المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرضاع فى الإسلام


أحمد سعد الدين
16-09-2004, 01:23 AM
‏( الموسوعة الإسلامية المعاصرة)‏
‏ ‏

الفَصل الأول
‏ ‏
‏- في وجوب الرضاع للرضيع، وعلى من يجب؟
يقول الله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ ‏أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا ‏تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى ‏الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ ‏عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا ‏آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: ‏‏233].‏
ويقول جل شأنه في شأن المطلقات: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ ‏أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} ‏‏[الطلاق: 6].‏
في هاتين الآيتين وضع المولى سبحانه الأسس التي تقوم عليها أحكام ‏الرضاع، ومنهما استنبط الفقهاء أكثر أحكامه، وفيهما توزيع لمسئولية ‏الرضاع بين الأب والأم، فكل منهما يقوم بما يستطيعه دون مضارة ‏لأحدهما، فالأم بلبنها الذي أجراه الله في ثديها غذاء لطفلها وهو أنسب غذاء ‏له في هذه الفترة بعد أن تغذى بدمها فترة الحمل، والأب بالإنفاق عليها ليدر ‏لبنها.‏
ثم رفع الجناح عن إرضاع الأجنبيات إذا ما تعذر إرضاع الأم، وقد ‏كان هذا عرفاً شائعاً عند العرب قبل الإسلام يسيرون عليه راضية به ‏نفوسهم، فلم يعرض له بالإلغاء كما ألغي غيره من الأعراف بل أقره ‏وفوضه لإرادة الآباء مع التصريح برفع الجناح عنهم في ذلك.‏
وتفتتح الآية الأولى بجملة خبرية تحمل معنى الأمر {وَالْوَالِدَاتُ ‏يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} فنظراً ‏لخبريتها تفيد أن الرضاع حق للأم لها أن تستوفيه ولها أن تتنازل عنه، ‏ونظراً لمعنى الأمر فيها تفيد أنه واجب عليها لا تستطيع تركه إلا إذا منعها ‏من ذلك مانع كمرض ونحوه، ومن هنا جاء اختلاف الفقهاء في وجوب ‏الرضاع على الأم.‏
وإن نظرة عامة في مذاهب الفقهاء نجدها متفقة على أنه واجب على ‏الأم في بعض الحالات، وغير واجب عليها في حالات أخرى مع اتفاق ‏الجميع على أنه حق للأم لا يزاحمها غيرها في استيفائه إذا أرادت ما لم ‏يكن في ذلك ضرر يلحق الرضيع أو الأب، لأن الأم أقرب الناس إلى ‏وليدها ينبض قلبها بالحنان والشفقة عليه فوق أن لبنها أفضل غذاء له مما ‏عداه لأنه يلائم جسمه الذي تغذى به دماً وهو جنين في بطنها.‏

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 01:24 AM
تلخيص آراء الفقهاء:‏
اتفق الفقهاء على أن الرضاع واجب على الأم ديانة في جميع ‏الحالات سواء كانت زوجيتها قائمة أو انتهت، بمعنى أنها مسؤولة أمام الله ‏عن ذلك بحيث تأثم لو امتنعت عنه وهي قادرة عليه.‏
واختلفوا بعد ذلك في وجوبه عليها قضاء، أي أن القاضي يجبرها ‏عليه إذا امتنعت عنه بدون عذر.‏
فذهب مالك في المشهور عنه أنه واجب عليها قضاء إذا كانت زوجة ‏أو معتدة من طلاق رجعي كما هو واجب ديانة لظاهر الأمر وهو يفيد ‏الوجوب قضاء وديانة إلا إذا كانت ذات ترفه لم يجر عرف قومها بإرضاع ‏نسائهم أولادهن لأن هذا كان في الجاهلية ولم يغيره الإسلام، ولأنها تتضرر ‏حينئذ بإلزامها بالإرضاع إلا إذا تعينت للإرضاع بأن كان الطفل لا يقبل إلا ‏ثديها فإنها تجبر عليه محافظة على الصغير من الهلاك وهو ضرر أكبر ‏من تضررها بالإرضاع تجبر حتى ولو كانت مطلقة بائناً.‏
وذهب الشافعية إلى أنه يجب عليها أن ترضعه أول لبنها المسمى ‏باللباء، لأن الولد يقوى وتشتد بنيته به، ولا يجب عليها أن ترضعه ما بعده ‏يستوي في ذلك أن تكون زوجة أو أجنبية إلا إذا تعينت بأن لم يوجد من ‏يرضعه غيرها أو لم يقبل الطفل غير ثديها فيتعين عليها الإرضاع.‏
وذهب الحنفية إلى أنه يجب عليها ديانة لاقضاء، فإن امتنعت عنه ‏بدون عذر فلا تجبر قضاء عليه إلا في حالات ثلاث:‏
‏1- إذا لم يكن للطفل ولا لأبيه مال يستأجر به مرضعاً ولم توجد ‏متبرعة بإرضاعه.‏
‏2- إذا لم توجد من ترضعه غيرها بأجر أو بغير أجر وإن كان للأب ‏أو الابن مال.‏
‏3- إذا وجدت المرضعة ولكن الطفل لا يقبل غير ثدي أمه.‏
ففي هذه الحالات يتعين عليها الإرضاع وتجبر عليه قضاء حتى لا ‏يتعرض الطفل للهلاك.‏
وفي غير تلك الحالات إذا قامت الأم بإرضاعه فيها، وإن امتنعت ‏عنه بدون عذر ظاهر لا تجبر عليه لأن الرضاع حق للأم كما هو للولد، ‏ولا يجبر أحد على استيفاء حقه إلا إذا وجد ما يقتضي الإجبار عليه وهو ‏المحافظة على حياة الطفل.‏
ومن جهة أخرى إن الأم أكثر الناس شفقة وحناناً على ولدها، وهي لا ‏تمتنع عن إرضاعه إلا لعدم قدرتها عليه، فإجبارها حينئذ يلحق الضرر بها، ‏لأنها ستفعل ما لا قدرة عليه أو تتضرر به، وقد نفى الله عنها الضرر بسبب ‏ولدها {لا تضار والدة بولدها}.‏
وفي هذه الحالة يجب على الأب أن يستأجر له مرضعاً تقوم ‏بإرضاعه حفظاً له من الهلاك.‏
فإن لم يقم الأب باستئجار المرضعة كان للأم أن تطالبه بالقيام بذلك ‏أو بدفع أجرة الرضاع إليها لتقوم هي باستئجار المرضعة محافظة على ا ‏لولد.‏

