يتزوج الرجل المرأة وامرأة أبيها من الرضاع والنسب قال الشافعي ولو شرب غلام وجارية لبن بهيمة من شاة أو بقرة أو ناقة لم يكن هذا رضاعا إنما هذا كالطعام والشراب ولا يكون محرما بين من شربه إنما يحرم لبن الآدميات لا البهائم وقال الله تعالى وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وقال في الرضاعة فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وقال عز ذكره والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أ يتم الرضاعة قال الشافعي فأخبر الله عز وجل أن كمال الرضاع حولان وجعل على الرجل يرضع له ابنه أجر المرضع والأجر على الرضاع لا يكون إلا على ماله مدة معلومة قال الشافعي والرضاع اسم جامع يقع على المصة وأكثر منها إلى كمال رضاع الحولين ويقع على كل رضاع وإن كان بعد الحولين قال الشافعي فلما كان هكذا وجب على أهل العلم طلب الدلالة هي يحرم الرضاع بأقل ما يقع عليه اسم الرضاع أو معنى من الرضاع دون غيره قال الشافعي أخبرنا مالك عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت كان فيما أنزل الله تعالى في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفى النبي وهن مما يقرأ من القرآن أخبرنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة أنها كانت تقول نزل القرآن بعشر رضعات معلومات يحرمن ثم صيرن إلى خمس يحرمن فكان لا يدخل على عائشة إلا من استكمل خمس رضعات أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن الحجاج بن الحجاج أظنه عن أبي هريرة قال لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبدالله ابن ال***ر أن النبي قال لا تحرم المصة والمصتان ولا الرضعة والرضعتان أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عروة أن النبي أمر امرأة أبي حذيفة أن ترضع سالما خمس رضعات تحرم بلبنها ففعلت فكانت تراه ابنا أخبرنا مالك عن نافع أن سالم بن عبدالله أخبره أن عائشة أرسلت به وهو يرضع إلى أختها أم كلثوم فأرضعته ثلاث رضعات ثم مرضت فلم ترضعه غير ثلاث رضعات فلم أكن أدخل على عائشة من أجل أني لم يتم لي عشر رضعات قال الشافعي أمرت به عائشة أن يرضع عشرا لأنها أكثر الرضاع ولم يتم له خمس فلم يدخل عليها ولعل سالما أن يكون ذهب عليه قول عائشة في العشر الرضعات فنسخن بخمس معلومات فحدث عنها بما علم من أنه أرضع ثلاثا فلم يكن يدخل عليها وعلم أن ما أمرت أن يرضع عشرا فرأي أنه إنما يحل الدخول عليها عشر وإنما أخذنا بخمس رضعات عن النبي بحكاية عائشة أنه يحرمن وأنهن من القرآن قال الشافعي ولا يحرم من الرضاع إلا خمس رضعات متفرقات وذلك أن يرضع المولود ثم يقطع الرضاع ثم يرضع ثم يقطع الرضاع فإذا رضع في واحدة منهن ما يعلم أنه قد وصل إلى جوفه ما قل منه وكثر فهي رضعة وإذا قطع الرضاع ثم عاد لمثلها أو أكثر فهي رضعة قال الشافعي وإن التقم المرضع الثدي ثم لها بشيء قليلا ثم عاد كانت رضعة واحدة ولا يكون القطع إلا ما انفصل انفصالا بينا كما يكون الحالف لا يأكل بالنهار إلا مرة فيكون يأكل ويتنفس بعد الازدراد إلى أن يأكل فيكون ذلك مرة وإن طال قال الشافعي ولو قطع ذلك قطعا بينا بعد قليل أو كثير من الطعام ثم أكل كان حانثا وكان هذا أكلتين قال الشافعي ولو أخذ ثديها الواحد فأنفد ما فيه ثم تحول إلى الآخر مكانه فأنفذ ما فيه كانت هذه رضعة واحدة لأن الرضاع قد يكون بقية النفس والإرسال والعودة كما يكون الطعام والشراب بقية النفس وهو طعام واحد ولا ينظر في هذا إلى قليل رضاعه ولا كثيره إذا وصل إلى جوفه منه شيء فهو رضعة وما لم يتم خمسا لم يحرم بهن قال الشافعي والوجور كالرضاع وكذلك السعوط لأن الرأس جوف قال الشافعي فإن قال قائل فلم لم تحرم برضعة واحدة وقد قال بعض من مضى أنها تحرم قيل بما حكينا أن عائشة تحكي أن الكتاب يحرم عشر رضعات ثم نسخن بخمس وبما حكينا أن النبي قال لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان وأمر رسول الله أن يرضع سالم خمس رضعات يحرم بهن فدل ما حكت عائشة في الكتاب وما قال رسول الله أن الرضاع لا يحرم به على أقل اسم الرضاع ولم يكن في أحد مع النبي حجة وقد قال بعض من مضى بما حكت عائشة في الكتاب ثم في السنة والكفاية فيما حكت عائشة في الكتاب ثم في السنة فإن قال قائل فما يشبه هذا قيل قول الله عز وجل والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما فسن النبي القطع في ربع دينار وفي السرقة من الحرز وقال تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة فرجم النبي الزانيين الثيبين ولم يجلدهما فاستدللنا بسنة رسول الله على أن المراد بالقطع من السارقين والمائة من الزناة بعض الزناة دون بعض وبعض السارقين دون بعض لا من لزمه اسم سرقة وزنا فهكذا استدللنا بسنة رسول الله أن المراد بتحريم الرضاع بعض المرضعين دون بعض لا من لزمه اسم رضاع قال الشافعي والأمهات أم الرجل الوالدة وأمهاتها وأمهات آبائه وإن بعدت الجدات لأنهن يلزمهن اسم الأمهات والبنات بنات الرجل لصلبه وبنات بنيه وبناتهن وإن سفلن فكلهن يلزمهن اسم البنات كما لزم الجدات اسم الأمهات وإن علون وتباعدن منه وكذلك ولد الولد وإن سفلوا والأخوات من ولد أبيه لصلبه أو أمه نفسها وعماته من ولد جده الأدنى أو الأقصى ومن فوقهما من أجداده وخالاته من ولدته أم أمه وأمها ومن فوقهما من جداته من قبلها وبنات الأخ كل ما ولد الأخ لأبيه أو لأمه أو لهما من ولد ولدته والدته فكلهم بنو أخيه وإن تسفلوا وهكذا بنات الأخت قال الشافعي وحرم الله تعالى الأخت من الرضاعة فاحتمل تحريمها معنيين أحدهما إذ ذكر الله تحريم الأم والأخت من الرضاعة فأقامهما في التحريم مقام الأم والأخت من النسب أن تكون الرضاعة كلها تقوم مقام النسب فما حرم بالنسب حرم بالرضاع مثله وبهذا نقول بدلالة سنة رسول الله والقياس على القرآن والآخر أن يحرم من الرضاع الأم والأخت ولا يحرم سواهما قال الشافعي فإن قال قائل فأين دلالة السنة بأن الرضاعة تقوم مقام النسب قيل له إن شاء الله تعالى أخبرنا مالك بن أنس عن عبدالله بن دينار عن سليمان بن يسار عن عروة بن ال***ر عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله قال يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة أخبرنا مالك عن عبدالله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبدالرحمن أن عائشة زوج النبي أخبرتها أن النبي كان عندها وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة فقالت عائشة فقلت يا رسول الله هذا رجل يستأذن في بيتك فقال رسول الله أراه فلانا لعم حفصه من الرضاعة فقلت يا رسول الله لو كان فلان حيا لعمها من الرضاعة فقلت يا رسول الله لو كان فلانا حيا لعمها من الرضاعة أيدخل علي فقال رسول الله نعم إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة أخبرنا ابن عيينة قال سمعت ابن جدعان قال سمعت ابن المسيب يحدث عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله هل لك في ابنة عمك بنت حمزة فإنها أجمل فتاة في قريش فقال أما علمت أن حمزة أخي من الرضاعة وأن الله تعالى حرم من الرضاعة ما حرم من النسب أخبر الدراوردي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي في ابنة حمزة مثل حديث سفيان في بنت حمزة قال الشافعيوفي نفس السنة أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة وأن لبن الفحل يحرم كما يحرم ولادة الأب يحرم لبن الأب لا اختلاف في ذلك أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عمرو بن الشريد أن ابن عباس سئل عن رجل كانت له امرأتان فأرضعت إحداهما غلاما وأرضعت الأخرى جارية فقيل له هل يتزوج الغلام الجارية فقال لا اللقاح واحد أخبرنا سعيد بن سالم قال أخبرنا ابن جريج أنه سأل عطاء عن لبن الفحل أيحرم فقال نعم فقلت له أبلغك من ثبت فقال نعم قال ابن جريج قال عطاء وأخواتكم من الرضاعة فهي أختك من أبيك أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن عمرو بن دينار أخبره أنه سمع أبا الشعثاء يرى لبن الفحل يحرم وقال ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه أنه قال لبن الفحل يحرم قال الشافعي وإذا تزوج الرجل المرأة فماتت أو طلقها قبل أن يدخل بها لم أر له أن ينكح أمها لأن الأم مبهمة التحريم في كتاب الله عز وجل ليس فيها شرط إنما الشرط في الربائب قال الشافعي وهذا قول الأكثر من المفتين وقول بعض أصحاب النبي أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد قال سئل زيد بن ثابت عن رجل تزوج امرأة ففارقها قبل أن يصيبها هل تحل له أمها فقال زيد بن ثابت لا الأم مبهمة ليس فيها شرط إنما الشرط في الربائب قال الشافعي وهكذا أمهاتها وإن بعدن وجداتها لأنهن من أمهات نسائه قال الشافعي وإذا تزوج الرجل المرأة فلم يدخل بها حتى ماتت أو طلقها فكل بنت لها وإن سفلن حلال لقول الله عز وجل وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم فلو نكح امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها ثم نكح ابنتها حرمت عليه أم امرأته وإن لم يدخل بامرأته لأنها صارت من أمهات نسائه وقد كانت قبل من نسائه غير أنه لم يدخل بها ولو كان دخل بالأم لم تحل له البنت ولا أحد ممن ولدته البنت أبدا لأنهن ربائبه من امرأته التي دخل بها قال الله عز وجل وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم فأي امرأة نكحها رجل حرمت على أبيه دخل بها الابن أو لم يدخل وكذلك تحرم على جميع آبائه من قبل أبيه وأمه لأن الأبوة تجمعهم معا وكذلك كل من نكح ولد ولده من قبل النساء والرجال وإن سفلوا لأن الأبوة تجمعهم معا قال الله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف فأي امرأة نكحها رجل حرمت على ولده دخل بها الأب أو لم يدخل بها وكذلك ولد ولده من قبل الرجال والنساء وإن سفلوا لأن الأبوه تجمعهم معا قال الشافعي وكل امرأة أب أو ابن حرمتها على ابنه أو أبيه بنسب فكذلك أحرمها إذا كانت امرأة أب أو أبن من الرضاع فإن قال قائل إنما قال الله تبارك وتعالى وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم فكيف حرمت حليلة الابن من الرضاعة قيل بما وصفت من جمع الله بين الأم والأخت من الرضاعة والأم والأخت من النسب في التحريم ثم بأن النبي قال يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب فإن قال فهل تعلم فيم أنزلت وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم قيل الله تعالى أعلم فيم أنزلها فأما معنى ما سمعت متفرقا فجمعته فإن رسول الله أراد نكاح ابنة جحش فكانت عند زيد بن حارية فكان النبي تبناه فأمر الله تعالى ذكره أن يدعى الأدعياء لآبائهم فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين وقال وما جعل أدعيائكم أبناءكم إلى قوله ومواليكم وقال لنبيه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلايكون على المؤمنين حرج الآية قال الشافعي فأشبه والله تعالى أعلم أن يكون قوله وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم دون أدعيائكم الذين تسمونهم أبناءكم ولا يكون الرضاع من هذا في شيء وحرمنا من الرضاع بما حرم الله قياسا عليه وبما قال رسول الله أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة قال الشافعي في قول الله عز وجل ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف وفي قوله وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف كان أكبر ولد الرجل يخلف على امرأة أبيه وكان الرجل يجمع بين الأختين فنهى الله عز وجل عن أن يكون منهم أحد يجمع في عمره بين أختين أؤ ينكح ما نكج أبوه إلا ما قد سلف في الجاهلية قبل علمهم بتحريمه ليس أنه أقر في أيديهم ما كانوا قد جمعوا بينه قبل الإسلام كما أقرهم النبي على نكاح الجاهلية الذي لا يحل في الإسلام بحال قال الشافعي وما حرمنا على الآباء من نساء الأبناء وعلى الأبناء من نساء الآباء وعلى الرجل من أمهات نسائه وبنات نسائه اللاتي دخل بهن بالنكاح فأصيب فأما بالزنا فلا حكم للزنا يحرم حلالا فلو زنى رجل بامرأة لم تحرم عليه ولا على ابنه ولا على أبيه وكذلك لو زنى بأم امرأته أو بنت امرأته لم تحرم عليه امرأته وكذلك لو كانت تحته امرأة فزنى بأختها لم يجتنب امرأته ولم يكن جامعا بين الأختين وإن كانت الإصابة بنكاح فاسد احتمل أن يحرم من قبل أنه يثبت فيه النسب ويؤخذ فيه المهر ويدرأ فيه الحد وتكون فيه العدة وهذا حكم الحلال وأحب إلى أن يحرم به من غير أن يكون واضحا فلو نكح رجل امرأة نكاحا فاسدا فأصابها لم يحل له عندي أن ينكح أمها ولا ابنتها ولا ينكحها أبوه ولا ابنه وإن لم يصب الناكح نكاحا فاسدا لم يحرم عليه النكاح الفاسد بلا إصابة فيه شيئا من قبل أن حكمه لا يكون فيه صداق ولا يلحق فيه نكاحا فاسدا لم يحرم عليه النكاح الفاسد بلا إصابة فيه شيئا من قبل أن حكمه لا يكون فيه صداق ولا يلحق فيه طلاق ولا شيء مما بين الزوجين قال الشافعي وقد قال غيرنا لا يحرم النكاح الفاسد وإن كان فيه الإصابة كما لا يحرم الزنا لأنها ليست من الأزواج ألا ترى أن الطلاق لا يلحقها ولا ما بين الزوجين وقد قال غيرنا وغيره كل ما حرمه الحلال فالحرام أشد له تحريما قال الشافعي وقد وصفنا في كتاب الاختلاف ذكر هذا وغيره وجماعه أن الله عز وجل إنما أثبت الحرمة بالنسب والصهر وجعل ذلك نعمة من نعمه على خلقه فمن حرم من النساء على الرجال فيحرمه الرجال عليهن ولهن على الرجال من الصهر كحرمة النسب وذلك أنه رضي النكاح وأمر به وندب إليه فلا يجوز أن تكون الحرمة التي أنعم الله تعالى بها على أن من أتى شيئا دعاه الله تعالى إليه كالزاني العاصي لله الذي حده الله وأوجب له النار إلا أن يعفو عنه وذلك أن التحريم بالنكاح إنما هو نعمة لا نقمة فالنعمة التي تثبت بالحلال لا تثبت بالحرام الذي جعل الله فيه النقمة عاجلا وآجلا وهكذا لو زنى رجل بأخت امرأته لم يكن هذا جمعا بينهما ولم يحرم عليه أن ينكح أختها التي زنى بها مكانها
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:39 AM
المجموع - محيى الدين النووي ج 15
(فرع) مذهب الشافعي رضى الله عنه على أنه يجوز استئجار الام لارضاع ولدها. وقال أبو حنيفة: لا يجوز ما دامت في النكاح أو العدة اه. ولا يجوز استئجار امرأة حرة منكوحة لرضاع أو غيره مما يؤدى إلى خلوة محرمة إلا بإذن زوجها على الاصح، ويؤخذ من قول الاذرعى أنه يجوز لها ذلك إذا كان زوجها غائبا فأجرت نفسها لعمل مباح لا خلوة فيه بأجنبى ينقضى أجله قبل قدومه، وقد اعترض الغزى على هذا بأن المرأة ومنافعها مستحقة لزوجها بعقد النكاح. قال الرملي: وهذا الاعتراض ممنوع بأنه لا يستحقها، وانما يستحق المنفعة منها وهى متعذرة منه، ولو اختلفت الزوجة مع زوجها حول الاذن صدق الزوج ولا كلام. على أن الاقيس على ظاهر المذهب أنه يصح لها ذلك على حد قول الاذرعى لانه لما جاز للزوج أن يستأجر زوجته لارضاع ولده ولو كان منها فان ذلك يفيد بمفهومه ملكها المنفعة، إذا تقرر هذا فهل يجوز أن يستأجر المرضعة بطعامها وكسوتها ؟ مذهب الشافعي على أن ذلك لا يجوز في الظئر ولا في غيره من أنواع الاجارات وقد اختلفت الرواية عن أحمد فيمن استأجر أجيرا بطعامه وكسوته أو جعل أجرا وشرط طعامه وكسوته فروى عنه جواز ذلك وهو مذهب مالك واسحاق وروى عن أبى بكر وعمر وأبى موسى أنهم استأجروا الاجراء بطعامهم وكسوتهم، وروى عن أحمد أن ذلك جائز في الظئر دون غيره لقوله تعالى (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) فأوجب لهن النفقة والكسوة
على الرضاع، ولم يفرق بين المطلقة وغيرها، بل في الآية قرينة تدل على طلاقها لان الزوجة تجب نفقتها وكسوتها بالزوجية وإن لم ترضع، لان الله تعالى قال (وعلى الوارث مثل ذلك) والوارث ليس بزوج، ولان المنفعة في الحضانة والرضاع غير معلومة، فجاز أن يكون عوضها كذلك. وروى عنه رواية ثالثة: لا يجوز ذلك بحال، لا في الظئر ولا في غيرها. وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وابن المنذر، لان ذلك يختلف اختلافا كثيرا متباينا فيكون مجهولا، والاجر من شرطه أن يكون معلوما. إذا ثبت هذا فهل تدخل الحضانة في الرضاع أم لا ؟ على وجهين (أحدهما) لا تدخل وهو قول أبى ثور وابن المنذر لان العقد لم يتناولها (والثانى) تدخل وهو قول أصحاب الرأى، لان العرف جار بأن المرضعة تحضن الصبى فحمل الاطلاق على ما جرى به العرف والعادة. ويشترط لعقد الرضاعة أربعة شروط: 1 - أن تكون مدة الرضاع معلومة، لانه لا يمكن تقديره إلا بها، فإن السقى والعمل فيها يختلف. 2 - معرفة الصبى بالمشاهدة، لان الرضاع يختلف باختلاف الصبى في كبره وصغره ونهمته وقناعته. 3 - موضع الرضاع لانه يختلف فيشق عليها في بيته ويسهل عليها في بيتها 4 - معرفة العوض وكونه معلوما كما سبق
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:41 AM
كتاب سبل السلام –
كتاب الرجعة
باب الرضاع
بكسر الراء وفتحها ومثله الرضاعة .
عَنْ عَائِشَةَ رَضي اللَّهُ عَنْهَا قالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا تُحَرِّمُ المصَّةُ وَالمصَّتَانِ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
( عَنْ عَائِشَةَ رَضي اللَّهُ عَنْهَا قالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا تُحَرِّمُ المصَّةُ وَالمصَّتَانِ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ).
المصة الواحدة من المص وهو أخذ اليسير من الشيء كما في الضياء وفي القاموس مصصته بالكسر أمصه ومصصته أمصه كخصصته أخصه شربته شرباً رفيقاً .
والحديث دل على أن مص الصبي للثدي مرة أو مرتين لا يصير به رضيعاً وفي المسألة أقوال:
الأول: أن الثلاث فصاعداً تحرم وإلى هذا ذهب داود وأتباعه وجماعة من العلماء لمفهوم حديث مسلم هذا وحديث الآخر بلفظ: "لا تحرم الإملاجة والإملاجتان" فأفاد بمفهومه تحريم ما فوق الاثنتين .