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 01:25 AM
‏- هل تسقط حضانة الأم بالامتناع عن الإرضاع؟
وامتناع الأم عن الإرضاع لا يسقط حضانتها لأنهما حقان منفصلان ‏لا يلزم من سقوط أحدهما سقوط الآخر، وعلى الأب في هذه الحالة أن يتفق ‏مع المرضعة على القيام بعملها على وجه لا يضيع حق الأم في الحضانة ، ‏كأن تقوم بإرضاعه عند أمه أو بنقل الولد إليها في أوقات الرضاعة ثم يرد ‏إلى أمه، فإن لم يتفق معها على شيء من ذلك كان عليها أن تذهب إلى حيث ‏يوجد الطفل عند حاضنته سواء كانت هي الأم أو غيرها لتستطيع الحاضنة ‏القيام بما تقتضيه الحضانة.‏
وإذا كان للأب الحق في استئجار المرضعة عند امتناع الأم فليس ‏معنى ذلك أنه يتحكم في أمر الإرضاع ويمنع الأم منه إذا رغبت فيه بعد ‏الامتناع عنه، لأن الأم حقها ثابت في الرضاع وهي أحق به من الأجنبية، ‏ولا يملك الأب منعها منه ما لم يلحقه ضرر منه بأن كانت الأم تطلب أجراً ‏عليه - حينما تستحق تستحق الأجر - بينما توجد متبرعة به، أو تطلب أكثر ‏مما تطلبه المرضعة، لأن القرآن كما نفى الإضرار بالأم نفاه أيضاً عن ‏الأب {ولا مولود له بولده}، وليس في منعها إضرار بها لأنها التي أساءت ‏استعمال حقها بطلب الأجر أو الزيادة، وفي هذه الحالة يقال للأم: إما أن ‏ترضعيه مجاناً أو بمثل الأجر الذي قبلته المرضعة أو تسليمه لها لترضعه ‏وهي بالخيار.‏
لكن يستثنى من ذلك ما إذا كانت الأم مريضة بمرض يخشى على ‏الطفل منه أو ثبت بالتحليل الطبي أن لبن الأم لا يصلح للطفل لسبب من ‏الأسباب. ففي مثل هاتين الحالتين يكون للأب منع الأم من إرضاعه ‏وإعطاؤه للمرضعة محافظة عليه ومنعاً للضرر عنه.‏
وإذا سقط حق الأم في الرضاع كان على المرضعة أن توفي بما ‏التزمت به.‏
فإن كانت متبرعة وأرضعته فترة ثم رغبت في إنهاء تبرعها أجيبت ‏إلى ذلك لأنها محسنة، وما على المحسنين من سبيل، إلا إذا كان الطفل لا ‏يقبل ثدي غيرها فإنه يلزمها إرضاعه إلى أن يستغني عن الرضاع حتى لا ‏يلحقه ضرر، ويجب لها أجر مثلها في المدة الباقية لأنها أنهت تبرعها.‏
وكذلك إذا كانت ترضع بأجر وانتهت المدة المتفق عليها ولم يستغن ‏الطفل عن الرضاع أجبرت على مد الإجارة لمدة أخرى تكفي لاستغناء ‏الطفل عن الرضاعة إذا لم يقبل الطفل ثدي غيرها دفعاً للضرر عن ‏الرضيع، وهي لا يلحقها من ذلك ضرر حيث يجب لها أجر المثل عن المدة ‏الثانية.‏

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 01:26 AM
الفَصل الثّاني

‏ ‏ ‏
‏1- من التي تستحق أجرة على الرضاع؟
فذهب الحنفية: أن التي تقوم بالإرضاع إما أن تكون الأم أو غيرها، ‏والأم إما أن تكون زوجة لوالد الرضيع أو معتدة منه بطلاق بائن أو ‏رجعي، أو انتهت عدتها.‏
فإن كانت زوجة أو معتدة من طلاق رجعي فلا تستحق أجرة على ‏الإرضاع مطلقاً سواء كان واجباً عليها أو لا، لأن أجرة الرضاع ليست ‏عوضاً خالصاً بل هي أشبه بالنفقة، لأن المقصود منها تغذية الأم ليدر لبنها ‏الذي هو غذاء للصغير، ولأن الإرضاع واجب عليها ديانة عندهم، ‏والواجب الديني لا يستحق عليه أجر، ولأن نفقتها في هذه الحالة واجبة على ‏الأب باعتباره زوجاً أو مطلقاً فلا يجمع لها بين نفقتين في وقت واحد، لأنه ‏غير معهود في الشرع.‏
وإن كانت معتدة من طلاق بائن ففي إحدى الروايتين في المذهب ‏تجب لها النفقة، لأن الزوجية قد انتهت بالطلاق البائن فأشبهت الأجنبية.‏
وفي الرواية الأخرى لا تجب لها النفقة على الإرضاع، لأن زوجيتها ‏وإن انقطعت بالطلاق البائن إلا أنها تجب لها النفقة على مطلقها على والد ‏الرضيع مادامت في العدة، فلو أوجبنا لها أجرة على الرضاع لكانت جامعة ‏بين نفقتين في وقت واحد.‏
وفقهاء المذهب وإن اختلفوا في الترجيع لتلك الروايتين إلا أن الفتوى ‏على الثانية وهي التي تمنع وجوب النفقة.‏
أما إذا انتهت عدتها فتستحق الأجرة قولاً واحداً سواء كانت متعينة ‏للإرضاع أو لا، لأنها أصبحت أجنبية من كل وجه وارتفعت نفقة عدتها ‏لقوله تعالى في شأن المطلقات: {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى ‏يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6].‏
وإذا كان المانع من وجوب أجرة الرضاع للمعتدة هو استحقاقها نفقة ‏للعدة على والد الرضيع فيكون عدم استحقاق الأجرة على الرضاع للمطلقة ‏مرتبطاً بوجوب النفقة لها لا بكونها معتدة.‏
وعلى هذا إذا قامت بالإرضاع لا تستحق أجراً عليه مدة سنة، وبعد ‏انقضائها تستحق الأجرة إلى أن تنتهي مدة الرضاع، لأنها صارت في حكم ‏التي انقضت عدتها.‏
وكذلك لو كانت أسقطت نفقة عدتها في مقابل طلاقها منه يكون ‏حكمها كحكم من انقضت عدتها في استحقاق الأجرة لانقطاع نفقتها من ‏الأب، وكذلك التي تزوجت بدون عقد موثق فإنها لا تستحق نفقة على ‏زوجها إذا لم يعترف بالزوجية.‏

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 01:27 AM
‏2- متى تستحق المرضع الأجر على الرضاع؟
إذا كانت المرضع هي الأم فإنها تستحق الأجر بمجرد الإرضاع، ولا ‏يتوقف استحقاقها على سبق اتفاق بينها وبين الأب ولا على قضاء القاضي ‏به، ويكون الأجر المستحق هو أجر مثلها إلى أن يتفقا على قدر معين، ‏وتكون ديناً على الأب لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء منه، فلو ماتت الأم قبل ‏قبضه كان لورثتها حق المطالبة به باعتباره جزءاً من تركتها، ولو مات ‏الأب قبل قبض الأم له أخذ من تركته كسائر الديون، وكذلك لا تسقط بموت ‏الرضيع.‏
وإنما استحقت الأم الأجر دون توقف على اتفاق سابق لأن القرآن ‏رتب الأجر على الإرضاع في قوله تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن ‏أجورهن} فقد أمرت الآية بإعطاء الأجر بمجرد الإرضاع دون تقيده بقيد ‏آخر.‏
ولأن إقبال الأم على إرضاع وليدها قبل الاتفاق على الأجر لا يدل ‏على أنها متبرعة به، لأن عطفها وحنانها على وليدها هو الذي دفعها إلى ‏الإرضاع، ولا يعقل أن تراه يتلوى أمامها من الجوع وتتركه بدون إرضاع ‏حتى يتم الاتفاق مع أبيه.‏
أما غير الأم فإنها لا تستحق الأجر بمجرد الإرضاع، بل لا تستحقه ‏إلا من وقت الاتفاق، لأنها مستأجرة للإرضاع فلا تستحق الأجرة إلا من ‏يوم العقد.‏