القول الثاني: لجماعة من السلف والخلف وهو أن قليل الرضاع وكثيره يحرم وهذا يروى عن[اث] عليّ[/اث] و[اث]ابن عباس[/اث] وآخرين من السلف وهو مذهب الهادوية والحنفية و مالك.
قالوا: وحدُّه ما وصل الجوف بنفسه وقد ادعى الإجماع على أنه يحرم من الرضاع ما يفطر الصائم واستدلوا بأنه تعالى علق التحريم باسم الرضاع فحيث وجد اسمه وجد حكمه وورد الحديث موافقاً للآية فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".
ولحديث عقبة الآتي وقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "كيف وقد زعمت أنها أرضعتكما" ولم يستفصل عن عدد الرضعات .
فهذه أدلتهم ولكنها اضطربت أقوالهم في ضبط الرضعة وحقيقتها اضطراباً كثيراً ولم يرجع إلى دليل.
ويجاب عما ذكروه من التعليق باسم الرضاع أنه مجمل بينه الشارع بالعدد وضبطه به وبعد البيان لا يقال إنه ترك الاستفصال .
القول الثالث: أنها لا تحرم إلا خمس رضعات وهو قول[اث] ابن مسعود[/اث] و[اث]ابن ال***ر[/اث] والشافعي ورواية عن أحمد .
واستدلوا بما يأتي من حديث عائشة وهو نص في الخمس وبأن سهلة بنت سهيل أرضعت سالماً خمس رضعات ويأتي أيضاً .
وهذا إن عارضه مفهوم حديث "المصة والمصتان" فإن الحكم في هذا منطوق وهو أقوى من المفهوم فهو مقدّم عليه .
وعائشة وإن روت أن ذلك كان قرآناً فإن له حكم خبر الآحاد في العمل به كما عرف في الأصول وقد عضده حديث سهل فإن فيه أنها أرضعت سالماً خمس رضعات لتحرم عليه وإن كان فعل صحابية فإنه دال أنه قد كان متقرراً عندهم أنه لا يحرم إلا الخمس الرضعات ويأتي تحقيقه.
وأما حقيقة الرضعة فهي المرة من الرضاع كالضربة من الضرب والجلسة من الجلوس فمتى التقم الصبي الثدي وامتص منه ثم ترك ذلك باختياره من غير عارض كان ذلك رضعة والقطع لعارض كنفس أو استراحة يسيرة أو لشيء يلهيه ثم يعود من قريب لا يخرجها عن كونها رضعة واحدة كما أن الآكل إذا قطع أكله بذلك ثم عاد عن قريب كان ذلك أكلة واحدة.
وهذا مذهب الشافعي في تحقيق الرضعة الواحدة وهو موافق للغة فإذا حصلت خمس رضعات على هذه الصفة حرمت.
وَعَنْهَا رضيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "انْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ، فَإنّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المجَاعَةِ" مُتّفَقٌ عَلَيْهِ .
(وَعَنْهَا) أي عائشة (قَالَتْ: قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "انْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ، فَإنّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المجَاعَةِ" مُتّفَقٌ عَلَيْهِ)
في الحديث قصة وهو أنه صلى الله عليه وآله وسلم دخل على عائشة وعندها رجل فكأنه تغير وجهه كأنه كره ذلك فقالت: إنه أخي فقال: "انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة".
قال المصنف: لم أقف على اسمه وأظنه ابناً لأبي القعيس .
وقوله: انظرن أمر بالتحقق في أمر الرضاعة هل هو رضاع صحيح بشرطه من وقوعه في زمن الرضاع ومقدار الإرضاع فإن الحكم الذي ينشأ من الرضاع إنما يكون إذا وقع الرضاع المشترط.
وقال أبو عبيد: معناه أنه الذي إذا جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن من الرضاع لا حيث يكون الغذاء بغير الرضاع وهو تعليل لإمعان التحقق في شأن الرضاع وبأن الرضاع الذي تثبت به الحرمة وتحل به الخلوة هو حيث يكون الرضيع طفلاً يسدّ اللبن جوعه لأن معدته ضعيفة يكفيها اللبن وينبت بذلك لحمه فيصير جزءاً من المرضعة فيشترك في الحرمة مع أولادها.
فمعناه لا رضاعة معتبرة إلا المغنية عن المجاعة أو المطعمة من المجاعة فهو في معنى حديث ابن مسعود الآتي: "لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم" وحديث أم سلمة: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء" أخرجه الترمذي وصححه.
واستدل به على أن التغذي بلبن المرضعة محرم سواء كان شراباً أو وجوراً أو سعوطاً أو حقنة حيث كان يسدّ جوع الصبي وهو قول الجمهور .
وقالت الهادوية والحنفية لا تحرم الحقنة وكأنهم يقولون أنها لا تدخل تحت اسم الرضاع.
قلت: إذا لوحظ المعنى من الرضاع دخل كل ما ذكروا .
وإن لوحظ مسمى الرضاع فلا يشمل إلا التقام الثدي ومص اللبن منه كما تقوله الظاهرية فإنهم قالوا: لا يحرم إلا ذلك ولما حصر في الحديث الرضاعة على ما كان من المجاعة كما قد عرفت وقد ورد:
وَعَنْهَا رضيَ اللَّهُ عَنْهَا قالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ سَالِماً مَوْلى أَبي حُذَيْفَةَ مَعَنا في بَيْتِنَا وَقَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ؟ فَقَالَ: أَرْضعِيهِ تَحْرُمي عَلَيْهِ" رَوَاهُ مُسْلمٌ .
(وَعَنْهَا) أي عائشة (قالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ سَالِماً مَوْلى أَبي حُذَيْفَةَ مَعَنا في بَيْتِنَا وَقَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ؟ فَقَالَ: أَرْضعِيهِ تَحْرُمي عَلَيْهِ" رَوَاهُ مُسْلمٌ).
وفي سنن أبي داود: فأرضعيه خمسة رضعات فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة معارضاً لذلك.
وكأنه ذكره المصنف كالمشير إلى أنه قد خصص هذا الحكم بحديث سهلة فإنه دالٌّ على أن رضاع الكبير يحرم مع أنه ليس داخلاً تحت الرضاعة من المجاعة .
وبيان القصة أن أبا حذيفة كان قد تبنى سالماً وزوجه وكان سالم مولى لامرأة من الأنصار فلما أنزل الله {ادعوهم لآبائهم} كان من له أب معروف نسب إلى أبيه ومن لا أب له معروف كان مولى وأخاً في الدين؛ فعند ذلك جاءت سهلة تذكر ما نصه الحديث في الكتاب.
وقد اختلف السلف في هذا الحكم فذهبت[اث] عائشة[/اث] رضي الله عنها إلى ثبوت حكم التحريم وإن كان الراضع بالغاً عاقلاً .
قال[اث] عروة[/اث]: إن عائشة أم المؤمنين أخذت بهذا الحديث فكانت تأمر أختها أم كلثوم وبنات أخيها يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال. رواه مالك .
ويروى عن[اث] علي[/اث] و[اث]عروة[/اث] وهو قول الليث بن سعد وأبي محمد بن حزم ونسبه في البحر إلى عائشة وداود الظاهري وحجتهم حديث سهلة هذا وهو حديث صحيح لا شك في صحته ويدل له أيضاً قوله تعالى: {وأمهاتكم اللائي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} فإنه مطلق غير مقيد بوقت .
وذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء إلى أنه لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الصغر.
وإنما اختلفوا في تحديد الصغر فالجمهور قالوا: مهما كان في الحولين فإن رضاعه يحرم ولا يحرم ما كان بعدهما مستدلين بقوله تعالى: {حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة}.
وقال جماعة: الرضاع المحرم ما كان قبل الفطام ولم يقدّروه بزمان وقال الأوزاعي: إن فطم وله عام واحد واستمر فطامه ثم رضع في الحولين لم يحرم هذا الرضاع شيئاً وإن تمادى رضاعه ولم يفطم فيما يرضع وهو في الحولين حرم وما كان بعدهما لا يحرم وإن تمادى إرضاعه.
وفي المسألة أقوال أخر عارية عن الاستدلال فلا نطيل بها المقال .
واستدل الجمهور بحديث: "إنما الرضاعة من المجاعة" وتقدم، فإنه لا يصدق ذلك إلا على من يشبعه اللبن ويكون غذاءه لا غيره؛ فلا يدخل الكبير سيما وقد ورد بصيغة الحصر.
وأجابوا عن حديث سالم بأنه خاص بقصة سهلة فلا يتعدى حكمه إلى غيرها كما يدل له قوله أم سلمة أم المؤمنين لعائشة رضي الله عنهما: لا نرى هذا إلا خاصاً بسالم ولا ندري لعله رخصة لسالم أو أنه منسوخ .
وأجاب القائلون بتحريم رضاع الكبير بأن الآية وحديث: "إنما الرضاعة من المجاعة" واردان لبيان الرضاعة الموجبة للنفقة للمرضعة والتي يجبر عليها الأبوان رضيا أم كرها كما يرشد إليه آخر الآية وهو قوله تعالى:
{وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} وعائشة هي الراوية لحديث: "الرضاعة من المجاعة" وهي التي قالت برضاع الكبير وأنه يحرم فدل على أنها فهمت ما ذكرناه في معنى الآية والحديث .
وأما قول أم سلمة إنه خاص بسالم فذلك تظنن منها وقد أجابت عليها عائشة فقالت: أما لك في رسول الله أسوة حسنة؟ فسكتت أم سلمة ولو كان خاصاً لبينه صلى الله عليه وآله وسلم كما بين اختصاص أبي بردة بالتضحية بالجذعة من المعز .
والقول بالنسخ يدفعه أن قصة سهل متأخرة عن نزول آية الحولين فإنها قالت سهلة لرسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: كيف أرضعه وهو رجل كبير فإن هذا السؤال منها استنكار لرضاع الكبير دال على أن التحليل بعد اعتقاد التحريم .
قلت: ولا يخفى أن الرضاعة لغة إنما تصدق على من كان في سن الصغر وعلى اللغة وردت آية الحولين وحديث "إنما الرضاعة من المجاعة" والقول بأن الآية لبيان الرضاعة الموجبة للنفقة لا ينافي أيضاً أنها لبيان زمان الرضاعة بل جعله الله تعالى زمان من أراد تمام الرضاعة وليسبعد التمام ما يدخل في حُكْمٍ حَكَمَ الشارع بأنه قد تم .
والأحسن في الجمع بين حديث سهلة وما عارضه: كلام ابن تيمية فإنه يعتبر الصغر في الرضاعة إلا إذا دعت إليه الحاجة كرضاع الكبير الذي لا يستغنى عن دخوله على المرأة وشق احتجابها عنه كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أثر رضاعه وأما من عداه فلا بد من الصغر اهـ .
فإنه جمع بين الأحاديث حسن وإعمال لها من غير مخالفة لظاهرها باختصاص ولا نسخ ولا إلغاء لما اعتبرته اللغة ودلت له الأحاديث .
وَعَنْهَا أَنَّ أَفْلَحَ ــــ أَخَا أَبي الْقُعَيْسِ ــــ جَاءَ يَسْتَأَذِنُ عَلَيْهَا بَعْدَ الحِجَابِ قَالَتْ: فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَا جَاءَ رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أَخْبَرْتُهُ بالّذي صَنَعْتُ، فَأَمَرَني أَنْ آذَنَ لَهُ عَليَّ وَقَالَ: "إنّهُ عَمُّكِ" مُتّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وعنها) أي عن عائشة رضي الله عنها (أنَّ أَفْلَحَ) بفتح الهمزة ففاء آخره حاء مهملة مولى لرسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وقيل مولى لأم سَلَمة (أخا أبي القُعَيْسِ) بقاف مضمومة وعين وسين مهملتين بينهما مثناة تحتية (جاء يستأذِنُ عَلَيْها بعدَ الحجابِ قالت: فأبيتُ أنْ آذنَ لَهُ فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبرته بالذي صنعت فأمرني أن آذن له عليَّ وقال: "إنّهُ عَمكِ" متفق عليه) اسم أبي القعيس وائل بن أفلح الأشعري وقيل اسمه الجعد فعلى الأول يكون أخوه وافق اسمه اسم أبيه .
قال ابن عبد البر: لا أعلم لأبي القعيس ذكراً إلا في هذا الحديث .
والحديث دليل على ثبوت حكم الرضاع في حق زوج المرضعة وأقاربه كالمرضعة وذلك لأن سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة معاً فوجب أن يكون الرضاع منهما. كالجد لما كان سبب ولد الولد أوجب تحريم ولد الولد به لتعلقه بولده .
لذلك قال[اث] ابن عباس[/اث] في هذا الحكم: اللقاح واحد. أخرجه عنه ابن أبي شيبة فإن الوطء يدرّ اللبن فللرجل منه نصيب .
وإلى هذا ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين وأهل المذاهب .
والحديث دليل واضح لمن ذهبوا إليه وفي رواية أبي داود زيادة تصريح حيث قالت: دخل عليّ أفلح فاستترت منه فقال: أتستترين مني وأنا عمك؟ قلت: من أين؟ قال: أرضعتك امرأة أخي قلت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل الحديث .
وخالف في ذلك[اث] ابن عمر[/اث] و[اث]ابن ال***ر[/اث] و[اث]رافع بن خديج[/اث] و[اث]عائشة[/اث] وجماعة من التابعين و ابن المنذر وداود وأتباعه فقالوا: لا يثبت حكم الرضاع للرجل لأن الرضاع إنما هو للمرأة التي اللبن منها .
قالوا ويدل عليه قوله تعالى: {وأمهاتكم اللائي أرضعنكم} (النساء: 23) وأجيب بأن الآية ليس فيها ما يعارض الحديث فإذ ذكر الأمهات لا يدل على أن ما عداهن ليس كذلك ثم إن دل بمفهومه فهو مفهوم لقب مطرح كما عرف في الأصول وقد استدلوا بفتوى جماعة من الصحابة بهذا المذهبولا يخفى أنه لا حجة في ذلك وقد أطال بعض المتأخرين البحث في المسألة وسبقه ابن القيم في الهدي واستحسنه ابن تيمية والواضح ما ذهب إليه الجمهور .
وَعَنْهَا رَضي الله عنْهَا قالتْ: "كَانَ فيما أُنْزلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثمَّ نُسِخْنَ بخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فُتوُفِّيَ رسُولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وَهُنَّ فِيما يُقْرَأُ مِنَ الْقُرآنِ" رَوَاهُ مُسْلمٌ .
(وعنها) أي عائشة رضي الله عنها (قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهن فيما يُقرأ من القرآن. رواه مسلم)
يقرأ بضم حرف المضارعة؛ تريد أن النسخ يخمس رضاعات تأخر إنزاله جداً حتى إنه توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعض الناس يقرأ خمس رضعات ويجعلها قرآناً متلوّاً لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك وأجمعوا على أنه لا يتلى .
وهذا من نسخ التلاوة دون الحكم وهو أحد أنواع النسخ فإنه ثلاثة أقسام:
نسخ التلاوة والحكم مثل عشر رضعات يحرمن .
والثاني: نسخ التلاوة دون الحكم: كخمس رضعات، وكالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما.
والثالث: نسخ الحكم دون التلاوة وهو كثير نحو قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً} وقد تقدم تحقيق القول في حكم هذا الحديث وأن العمل على ما أفاده هو أرجح الأقوال.
والقول بأن حديث عائشة هذا ليس بقرآن لأنه لا يثبت بخبر الآحاد ولا هو حديث لأنها لم تروه حديثاً، مردود بأنها وإن لم تثبت قرآنيته ويجري عليه حكم ألفاظ القرآن فقد روته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فله حكم الحديث في العمل به .
وقد عمل بمثل ذلك العلماء فعمل به الشافعي وأحمد في هذا الموضع .
وعمل به الهادوية والحنفية في قراءة ابن مسعود في صيام الكفارة ثلاثة أيام متتابعات وعمل مالك في فرض الأخ من الأم بقراءة أبيّ: وله أخ وأخت من أم، والناس كلهم احتجوا بهذه القراءة .
والعمل بحديث الباب هذا لا عذر عنه ولذا اخترنا العمل به فيما سلف .
وَعَنِ ابنِ عَبّاسٍ رضي اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النّبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أُريدَ عَلى ابْنَةِ حَمْزَةَ فَقَالَ: "إنّهَا لا تَحِلُّ لي إنّهَا ابنَةُ أَخي مِنَ الرَّضَاعة، ويَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعة مَا يَحْرُمُ مِنَ النّسَبِ" مُتّفَقٌ عَلَيهِ .
(وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أُريد) بضم الهمزة مبني للمجهول (على ابنة حمزة) أي قيل له: لو تزوجتها (فقال: "إنّها لا تَحِلُّ لي إنّها ابْنَةُ أخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ ويَحْرُم من الرضاعة ما يحرم مِنَ النّسَبِ" متفقٌ عليه)
اختلف في اسم ابنة حمزة على سبعة أقوال ليس فيها ما يجزم به وإنما كانت ابنة أخيه صلى الله عليه وآله وسلم لأنه رضع من ثويبة أمة أبي لهب وقد كانت أرضعت عمه حمزة.
وأحكام الرضاع هي حرمة التناكح وجواز النظر والخلوة والمسافرة .
لا غير ذلك من التوارث ووجوب الإنفاق والعتق بالملك وغيره من أحكام النسب.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب يراد به تشبيهه به في التحريم.
ثم التحريم ونحوه بالنظر إلى المرجع فإن أقاربه أقارب للرضيع وأما أقارب الرضيع ما عدا أولاده فلا علاقة بينهم وبين المرضع فلا يثبت لهم شيء من الأحكام.
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضاع إلا مَا فَتَقَ الأمْعَاءَ وَكَان قَبْلَ الفِطَامِ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحّحَهُ هُوَ والحاكمُ.
( وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "لا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إلا مَا فَتَقَ) بالفاء فمثناة فوقية فقاف (الأمعَاءَ) جمع المعا بكسر الميم وفتحها (وكانَ قَبْلَ الْفِطَام" رواه الترمذي وصححه هو والحاكم).
والمراد ما سلك فيها من الفتق بمعنى الشق والمراد ما وصل إليه فلا يحرم القليل الذي لا ينفذ إليها ويحتمل أن المراد ما وصلها وغذاها واكتفت به عن غيره فيكون دليلاً على عدم تحريم رضاع الكبير .
ويدل على أن المراد هذا قوله في الحديث: وكان قبل الفطام فإنه يراد به قبل الحولين كما ورد في هذا الحديث الآخر: "إن ابني إبراهيم مات في الثدي وإن له مرضعاً في الجنة" وتقدم الكلام في الأمرين ويدل لهذا الأخير قوله:
وَعَنِ ابنِ عَبّاسٍ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: "لا رَضَاعَ إلا في الحَوْلَينِ" رَوَاهُ الدَّارقُطْنيُّ وابنُ عَدِيَ مَرْفوعاً وَمَوْقوفاً وَرَجّحَا المَوْقوفَ .
(وَعَنِ ابنِ عَبّاسٍ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: "لا رَضَاعَ إلا في الحَوْلَينِ" رَوَاهُ الدَّارقُطْنيُّ وابنُ عَدِيَ مَرْفوعاً وَمَوْقوفاً وَرَجّحَا المَوْقوفَ).
لأنه تفرد برفعه الهيثم بن جميل عن ابن عيينة، قاله الدارقطني وقال: وكان ثقة حافظاً ورواه سعيد بن منصور عن ابن عيينة فوقفه .
قلت: وهذا ليس بعلة كما قررناه مراراً وقال ابن عدي: إن الهيثم كان يغلط.
وقال البيهقي: الصحيح إنه موقوف، وروى البيهقي التحديد بالحولين عن عمر وابن مسعود.
والحديث دال على اعتبار الحولين وأنه لا يسمى الرضاع رضاعاً إلا في الحولين وقد تقدم أنه الذي دلت عليه الآية والقول بأنها إنما دلت على حكم الواجب من النفقة ونحوها لا على مدة الرضاع تقدم دفعه ويدل لهذا الحكم قوله:
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قالَ رَسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا رَضَاع إلا مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ وأَنْبَتَ اللَّحْمَ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ .
(وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قالَ رَسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا رَضَاع إلا مَا أَنْشَزَ) بشين معجمة فزاي أي شد وقوي (الْعَظْمَ وأَنْبَتَ اللَّحْمَ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ).
فإن ذلك إنما يكون هو في سن الحولين ينمو باللبن ويقوى به عظمه وينبت عليه لحمه.
وَعَنْ عُقْبَةَ بنِ الْحارثِ أَنّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيي بِنْتَ أَبي إهَابٍ فَجَاءَت امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكما فَسَأَلَ النّبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فَقَالَ: "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟" فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ فَنَكَحَتْ زَوْجاً غَيْرَهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَاريُّ .
وعلة النهي أنها قد تكون فيه دابة فتخرج إلى في الشارب فيبتلعها مع الماء كما ورد أنه شرب رجل من في السقاء فخرجت منه حية. وكذلك ثبت النهي عن الشرب قائماً.
(وعن عقبة بن الحارث رضي الله عنه) وهو أبو سروعة عقبة بن الحارث بن عامر القرشي النوفلي أسلم يوم الفتح يعد في أهل مكة (أنه تَزَوّجَ أُم يحيي بنت أبي إهاب) بكسر الهمزة (فجاءت امرأةٌ) قال المصنف: لم أعرف اسمها: (فقالت: قد أرضعتكما فسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فقال "كَيْفَ وقَدْ قِيلَ؟" ففارقها عقبة فنكحت زوجاً غيره. أخرجه البخاري).
الحديث دليل على أنه شهادة المرضعة وحدها تقبل، وبوب على ذلك البخاري وإليه ذهب[اث] ابن عباس[/اث] وجماعة من السلف و أحمد بن حنبل .
وقال أبو عبيد: يجب على الرجل المفارقة ولا يجب على الحاكم الحكم بذلك .
وقال مالك: إنه لا يقبل في الرضاع إلا امرأتان وذهب الهادوية والحنفية إلى أن الرضاع كغيره لا بد من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ولا تكفي شهادة المرضعة لأنها تقرر فعلها.
وقال الشافعي: تقبل شهادة المرضعة مع ثلاث نسوة بشرط أن لا تعرض بطلب أجرة.
قالوا: وهذا الحديث محمول على الاستحباب والتحرز عن مظانّ الاشتباه .
وأجيب بأن هذا خلاف الظاهر سيما وقد تكرر سؤاله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أربع مرات وأجابه بقوله: "كيف وقد قيل" وفي بعض ألفاظه: "دعها" وفي رواية الدارقطني: "لا خير لك فيها" ولو كان من باب الاحتياط لأمره بالطلاق مع أنه في جميع الروايات لم يذكر الطلاق فيكون هذا الحكم مخصوصاً من عموم الشهادة المعتبر فيها العدد وقد اعتبرتم ذلك في عورات النساء فقلتم: يكتفى بشهادة أمرأة واحدة والعلة عندهم فيه أنه قلما يطلع الرجال على ذلك فالضرورة داعية إلى اعتباره، فكذا هنا .
وَعَنْ زيادٍ السّهْمِي قالَ: "نهى رسولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أَنْ تُسْتَرْضَعَ الحَمْقَى" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاودَ وَهُوَ مُرْسلٌ وَلَيْسَتْ لزيَادٍ صُحْبَةٌ .
( وعن زياد السهمي قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تسترضع الحمقاء) خفيفة العقل (أخرجه أبو داود وهو مرسل وليس لزياد صحبة) ووجه النهي أن للرضاع تأثيراً في الطباع فيختار من لا حماقة فيها ونحوها .
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:44 AM
روضة الطالبين - للامام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي الدمشقي المتوفى سنة 676
كتاب الرضاع
الرضاع يؤثر في تحريم النكاح، وثبوت المحرمية المفيدة لجواز النظر والخلوة
[ 419 ]
دون سائر أحكام النسب، كالميراث، والنفقة، والعتق بالملك، وسقوط القصاص، ورد الشهادة وغيرها، وهذا كله متفق عليه. ثم في كتاب الرضاع أربعة أبواب: الاول: في أركانه وشروطه، أما الاركان فثلاثة: الاول: المرضع، وله ثلاثة شروط، الاول: كونه إمرأة، فلبن البهيمة لا يتعلق به تحريم، فلو شربه صغيران لم يثبت بينهما أخوة، ولا يحرم لبن الرجل أيضا على الصحيح، وقال الكرابيسي: يحرم، ولبن الخنثى لا يقتضي أنوثته على المذهب، فلو ارتضعه صغير، توقف في التحريم، فإن بان أنثى، حرم، وإلا، فلا. الشرط الثاني: كونها حية، فلو ارتضع ميتة، أو حلب لبنها، وهي ميتة، لم يتعلق به تحريم، كما لا تثبت حرمة المصاهرة بوطئ الميتة. ولو حلب لبن حية، وأوجر الصبي بعد موتها، حرم على الصحيح المنصوص. الشرط الثالث: كونها محتملة للولادة، فلو ظهر لصغيرة دون تسع سنين لبن،
[ 420 ]
لم يحرم، وإن كانت بنت تسع وإن لم يحكم ببلوغها، لان احتمال البلوغ قائم، والرضاع كالنسب فكفى فيه الاحتمال. فرع سواء كانت المرضعة مزوجة، أم بكرا، أم بخلافهما، وقيل: لا يحرم لبن البكر، والصحيح الاول، ونص عليه في البويطي. فرع نص في البويطي أنه إذا نزل لرجل لبن، فارتضعته صبية، كره له نكاحها. الركن الثاني: اللبن، ولا يشترط لثبوت التحريم بقاء اللبن على هيئته حالة انفصاله عن الثدي، فلو تغير بحموضة، أو انعقاد، أو إغلاء أو صار جبنا، أو أقطا، أو زبدا، أو مخيضا، وأطعم الصبي، حرم لوصول اللبن إلى الجوف، وحصول التغذية. ولو ثرد فيه طعام ثبت التحريم. ولو عجن به دقيق، وخبز، تعلقت به الحرمة على الصحيح. ولو خلط بمائع إما دواء، وإما غيره، حلال كالماء ولبن الشاة، أو حرام كالخمر، نظر إن كان اللبن غالبا تعلقت الحرمة بالمخلوط، فلو شرب الصبي منه خمس مرات ثبت التحريم، وإن كان اللبن مغلوبا فقولان، أحدهما: لا يتعلق به تحريم كالنجاسة المستهلكة في الماء الكثير لا أثر لها، وكالخمر المستهلكة في غيرها لا يتعلق بها حد، وكالمحرم يأكل طعاما استهلك فيه طيب، لا فدية عليه. وأظهرهما: يتعلق به التحريم لوصول عين اللبن في الجوف، وذلك هو المعتبر، ولهذا يؤثر كثير اللبن وقليله، وليس كالنجاسة، فإنها تجنيب للاستقذار، وهو مندفع بالكثرة، ولا كالخمر، فإن الحد منوط بالشدة المزيلة للعقل، ولا كالمحرم، فإنه ممنوع من التطيب، وليس هذا بتطيب، فعلى هذا إن شرب جميع المخلوط، تعلق به التحريم، وإن شرب بعضه فوجهان، أحدهما: يثبت التحريم أيضا إن شربه خمس دفعات، أو شرب منه دفعة بعد أن شرب اللبن
[ 421 ]
الصرف أربعا، وهذا اختيار الصيمري، والقاضي أبي الطيب، وأصحهما، وبه قال ابن سريج وأبو إسحق والماوردي -: لا يتعلق به تحريم، لانا لم نتحقق وصول اللبن، وهذا الخلاف فيما إذا لم يتحقق وصول اللبن مثل أن وقعت قطرة في جب ماء وشرب بعضه، فإن تحققنا انتشاره في الخليط، وحصول بعضه في المشروب، أو كان الباقي من المخلوط أقل من قدر اللبن، ثبت التحريم قطعا، ذكره الامام وغيره. وهل يشترط أن يكون اللبن قدرا يمكن أن يسقى منه خمس دفعات لو انفرد عن الخليط ؟ وجهان حكاهما السرخسي وقال: أصحهما الاشتراط، هذا هو المذهب في بيان حكم اختلاط اللبن بالمائعات، وسواء فيه اختلاط اللبن بالماء وبغيره، وحكى الامام طريقا آخر أنه إن كان الخليط غير الماء، فعلى ما ذكرناه، وإن كان ماء واللبن مغلوب، فإن امتزج بما دون القلتين، وشرب الصبي كله، ففي ثبوت التحريم قولان، وإن شرب بعضه، فقولان مرتبان وأولى بأن لا يثبت. وإن امتزج بقلتين، فصاعدا، فإن لم يثبت التحريم بدون القلتين فهنا أولى، وإن أثبتنا، وتناول بعضه، لم يؤثر، وإن شربه كله، فقولان مرتبان، وأولى بأن لا يؤثر. وهذه الطريقة ضعيفة، وفي المراد بمصير اللبن مغلوبا وجهان، أحدهما: خروجه عن كونه مغذيا، والصحيح الذي قطع به الاكثرون أن الاعتبار بصفات اللبن الطعم واللون والرائحة، فإن ظهر منها شئ في المخلوط، فاللبن غالب، وإلا فمغلوب. ونقل أبو الحسن العبادي في الرقم تفريعا على هذا عن الحليمي ما يفهم منه أنه لو زايلته الاوصاف الثلاثة، اعتبر قدر اللبن بما له لون قوي يستولي على الخليط، فإن كان ذلك القدر منه يظهر في الخليط ثبت التحريم، وإلا فلا، قال الحليمي: وهذا شئ استنبطته أنا وكان في قلبي منه شئ، فعرضته على القفال الشاشي وابنه القاسم، فارتضياه، فسكنت، ثم وجدته لابن سريج، فسكن قلبي إليه كل السكون، وقد سبق نظير هذا في اختلاط المائع بالماء. فرع لو وقعت قطرة في فمه، واختلطت بريقه، ثم وصل جوفه، فطريقان، أحدهما: يعتبر كونه غالبا أو مغلوبا على ما ذكرناه. والثاني: القطع بالتحريم.