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 02:49 AM
‏3- مقدار المدة التي تستحق فيها أجرة الرضاع:‏
لا تستحق الأم أجراً على الرضاع لأكثر من سنتين باتفاق الحنفية ‏حتى ولو زاد إرضاع الطفل عن هذه المدة لقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ ‏يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} فقد جعلت ‏الآية تمام الرضاع كمال الحولين وليس بعد التمام زيادة.‏
فلو زاد عن الحولين لا تجب أجرة على الزيادة وإن جاز ذلك ‏الرضاع.‏
ولو اتفق الأب والأم على إنقاص المدة عن الحولين جاز إذا كان في ‏ذلك مصلحة الرضيع لقوله تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا ‏وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا}.‏

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 02:50 AM
‏4- مقدار أجرة الرضاع:‏
مقدار الأجرة التي تستحقها الأم في الحالات التي تستحق فيها الأجر ‏هو ما اتفقت مع الأب عليه إذا اتفقا على شيء قبل الإرضاع، وإن لم يكن ‏بينهما اتفاق على قدر معين فإنها تستحق أجر المثل وهو الأجرة التي تقبل ‏امرأة أخرى أن ترضع به، فإذا تنازعا قدره القاضي بذلك، فإن طلبت أكثر ‏من ذلك لا تجاب إلى طلبها.‏

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 02:51 AM
‏5- على من تجب أجرة الرضاع؟
إذا كان للرضيع مال وجبت الأجرة في ماله، لأن رضاع الصغير هو ‏غذاؤه، وغذاؤه من نفقته، والأصل في النفقة أنها تكون من مال الشخص، فإن ‏لم يكن له مال فتكون على أبيه إن كان موسراً.‏
فإن كان معسراً وقادراً على الكسب أجبرت الأم على إرضاعه ويكون ‏الأجر ديناً على الأب يدفعه لها إذا أيسر، وإن كان معسراً عاجزاً عن الكسب ‏أو متوفى وجبت أجرة الرضاع على من تجب عليه نفقة الصغير من الأقارب ‏لقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ...} إلى أن قال: ‏‏{وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} وسيأتي تفصيل ذلك في مبحث نفقات الأقارب.‏

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 02:53 AM
المغني
موفق الدين أبو محمد عبد الله بن قدامة المقدسي الحنبلي