[ 422 ]
إذا اختلط لبن إمرأة بلبن أخرى، وغلب أحدهما، فإن علقنا التحريم بالمغلوب، ثبتت الحرمة منهما، وإلا فيختص بغالبة اللبن. الركن الثالث: المحل وهو معدة الصبي الحي، أو ما في معنى المعدة، فهذه ثلاثة قيود: الاول: المعدة، فالوصول إليها يثبت التحريم، سواء ارتضع الصبي، أو حلب اللبن، وأوجر في حلقه حتى وصلها، ولو حقن باللبن، أو قطر في إحليله، فوصل مثانته، أو كان على بطنه جراحة، فصب اللبن فيها حتى وصل الجوف لم يثبت التحريم على الاظهر. ولو صب في أنفه فوصل دماغه ثبت التحريم على المذهب، وقيل: فيه القولان، قال البغوي: ولو صب في جراحة في بطنه فوصل المعدة لخرق الامعاء، أو وصل الدماغ بالصب في مأمومة ثبت التحريم بلا خلاف. ولو صب في أذنه، ففي البحر أنه يثبت التحريم، وفي التهذيب لا يثبت، إذ لا منفذ منها إلى الدماغ، ويشبه أن يكون كالحقنة. وأما الصب في العين، فلا يؤثر بحال، ولو ارتضع، وتقيأ في الحال، حصل التحريم على الصحيح. وقيل: لا يحصل. وقيل: إن تقيأ وقد تغير اللبن، ثبت التحريم وإلا فلا. القيد الثاني: الصبي والمراد به من لم يبلغ حولين، فمن بلغ سنتين، فلا أثر لارتضاعه ويعتبر الحولان بالاهلة، فإن انكسر الشهر الاول، اعتبر ثلاثة وعشرون شهرا بعده بالاهلة ويكمل المنكسر ثلاثين من الشهر الخامس والعشرين، ويحسب ابتداء الحولين من وقت انفصال الولد بتمامه، وقال الروياني: لو خرج نصف
[ 423 ]
الولد، ثم بعد مدة، خرج باقيه، فابتداء الحولين في الرضاع عند ابتداء خروجه. وحكى ابن كج فيه وجهين، وحكى وجهين فيما لو ارتضع قبل انفصال جميعه هل يتعلق به تحريم ؟ القيد الثالث: الحي فلا أثر للوصول إلى معدة الميت. فصل في شرط الرضاع لا تثبت حرمته إلا بخمس رضعات هذا هو الصحيح المنصوص. وقيل: تثبت برضعة واحدة، وقيل: بثلاث رضعات، وبه قال ابن المنذر، واختاره جماعة. فعلى المنصوص لو حكم حاكم بالتحريم برضعة، لم ينقض حكمه على الصحيح، وقال الاصطخري: ينقض. والرجوع في الرضعة والرضعات إلى العرف، وما تنزل عليه الايمان في ذلك، ومتى تخلل فصل طويل تعدد. ولو ارتضع، ثم قطع إعراضا، واشتغل بشئ آخر، ثم عاد وارتضع، فهما رضعتان، ولو قطعت المرضعة، ثم عادت إلى الارضاع، فهما رضعتان على الاصح، كما لو قطع الصبي، ولا يحصل التعدد بأن يلفظ الثدي، ثم يعود إلى التقامه في الحال، ولا بأن يتحول من ثدي إلى ثدي، أو تحوله لنفاذ ما في الاول، ولا بأن يلهو عن الامتصاص والثدي في فمه، ولا بأن يقطع التنفس، ولا بأن يتخلل النومة الخفيفة، ولا بأن تقوم وتشتغل بشغل خفيف، ثم تعود إلى الارضاع، فكل ذلك رضعة واحدة. قلت: قال ابراهيم المروذي: إن نام الصبي في حجرها وهو يرتضع نومة خفيفة، ثم انتبه ورضع ثانيا، فالجميع رضعة، وإن نام طويلا، ثم انتبه وامتص،
[ 424 ]
فإن كان الثدي في فمه فهي رضعة، وإلا فرضعتان. والله أعلم. قال الاصحاب: يعتبر ما نحن فيه بمرات الاكل، فإذا حلف لا يأكل في اليوم إلا مرة واحدة فأكل لقمة، ثم أعرض واشتغل بشغل طويل، ثم عاد وأكل، حنث، ولو أطال الاكل على المائدة وكان ينتقل من لون إلى لون ويتحدث في خلال الاكل، ويقوم، ويأتي بالخبز عند نفاذه، لم يحنث، لان ذلك كله يعد في العرف أكلة واحدة، ولو ارتضع من ثدي إمرأة ثم انتقل في الحال إلى ثدي آخر، ففيه خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى في الفصل الذي يليه. فرع لا يشترط وصول اللبن في المرات على صفة واحدة، بل لو ارتضع في بعضها، وأوجر في بعضها، وأسعط في بعضها حتى تم العدد، ثبت التحريم، وكذا الصب في الجراحة والحقنة إذا جعلناهما مؤثرين. فرع لو حلب لبن إمرأة دفعة، وأوجره الصبي في خمس دفعات، فهل يحسب رضعة أم خمسا ؟ قولان، أظهرهما: رضعة، وقيل: رضعة قطعا. ولو حلب خمس دفعات، وأوجره دفعة، فالمذهب أنه رضعة، وقيل: على الطريقين. ولو حلب خمس دفعات، وأوجر في خمس دفعات من غير خلط، فهو خمس رضعات قطعا. وإن حلب خمس دفعات، وخلط، ثم فرق، وأوجر في خمس دفعات، فالمذهب أنه خمس رضعات، وبه قطع الجمهور، وقيل على قولين، لانه بالخلط صار كالمحلوب دفعة. ولو حلب خمس نسوة في إناء، وأوجره الصبي دفعة واحدة حسب من كل واحدة رضعة، وإن أوجره في خمس دفعات، حسب من كل واحدة رضعة، وإن أوجره في خمس دفعات، حسب من كل واحدة رضعة على الاصح، وقيل: خمس رضعات. فرع لو شك هل أرضعته خمس رضعات، أم أقل، أو هل وصل اللبن جوفه أم لا ؟ فلا تحريم ولا يخفى الورع. ولو شك هل أرضعته الخمس في الحولين، أم بعضها، أو كلها بعد الحولين، فلا تحريم على الاظهر أو الاصح، والتحريم محكي عن الصيمري، لان الاصل بقاء المدة.
[ 425 ]
فصل إذا كان لبن المرأة لرجل، فسيأتي إن شاء الله تعالى أن المرتضع يصير إبنا للرجل كما يصير إبنا للمرأة، واختار ابن بنت الشافعي أنه لا يصير، والصواب الاول. فإذا كان للرجل خمس مستولدات، أو أربع زوجات ومستولدة، فأرضعت كل واحدة طفلا رضعة لم يصرن أمهاته، وهل يصير الرجل أباه ؟ وجهان، قال الانماطي وابن سريج وابن الحداد: لا، وأصحهما - وبه قال أبو إسحق وابن القاص -: نعم، لانه لبنه، وهن كالظروف له، فعلى هذا تحرم المرضعات على الطفل لا بالرضاع، بل لانهن موطوءات أبيه، ولو كان تحته صغيرة وله خمس مستولدات، فأرضعتها كل واحدة رضعة بلبنه لم ينفسخ نكاح الصغيرة على الوجه الاول، وينفسخ على الثاني، وهو الاصح، ولا غرم عليهن، لانه لا يثبت له دين على مملوكه، ولو أرضع نسوته الثلاث ومستولدتاه زوجته الصغيرة فانفساخ نكاح الصغيرة على الوجهين، وأما غرامة مهرها، فإن أرضعن مرتبا، فالانفساخ يتعلق بإرضاع الاخيرة فإن كانت مستولدة، فلا شئ عليها، وإن كانت زوجة، فعليها الغرم، وإن أرضعته معا بأن أخذت كل واحدة لبنها في مسعط، وأوجرته معا، فلا شئ على المستولدتين وعلى النسوة ثلاثة أخماس الغرم، ولا ينفسخ نكاح النسوة لانهن لم يصرن أمهات الصغيرة. ولو كان له أربع، فأرضعت إحداهن طفلا رضعتين، وأرضعته الباقيات رضعة رضعة، أو كان له ثلاث مستولدات، فأرضعت إحداهن الطفل بلبنه ثلاث رضعات، والباقيتان رضعة رضعة، جرى الخلاف في مصيره أبا ولا يصرن أمهات، وعلى هذا قياس سائر نظائرها. ولو كان لرجل أو إمرأة خمس بنات أو أخوات، فأرضعت كل واحدة طفلا رضعة، لم يصرن أمهاته، ولا أزواجهن آباءه، وكذا لا تثبت الحرمة بين الرضيع والرجل على المذهب، وقيل: بطرد الوجهين، فإن أثبتنا الحرمة، قال البغوي: تحرم المرضعات على الرضيع لا لكونهن أمهات، بل لكون البنات أخواته وكون الاخوات عماته، ولك أن تقول إنما يصح كون البنات أخواته والاخوات عماته لو كان الرجل أبا، والحرمة هنا إذا ثبتت إنما هي لكونه جدا لام أو خالا، وفيه وضع بعضهم الخلاف، فقال: في مصيره جدا لام أو خالا وجهان، فينبغي أن يقال: يحرمن لكونهن كالخالات، وذلك لان بنت الجد للام إذا لم تكن أما، كانت خالة، وكذلك أخت الخال. ولو كان لرجل أم وبنت وأخت وبنت أخ لاب، وبنت أخت لاب، فارتضع طفل من كل واحدة
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:45 AM
[ 426 ]