‏(الجزء الثالث والأربعون – كتاب الرضاع)‏
‎•‎ كتاب‎ ‎الرضاع‎ ‎
o ‎ ‎مسألة: الرضاع الذي لا يشك في تحريمه خمس رضعات‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: إذا وقع الشك في وجود الرضاع‎ ‎
o ‎ ‎مسألة: السعوط كالرضاع وكذلك الوجور‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: إنما يحرم من ذلك مثل الذي يحرم بالرضاع‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: إن عمل اللبن جبنا ثم أطعمه الصبي ثبت به التحريم‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: حكم الحقنة‎ ‎
o ‎ ‎مسألة: واللبن المشوب كالمحض‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: إن حلب من نسوة وسقيه الصبي‎ ‎
o ‎ ‎مسألة: يحرم لبن الميتة كما يحرم لبن الحية‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: لو حلبت المرأة لبنها في إناء ثم ماتت‏,‏ فشربه صبي نشر الحرمة‏‎ ‎
o ‎ ‎مسألة: حكم إذا حلبت ممن يلحق نسب ولدها به فثاب لها لبن‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: إذا وطئ رجلان امرأة‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: لا تنتشر الحرمة بغير لبن الآدمية‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: إن ثاب لامرأة لبن من غير وطء‏,‏ فأرضعت به طفلا نشر الحرمة‏‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: إذا كان لرجل خمس أمهات أولاد‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: إذا كان لامرأة لبن من زوج فأرضعت طفلا ثلاث رضعات‏‎ ‎
o ‎ ‎مسألة: لو طلق زوجته ثلاثا وهي ترضع من لبن ولده‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: إذا طلق الرجل زوجته ولها منه لبن‎ ‎
o ‎ ‎مسألة: تزوج كبيرة وصغيرة فلم يدخل بالكبيرة حتى أرضعت الصغيرة‎ ‎
‎‎ ‎ ‎الفصل الأول: لو أرضعت الكبيرة الصغيرة قبل الدخول‎ ‎
‎‎ ‎ ‎الفصل الثاني: أنه إن كان دخل بالكبيرة حرمتا جميعا على الأبد‎ ‎
‎‎ ‎ ‎الفصل الثالث: أن عليه نصف مهر الصغيرة‎ ‎
‎‎ ‎ ‎الفصل الرابع: أنه يرجع على الكبيرة بما لزمه من صداق الصغيرة‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: والواجب نصف المسمى‏,‏ لا نصف مهر المثل‏‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: وكل امرأة تحرم ابنتها إذا أرضعت زوجته الصغيرة أفسدت نكاحه‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: وإن تزوج كبيرة ثم طلقها‏,‏ فأرضعت صغيرة بلبنه صارت بنتا له‏‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: حكم ما لو أرضعت بنت الكبيرة الصغيرة‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: حكم من أفسد نكاح امرأة بالرضاع قبل الدخول‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: وإن أفسد النكاح جماعة‏,‏ تقسط المهر‏‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: إذا كانت له زوجة أمة فأرضعت امرأته الصغيرة فحرمتها عليه‎ ‎
o ‎ ‎مسألة: ارضاع الكبرى الصغرى من امرأتين لرجل واحد‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: فإن أرضعت الصغيرتين أجنبية انفسخ نكاحهما‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: حكم ما لو أرضعتهما بنت الكبيرة‎ ‎
o ‎ ‎مسألة: حكم ما لو كن الأصاغر ثلاثا‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: حكم ما لو أرضعتهن بنت الكبيرة‎ ‎
o ‎ ‎مسألة: حكم ما لو شهدت امرأة واحدة على الرضاع حرم النكاح‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: ويقبل فيه شهادة المرضعة على فعل نفسها‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: ولا تقبل الشهادة على الرضاع إلا مفسرة‎ ‎
o ‎ ‎مسألة: اقرار الزوج بما يتضمن أن زوجته محرمة عليه‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: حكم ما لو قال هي عمتي أو خالتي أو ابنة أخي أو أختي أو أمي من ‏الرضاع‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: حكم ما لو ادعى أن زوجته أخته من الرضاع‎ ‎
o ‎ ‎مسألة: اقرار المرأة أن زوجها أخوها من الرضاعة‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: حكم ما لو ادعى أحد الزوجين على الآخر‎ ‎
‎‎ ‎ ‎فصل: كراهة الارتضاع بلبن الفجور والمشركات‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 02:54 AM
كتاب الرضاع‏:‏‎ ‎

الأصل في التحريم بالرضاع الكتاب والسنة والإجماع وأما الكتاب فقول‎ ‎الله تعالى‏:‏ ‏‎{‎‏وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم ‏من الرضاعة‏‎}‎‏ ذكرهما‏‎ ‎الله سبحانه في جملة المحرمات وأما السنة‏,‏ فما روت عائشة أن النبي -صلى الله عليه‎ ‎وسلم- ‏قال‏:‏ ‏(‏إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة‏)‏ متفق عليه وفي لفظ‏:‏ ‏(‏يحرم‎ ‎من الرضاع ما يحرم من النسب‏)‏ رواه ‏النسائي وعن ابن عباس‏,‏ قال‏:‏ ‏(‏قال رسول‎ ‎الله -صلى الله عليه وسلم- في بنت حمزة‏:‏ لا تحل لي يحرم من الرضاع ‏ما يحرم من‎ ‎النسب وهي ابنة أخي من الرضاعة‏)‏ متفق عليه في أخبار كثيرة‏,‏ نذكر أكثرها -إن شاء‎ ‎الله تعالى- في ‏تضاعيف الباب وأجمع علماء الأمة على التحريم بالرضاع إذا ثبت هذا‎ ‎فإن تحريم الأم والأخت ثبت بنص الكتاب ‏وتحريم البنت ثبت بالتنبيه‏,‏ فإنه إذا حرمت‏‎ ‎الأخت فالبنت أولى وسائر المحرمات ثبت تحريمهن بالسنة وتثبت ‏المحرمية لأنها فرع على‎ ‎التحريم إذا كان بسبب مباح فأما بقية أحكام النسب من النفقة‏,‏ والعتق ورد الشهادة‏‎ ‎وغير ‏ذلك‏,‏ فلا يتعلق به لأن النسب أقوى منه فلا يقاس عليه في جميع أحكامه وإنما‏‎ ‎يشبه به فيما نص عليه فيه‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 02:54 AM
مسألة‏:‏‎ ‎