رضعة، فإن قلنا: لا يثبت التحريم في الصورة الثانية، فهنا أولى، وإلا فالاصح أيضا أن لا تحريم لان هناك يمكن نسبة الرضيع إليه بكونه ابن ابن، ونسبته إلى الرضيع بكونه جدا، وهنا لا يمكن لاختلاف الجهات، ولا يجوز أن يكون بعضه أخا وبعضه ولد بنت، وعن ابن القاص: إثبات الحرمة، فعلى هذا تحرم المرضعات على الرضيع لا بالامومة بل بجهات، فأم الرجل كأنها زوجة أبيه، لان لبنها من أبي الرجل، والرضيع كولده، وبنت الرجل بنت ابن أبيه، فتكون بنت أخيه، وأخت الرجل بنت أبيه، فتكون أخته، وبنت أخي الرجل بنت ابن أبيه، فتكون بنت أخيه، وبنت أخت الرجل بنت أخته أيضا. ولو كان بدل إحدى هؤلاء المرضعات زوجة أو جدة كان الحكم كما ذكرنا. ولو أرضعت كل واحدة من هؤلاء زوجة الرجل رضعة، فانفساخ نكاحه على الوجهين، فإن قلنا: ينفسخ، فإن أرضعن مرتبا، غرمت الاخيرة للزوج، وإن أرضعن معا، اشتركن فيه، فإن اختلف عدد الرضعات بأن كن ثلاثا فأرضعت واحدة رضعتين، وأخرى كذلك، والثالثة رضعة، فهل يغرمن أثلاثا على عدد الرؤوس، أم أخماسا على عدد الرضعات ؟ وجهان، وجميع ما ذكرناه هو فيما إذا أرضعت النسوة الخمس في أوقات متفاصلة، فإن أرضعن متواليا، وحكمنا بالحرمة في المتفاصل فهنا وجهان، قال ابن القاص: لا يثبت، لانهن كالمرأة الواحدة بالنسبة إلى الرجل وإرضاع المرأة إنما يحرم إذا تفرقت أوقاته، وأصحهما: التحريم لتعدد المرضعات، فعلى الاول لو أرضعن متواليا، ثم أرضعته إحداهن أربع رضعات، صارت أما له على الاصح، لانه ارتضع منها خمسا متفاصلة، وقيل: لا، لان تلك الرضعة لم تكن تامة، ويجري هذا الخلاف في انتقال الرضيع من ثدي إمرأة إلى ثدي أخرى، فعلى وجه لا يحسب لواحدة منهما رضعة، وعلى الاصح: يحسب لكل واحدة رضعة، لان الاشتغال بالارتضاع من الاخرى قطع الارتضاع من الاولى، فصار كالاشتغال بشئ آخر، ويقرب منه خلاف فيما لو ارتضع في الحولين أربع رضعات، وتم الحولان في خلال الرضعة الخامسة، ففي وجه لا يثبت التحريم، لانها لم تتم في الحولين، والاصح: ثبوته لان ما يصل إلى الجوف في كل رضعة
[ 427 ]
غير مقدر، وذكر ابن كج أنه لو كان يرتضع الرضعة الخامسة، فمات: أو ماتت المرضعة قبل أن يتمها، وجهين في ثبوت التحريم كالوجهين فيما لو قطعت المرضعة. فرع لزيد ابن وابن ابن وأب وجد وأخ ارتضعت صغيرة من زوجة كل واحد منهم رضعة، فلا تحرم على زيد على الاصح، وحرمها ابن القاص على زيد، فعلى هذا تحرم على أبيه دون الابن وابن الابن، لانها بارتضاع لبن أخي زيد تكون بنت عم لابن، وبنت العم لا تحرم، ومتى كان في الخمسة من لا يقتضي لبنه تحريما، فلا تحريم. خمسة إخوة ارتضعت صغيرة من لبن زوجة كل واحد رضعة، ففي تحريم الصغيرة على الاخوة الوجهان، الاصح: المنع. إمرأة لها بنت ابن، وبنت ابن ابن، وبنت ابن ابن ابن، أرضعت العليا طفلا ثلاث رضعات، والاخريان رضعة رضعة، ففي مصير المرأة جدة للرضيع الوجهان، فإن قلنا: نعم، ففي تحريم المرضعات على الطفل وجهان، أحدهما: لا لعدم العدد، والثاني: أن الرضعات من الجهات تجمع، إن كانت كل واحدة منها بحيث لو تم العدد منها ثبت التحريم، فعلى هذا ينظر إن كانت الوسطى بنت أخي العليا، والسفلى بنت أخي الوسطى، حرمت العليا عليه، لان إرضاعها لو تم لكان الطفل إبنها، وإرضاع الوسطى لو تم، لكان الرضيع ابن بنت أخي العليا، وإرضاع السفلى لو تم لكان للعليا ابن بنت ابن أخ. وهذه الجهات محرمة فتجمع ما فيها من عدد الرضعات. وإن كانت الوسطى بنت ابن عم العليا، والسفلى بنت ابن ابن عمها، لم تحرم العليا، لان إرضاع الوسطى لو تم، لكان الرضيع للعليا ابن بنت ابن عم، وإرضاع السفلى لو تم، لكان لها ابن بنت ابن ابن العم، وذلك لا يقتضي التحريم، وأما الوسطى والسفلى، فلا تحرمان عليه بحال، لان إرضاع العليا لو تم، لكان للوسطى ابن العمة، وللسفلى ابن عمة الاب. ولو أرضعته إحداهن خمس رضعات، حرمت هي عليه، وحرمت التي فوقها إذا كانت المرضعة بنت أخي التي فوقها، لانها تكون عمة أمه. فرع له زوجتان حلبت كل واحدة من لبنها دفعة، ثم خلطا، وشربه طفل دفعة، ثبت لكل واحدة رضعة، ولو شربه مرتين، فهل يحسب لكل واحدة رضعتان
[ 428 ]
اعتبارا بوصول اللبن، أم رضعة اعتبارا بالحلب ؟ وجهان، وهو كما سبق فيما لو حلب لبن نسوة، وخلط، وشربه الطفل دفعة أو دفعات. وأما بين الرضيع والزوج، فإن لم نجمع في حق الزوج رضعات زوجاته، ثبت له رضعة واحدة، وإن جمعنا ونظرنا إلى الحلب، ثبت له رضعتان، وإن نظرنا إلى وصول اللبن ثبت أربع رضعات. فرع كان له أربع نسوة وأمة موطوءات، أرضعت كل واحدة طفلة بلبن غيره رضعة، قال ابن القاص تفريعا على ثبوت الابوة: لو أرضعته بلبنه تحرم الطفلة عليه، لانها ربيبته، وإن كان فيهن من لم يدخل بها، لم تحرم عليه، لما سبق أنه متى كان فيهن من لو انفردت بالرضعات الخمس، لم تثبت الحرمة، لا يثبت التحريم. الباب الثاني فيمن يحرم بالرضاع تحريم الرضاع يتعلق بالمرضعة، والفحل الذي له اللبن، والطفل الرضيع، فهم الاصول في الباب، ثم تنتشر الحرمة منهم إلى غيرهم. أما المرضعة فتنتشر الحرمة منها إلى آبائها من النسب والرضاع، فهم أجداد الرضيع، فإن كان الرضيع أنثى، حرم عليهم نكاحها. وإلى أمهاتها من النسب والرضاع، فهن جدات للرضيع، فيحرم عليه نكاحهن إن كان ذكرا، وإلى أولادها من النسب والرضاع، فهم إخوته وأخواته، وإلى إخوتها وأخواتها من النسب والرضاع، فهم أخواله وخالاته، ويكون أولاد أولادها أولاد إخوة وأولاد أخوات للرضيع، ولا تثبت الحرمة بين الرضيع، وأولاد إخوة المرضعة، وأولاد أخواتها، لانهم أولاد أخواله وخالاته. وأما الفحل، فكذلك تنتشر الحرمة منه إلى آبائه وأمهاته، فهم أجداد الرضيع وجداته، وإلى أولاده، فهم إخوة الرضيع وأخواته، وإلى إخوته وأخواته، فهم أعمام الرضيع وعماته. وأما المرتضع فتنتشر الحرمة منه إلى أولاده من الرضاع، أو النسب، فهم أحفاد المرضعة أو الفحل، ولا تنتشر إلى آبائه وأمهاته وإخوته وأخواته، فيجوز لابيه وأخيه أن ينكحا المرضعة وبناتها وقد سبق في النكاح أن أربع نسوة يحرمن من النسب
[ 429 ]
ومثلهن قد لا يحرمن من الرضاع، وجعلت تلك الصور مستثناة من قولنا: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وقد يقال: الحرمة في تلك الصور من جهة المصاهرة، لا من جهة النسب. فرع إنما تثبت الحرمة بين الرضيع والفحل إذا كان منسوبا إلى الفحل بأن ينتسب إليه الولد الذي نزل عليه اللبن، أما اللبن النازل على ولد الزنا، فلا حرمة له، فلا يحرم على الزاني أن ينكح الصغيرة المرتضعة من ذلك اللبن، لكنه يكره وقد حكينا في النكاح وجها أنه لا يجوز له نكاح بنت زناه التي تعلم أنها من مائه، فيشبه أن يجئ ذلك الوجه هنا، ولو نفى الزوج ولدا باللعان، وارتضعت صغيرة بلبنه، لم تثبت الحرمة. ولو أرضعت به ثم لاعن، انتفى الرضيع عنه، كما ينتفي الولد. فلو استلحق الولد بعد ذلك، لحق الرضيع، ولم يذكروا هنا الوجهين المذكورين في نكاحه التي نفاها باللعان، ولا يبعد أن يسوى بينهما. ولو كان الولد من وطئ شبهة، فاللبن النازل عليه ينسب إلى الواطئ، كما ينسب إليه الولد، هذا هو المشهور، وفي قول: لا تثبت الحرمة من جهة الفحل بلبن وطئ الشبهة لانه لا ضرورة إلى إثبات حرمة الرضاع بخلاف النسب. فرع إذا وطئت منكوحة بشبهة، أو وطئ رجلان إمرأة بشبهة، أو نكح رجل إمرأة في العدة جاهلا، وأتت بولد، وأرضعت باللبن النازل عليه طفلا، فهو تبع للولد، فإن لحق الولد أحدهما لانحصار الامكان فيه، فالرضيع ولده من
[ 430 ]
الرضاع، وإن لم يلحق واحدا منهما لامتناع الامكان، فالرضيع مقطوع عنهما، وإن تحقق الامكان فيهما، عرض الولد على القائف، فبأيهما ألحقه، تبعه الرضيع، فإن لم يكن قائف، أو نفاه عنهما، أو أشكل، توقفنا حتى يبلغ المولود، فينتسب إلى أحدهما، فإن بلغ مجنونا، صبرنا حتى يفيق، فإذا انتسب، تبعه الرضيع، فإن مات قبل الانتساب وكان له ولد قام مقامه في الانتساب، فإن كان له أولاد فانتسب بعضهم إلى هذا، وبعضهم إلى هذا، استمر الاشكال، فإن لم يكن له ولد، وبقي الاشتباه، ففي الرضيع قولان، أحدهما: أنه ابنهما جميعا، ويجوز أن يكون لواحد آباء من الرضاع بخلاف النسب، وأظهرهما: لا يكون ابنهما، لانه تابع للولد فعلى الاول هل يكفي خمس رضعات، أم يحتاج إلى عشر ؟ وجهان خرجهما الداركي، وذكر في البسيط أن معنى هذا القول على ضعفه إثبات أبوتهما ظاهرا دون الباطن، وهذا خلاف ما قاله الاصحاب، وإن كان القول ضعيفا بالاتفاق. وإذا قلنا بالاظهر، فهل للرضيع أن ينتسب بنفسه ؟ قولان نص عليهما في الام أحدهما: لا كما لا يعرض على القائف، وأظهرهما: نعم كما للمولود. والرضاع يؤثر في الاخلاق بخلاف العرض على القائف، فإن معظم اعتماده على الاشباه الظاهرة دون الاخلاق مع أن ابن كج نقل عن ابن القطان والقاضي أبي حامد وجهين في العرض على القائف وهو غريب، فإن قلنا: له الانتساب، فهل يجبر عليه كما يجبر المولود ؟ وجهان، وقيل: قولان، أصحهما: لا، والفرق أن النسب تتعلق به حقوق له وعليه، كالميراث والعتق والشهادة وغيرها، فلا بد من رفع الاشكال، والذي يتعلق بالرضاع حرمة النكاح والامتناع منه سهل. وإذا انتسب إلى أحدهما، كان ابنه، وانقطع عن الآخر، فله نكاح بنته، ولا يخفى الورع، وإن لم ينتسب، أو قلنا: ليس له الانتساب، فليس له أن ينكح بنتيهما جميعا، لان إحداهما أخته، وفي الحاوي وجه أنه يجوز، ويحكم بانقطاع الابوة عنهما، وهذا غلط. وهل له أن ينكح بنت أحدهما ؟ وجهان، أصحهما: لا لان إحداهما أخته، فأشبه ما إذا
أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:46 AM
[ 431 ]
اختلطت أخته بأجنبية. والثاني: يجوز وهو ظاهر ما نقله المزني، لان الاصل الحل في كل واحدة، فصار كما لو اشتبه ماء طاهر بنجس بخلاف الاخت والاجنبية، فإن الاصل في الاخت التحريم، فصار كاشتباه الماء بالبول، فإنه يعرض عنهما، فإن جوزنا نكاح إحداهما فالصحيح الذي قطع به الجمهور أنه لا يحتاج إلى اجتهاد بخلاف الاواني المشتبهة، فإن فيها علامات ظاهرة، وذكر الفوراني أنه يجتهد في الرجلين أيهما الاب، ثم ينكح بنت من لا يراه أبا، وإذا نكح واحدة، ثم فارقها، فهل له نكاح الاخرى ؟ وجهان، قال أبو إسحق: نعم، لان التحريم غير متعين، فصار كمن صلى بالاجتهاد إلى جهة يجوز أن يصلي إلى جهة أخرى باجتهاد آخر. وقال ابن أبي هريرة: لا يجوز، واختاره القاضي أبو الطيب كالاواني. فصل طلق زوجته، أو مات عنها، ولها لبن منه، فأرضعت به طفلا قبل أن تنكح، فالرضيع ابن المطلق والميت، ولا تنقطع نسبة اللبن بموته وطلاقه، سواء ارتضع في العدة أو بعدها، وسواء قصرت المدة أم طالت كعشر سنين وأكثر، وسواء انقطع اللبن ثم عاد، أم لم ينقطع لانه لم يحدث ما يحال اللبن عليه، فهو على استمراره منسوب إليه، وقيل: إن انقطع وعاد بعد مضي أربع سنين من وقت الطلاق لم يكن منسوبا إليه كما لو أتت بولد بعد هذه المدة لا يلحقه، هكذا خصص البغوي هذا الوجه بما إذا انقطع وعاد، ومنهم من يشعر كلامه بطرده في صورة استمرار اللبن، وكيف كان، فالصحيح ما سبق. فلو نكحت بعد العدة زوجا، وولدت منه، فاللبن بعد الولادة للثاني، سواء انقطع وعاد، أم لم ينقطع لان اللبن تبع للولد، والولد للثاني. وأما قبل الولادة من الزوج الثاني، فإن لم يصبها أو أصابها ولم تحبل، أو حبلت ولم يدخل وقت حدوث اللبن لهذا الحمل، فاللبن للاول، سواء زاد على ما كان أم لا، وسواء انقطع، ثم عاد أم لا، ويقال: أقل مدة يحدث فيها اللبن للحمل أربعون يوما. وإن دخل وقت حدوث اللبن للحمل، فإما أن
[ 432 ]
ينقطع اللبن مدة طويلة، وإما أن لا يكون كذلك بأن لم ينقطع، أو انقطع مدة يسيرة، ففي الحالة الاولى ثلاثة أقوال، أظهرها: أنه لبن الاول، والثاني: أنه للثاني، والثالث: لهما. وفي الحالة الثانية ثلاثة أقوال أيضا، المشهور أنه للاول، والثاني لهما، والثالث إن زاد اللبن فلهما، وإلا فللاول. ولو نزل للبكر لبن، فنكحت، ولها لبن ثم حبلت من الزوج، فحيث قلنا فيما سبق: إن اللبن للثاني أو لهما، فهنا يكون للزوج، وحيث قلنا: هو للاول، فهو هنا للمرأة وحدها ولا أب للرضيع. ولو حبلت إمرأة من الزنا وهي ذات لبن من زوج، فحيث قلنا هناك: اللبن للاول، أولهما فهو للزوج. وحيث قلنا: هو للثاني، فلا أب للرضيع. ولو نكحت إمرأة لا لبن لها، فحبلت ونزل لها لبن، قال المتولي في ثبوت الحرمة بين الرضيع والزوج وجهان بناء على الخلاف، إن جعلنا اللبن للاول لم يجعل الحمل مؤثرا ولا تثبت الحرمة حتى ينفصل الولد، وإن جعلناه للثاني أولهما، ثبتت. الباب الثالث في الرضاع القاطع للنكاح وحكم الغرم فيه طرفان: الاول: في الغرم عند انقطاع النكاح. الرضاع الطارئ قد يقطع النكاح وإن لم يقتض حرمة مؤبدة، وستأتي أمثلته إن شاء الله تعالى، وقد يقطعه لاقتضائه حرمة مؤبدة، فكل إمرأة يحرم عليه أن ينكح بنتها إذا أرضعت تلك المرأة زوجته الصغيرة خمس رضعات، ثبتت الحرمة المؤبدة، وانقطع النكاح. فإذا كان تحته صغيرة، فأرضعتها أمه من النسب أو الرضاع، أو جدته أو بنته أو حافدته منهما، أو زوجة أبيه، أو ابنه، أو أخيه بلبانهم خمس رضعات، انفسخ النكاح. فإن كان اللبن من غير الاب والابن والاخ لم يؤثر، لان غايته أن تصير ربيبة أبيه أو ابنه أو أخيه، وليست بحرام. ولو أرضعتها زوجة أخرى له بلبنه، انفسخ النكاح، وثبتت الحرمة المؤبدة، لانها بنته، وإن كان اللبن لغيره فسنذكره إن شاء الله تعالى، ثم الصغيرة التي ينفسخ نكاحها بالرضاع تستحق نصف المسمى إن كان صحيحا، أو نصف مهر المثل إن كان فاسدا إلا أن يكون الانفساخ من جهتها بأن دبت، فرضعت من نائمة،
[ 433 ]
فإنه لا شئ لها على المذهب، كما سنذكره إن شاء الله تعالى، ويجب على المرضعة الغرم للزوج، سواء قصدت بالارضاع فسخ النكاح أم لا، وسواء وجب عليها الارضاع بأن لا يكون هناك مرضعة غيرها أم لا، لان غرامة الاتلاف لا تختلف بهذه الاسباب، وفيما إذا لزمها الارضاع احتمال للشيخ أبي حامد، ثم نص هنا أن على المرضعة نصف مهر المثل، ونص أن شهود الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا يلزمهم جميع مهر المثل، فقيل: فيهما قولان نقلا وتخريجا، وقيل: بتقرير النصين، لان فرقة الرضاع حقيقية، فلا توجب إلا النصف. وفي الشهادة النكاح باق في الحقيقة بزعم الزوج والشهود، لكنهما حالا بينه وبين البضع، فغرما قيمته، كالغاصب الحائل بين المالك والمغصوب. فإن قلنا بالقولين، فهل هما في كل المسمى ونصفه، أم في مهر المثل ونصفه ؟ قولان، فحصل في الرضاع أربعة أقوال، أظهرها عند الجمهور: نصف مهر المثل. والثاني: جميعه، والثالث: نصف المسمى، والرابع جميعه. فرع نكح العبد صغيرة، فأرضعتها إسحق، وانفسخ النكاح، فللصغيرة نصف المسمى في كسبه، ولسيده الرجوع على أم العبد بالغرم، لانه بدل البضع، فكان للسيد كعوض الخلع. فرع صغيرة مفوضة أرضعتها أم الزوج، فلها على الزوج المتعة، قال ابن الحداد: ويرجع الزوج على المرضعة بالمتعة، قال الاصحاب: هذا تفريع على القول الذاهب لانه يرجع بنصف المسمى والاظهر: أنه يرجع بنصف مهر المثل هناك وكذا هنا، والصورة إذا كانت الصغيرة أمة، فزوجها السيد بلا مهر،