قال أبو القاسم‏,‏ -رحمه الله-‏:‏ ‏[‏والرضاع الذي لا يشك في تحريمه‎ ‎أن يكون خمس رضعات فصاعدا‏]‏‎ ‎
في هذه المسألة‏:‏ مسألتان‏:‏ المسألة‏:‏ الأولى أن الذي يتعلق به‏‎ ‎التحريم خمس رضعات فصاعدا هذا الصحيح في ‏المذهب وروى هذا عن عائشة‏,‏ وابن مسعود‏‎ ‎وابن ال***ر وعطاء‏,‏ وطاوس وهو قول الشافعي وعن أحمد رواية ثانية ‏أن قليل الرضاع‎ ‎وكثيره يحرم وروي ذلك عن علي وابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب‏,‏ والحسن ومكحول‏‎ ‎والزهري‏,‏ وقتادة والحكم وحماد‏,‏ ومالك والأوزاعي والثوري‏,‏ والليث وأصحاب الرأي‏‎ ‎وزعم الليث أن المسلمين ‏أجمعوا على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر به‎ ‎الصائم واحتجوا بقول الله تعالى‏:‏ ‏‎{‎‏وأمهاتكم اللاتي ‏أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة‏‎}‎‏ وقوله‏‎ ‎عليه السلام‏:‏ ‏(‏يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب‏)‏ وعن عقبة بن الحارث ‏‏(‏أنه‎ ‎تزوج أم يحيي بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء‏,‏ فقالت‏:‏ قد أرضعتكما فذكرت ذلك‏‎ ‎للنبي -صلى الله عليه وسلم- ‏فقال‏:‏ كيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما‏)‏ متفق عليه ولأن‏‎ ‎ذلك فعل يتعلق به تحريم مؤبد‏,‏ فلم يعتبر فيه العدد كتحريم ‏أمهات النساء ولا يلزم‎ ‎اللعان لأنه قول والرواية الثالثة لا يثبت التحريم إلا بثلاث رضعات وبه قال أبو‎ ‎ثور‏,‏ وأبو ‏عبيد وداود وابن المنذر لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ ‏(‏لا تحرم‎ ‎المصة ولا المصتان‏)‏ وعن أم الفضل بنت ‏الحارث‏,‏ قالت‏:‏ قال نبي الله -صلى الله‎ ‎عليه وسلم-‏:‏ ‏(‏لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان‏)‏ رواهما مسلم ولأن ما يعتبر‏‎ ‎فيه العدد والتكرار يعتبر فيه الثلاث وروي عن حفصة‏:‏ لا يحرم دون عشر رضعات وروي‏‎ ‎ذلك عن عائشة لأن ‏عروة روى في حديث سهلة بنت سهيل‏:‏ فقال لها رسول الله -صلى الله‎ ‎عليه وسلم- فيما بلغنا‏:‏ ‏(‏أرضعيه عشر ‏رضعات فيحرم بلبنها‏)‏ ووجه الأولى‏,‏ ما‏‎ ‎روي عن عائشة أنها قالت‏:‏ أنزل في القرآن ‏"‏ عشر رضعات معلومات ‏يحرمن ‏"‏ فنسخ من‏‎ ‎ذلك خمس وصار إلى خمس رضعات معلومات يحرمن‏,‏ فتوفى رسول الله -صلى الله عليه وسلم‎- ‎والأمر على ذلك رواه مسلم وروى مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة‏,‏ عن سهلة بنت‏‎ ‎سهيل‏:‏ ‏(‏أرضعي سالما ‏خمس رضعات فيحرم بلبنها‏)‏ والآية فسرتها السنة وبينت‏‎ ‎الرضاعة المحرمة‏,‏ وصريح ما رويناه يخص مفهوم ما ‏رووه فنجمع بين الأخبار ونحملها‎ ‎على الصريح الذي رويناه‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 02:56 AM
‎ ‎فصل‏:‏‎ ‎

وإذا وقع الشك في وجود الرضاع‏,‏ أو في عدد الرضاع المحرم هل كملا‏‎ ‎أو لا‏؟‏ لم يثبت التحريم لأن الأصل عدمه فلا ‏نزول عن اليقين بالشك‏,‏ كما لو شك في‎ ‎وجود الطلاق وعدده‏.‏‎ ‎
المسألة الثانية‏:‏ أن تكون الرضعات متفرقات وبهذا قال الشافعي‏‎ ‎والمرجع في معرفة الرضعة إلى العرف لأن الشرع ‏ورد بها مطلقا ولم يحدها بزمن ولا‎ ‎مقدار‏,‏ فدل ذلك على أنه ردهم إلى العرف فإذا ارتضع الصبي وقطع قطعا بينا‏‎ ‎باختياره‏,‏ كان ذلك رضعة فإذا عاد كانت رضعة أخرى فأما إن قطع لضيق نفس‏,‏ أو‏‎ ‎للانتقال من ثدي إلى ثدي أو ‏لشيء يلهيه أو قطعت عليه المرضعة‏,‏ نظرنا فإن لم يعد‏‎ ‎قريبا فهي رضعة وإن عاد في الحال ففيه وجهان أحدهما‏,‏ أن ‏الأولى رضعة فإذا عاد فهي‎ ‎رضعة أخرى وهذا اختيار أبي بكر وظاهر كلام أحمد في رواية حنبل‏,‏ فإنه قال‏:‏ أما‏‎ ‎ترى الصبي يرتضع من الثدي فإذا أدركه النفس أمسك عن الثدي ليتنفس أو يستريح فإذا‎ ‎فعل ذلك فهي رضعة‏,‏ وذلك ‏لأن الأولى رضعة لو لم يعد فكانت رضعة وإن عاد كما لو قطع‎ ‎باختياره والوجه الآخر‏,‏ أن جميع ذلك رضعة وهو ‏مذهب الشافعي إلا فيما إذا قطعت‏‎ ‎عليه المرضعة ففيه وجهان لأنه لو حلف‏:‏ لا أكلت اليوم إلا أكلة واحدة فاستدام‏‎ ‎الأكل زمنا‏,‏ أو قطع لشرب الماء أو انتقال من لون إلى لون أو انتظار لما يحمل إليه‏‎ ‎من الطعام لم يعد إلا أكلة واحدة‏,‏ ‏فكذا ها هنا والأول أصح لأن اليسير من السعوط‎ ‎والوجور رضعة فكذا هذا‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 02:56 AM
‎ ‎مسألة‏:‏‎ ‎

قال الشافعي‏:‏ ‏[‏والسعوط كالرضاع وكذلك الوجور‏]‏‎ ‎
معنى السعوط‏:‏ أن يصب اللبن في أنفه من إناء أو غيره والوجور‏:‏ أن‏‎ ‎يصب في حلقه صبا من غير الثدي واختلفت ‏الرواية في التحريم بهما‏,‏ فأصح الروايتين‏‎ ‎أن التحريم يثبت بذلك كما يثبت بالرضاع وهو قول الشعبي والثوري ‏وأصحاب الرأي وبه‎ ‎قال مالك في الوجور والثانية لا يثبت بهما التحريم وهو اختيار أبي بكر‏,‏ ومذهب‏‎ ‎داود وقول ‏عطاء الخراساني في السعوط لأن هذا ليس برضاع وإنما حرم الله تعالى ورسوله‎ ‎بالرضاع ولأنه حصل من غير ‏ارتضاع‏,‏ فأشبه ما لو دخل من جرح في بدنه ولنا ما روى‏‎ ‎ابن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ ‏(‏لا رضاع‏,‏ ‏إلا ما أنشز العظم وأنبت‎ ‎اللحم‏)‏ رواه أبو داود ولأن هذا يصل به اللبن إلى حيث يصل بالارتضاع ويحصل به من‏‎ ‎إنبات اللحم وإنشاز العظم ما يحصل من الارتضاع‏,‏ فيجب أن يساويه في التحريم والأنف‏‎ ‎سبيل الفطر للصائم فكان ‏سبيلا للتحريم كالرضاع بالفم‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 02:57 AM
‎ ‎فصل‏:‏‎ ‎

وإنما يحرم من ذلك مثل الذي يحرم بالرضاع‏,‏ وهو خمس في الرواية‏‎ ‎المشهورة فإنه فرع على الرضاع فيأخذ حكمه‏,‏ ‏فإن ارتضع وكمل الخمس بسعوط أو وجور أو‎ ‎استعط أو أوجر وكمل الخمس برضاع‏,‏ ثبت التحريم لأنا جعلناه ‏كالرضاع في أصل التحريم‎ ‎فكذلك في إكمال العدد ولو حلبت في إناء دفعة واحدة‏,‏ ثم سقته غلاما في خمسة أوقات‏‎ ‎فهو خمس رضعات فإنه لو أكل من طعام خمس أكلات متفرقات‏,‏ لكان قد أكل خمس أكلات وإن‏‎ ‎حلبت في إناء ‏حلبات في خمسة أوقات ثم سقته دفعة واحدة كان رضعة واحدة كما لو جعل‎ ‎الطعام في إناء واحد في خمسة أوقات‏,‏ ‏ثم أكله دفعة واحدة كان أكلة واحدة وحكى عن‎ ‎الشافعي قول في الصورتين عكس ما قلنا اعتبارا لخروجه منها لأن ‏الاعتبار بالرضاع‎ ‎والوجور فرعه ولنا أن‏,‏ الاعتبار بشرب الصبي له لأنه المحرم ولهذا ثبت التحريم به‏‎ ‎من غير ‏رضاع ولو ارتضع بحيث يصل إلى فيه‏,‏ ثم مجه لم يثبت التحريم فكان الاعتبار‏‎ ‎به‏,‏ وما وجد منه إلا دفعة واحدة ‏فكان رضعة واحدة وإن سقته في أوقات‏,‏ فقد وجد في‎ ‎خمسة أوقات فكان خمس رضعات فأما إن سقته اللبن المجموع ‏جرعة بعد جرعة متتابعة‏,‏‎ ‎فظاهر قول الخرقي أنه رضعة واحدة لاعتباره خمس رضعات متفرقات ولأن المرجع في ‏الرضعة‎ ‎إلى العرف وهم لا يعدون هذا رضعات فأشبه ما لو أكل الآكل الطعام لقمة بعد لقمة‏,‏‎ ‎فإنه لا يعد أكلات ‏ويحتمل أن يرجع على ما إذا قطعت عليه المرضعة الرضاع على ما‎ ‎قدمنا‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 02:58 AM
‎ ‎فصل‏:‏‎ ‎

وإن عمل اللبن جبنا ثم أطعمه الصبي ثبت به التحريم وبهذا قال‎ ‎الشافعي وقال أبو حنيفة‏:‏ لا يحرم به لزوال الاسم ‏وكذلك على الرواية التي تقول‏:‏‎ ‎لا يثبت التحريم بالوجور لا يثبت ها هنا بطريق الأولى ولنا‏,‏ أنه واصل من الحلق‏‎ ‎يحصل به إنبات اللحم وإنشاز العظم فحصل به التحريم‏,‏ كما لو شربه‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 02:59 AM
‎ ‎فصل‏:‏‎ ‎

فأما الحقنة فقال أبو الخطاب‏:‏ المنصوص عن أحمد أنها لا تحرم وهو‎ ‎مذهب أبي حنيفة ومالك وقال ابن حامد‏,‏ وابن ‏أبي موسى‏:‏ تحرم وهذا مذهب الشافعي‏‎ ‎لأنه سبيل يحصل بالواصل منه الفطر فتعلق به التحريم‏,‏ كالرضاع ولنا أن ‏هذا ليس‎ ‎برضاع ولا يحصل به التغذي‏,‏ فلم ينشر الحرمة كما لو قطر في إحليله ولأنه ليس برضاع‏‎ ‎ولا في معناه‏,‏ فلم ‏يجز إثبات حكمه فيه ويفارق فطر الصائم فإنه لا يعتبر فيه إنبات‎ ‎اللحم‏,‏ ولا إنشاز العظم وهذا لا يحرم فيه إلا ما ‏أنبت اللحم وأنشز العظم ولأنه‎ ‎وصل اللبن إلى الباطن من غير الحلق أشبه ما لو وصل من جرح‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:00 AM
‎ ‎مسألة‏:‏‎ ‎

قال‏:‏ ‏[‏واللبن المشوب كالمحض‏]‏‎ ‎
المشوب‏:‏ المختلط بغيره والمحض‏:‏ الخالص الذي لا يخالطه سواه وسوى‏‎ ‎الخرقي بينهما‏,‏ سواء شيب بطعام أو ‏شراب أو غيره وبهذا قال الشافعي وقال أبو‎ ‎بكر‏:‏ قياس قول أحمد أنه لا يحرم لأنه وجور وحكى عن ابن حامد أنه ‏قال‏:‏ إن كان‏‎ ‎الغالب اللبن حرم وإلا فلا وهو قول أبي ثور‏,‏ والمزني لأن الحكم للأغلب ولأنه يزول‏‎ ‎بذلك الاسم ‏والمعنى المراد به ونحو هذا قول أصحاب الرأي وزادوا‏,‏ فقالوا‏:‏ إن‏‎ ‎كانت النار قد مست اللبن حتى أنضجت الطعام ‏أو حتى تغير فليس برضاع ووجه الأول‏,‏ أن‏‎ ‎اللبن متى كان ظاهرا فقد حصل شربه ويحصل منه إنبات اللحم وإنشاز ‏العظم‏,‏ فحرم كما‏‎ ‎لو كان غالبا وهذا فيما إذا كانت صفات اللبن باقية‏,‏ فأما إن صب في ماء كثير لم‎ ‎يتغير به لم يثبت ‏به التحريم لأن هذا ليس بلبن مشوب ولا يحصل به التغذي‏,‏ ولا‏‎ ‎إنبات اللحم ولا إنشاز العظم وحكي عن القاضي أن ‏التحريم يثبت به وهو قول الشافعي‎ ‎لأن أجزاء اللبن حصلت في بطنه فأشبه ما لو كان لونه ظاهرا ولنا‏,‏ أن هذا ليس ‏برضاع‎ ‎ولا في معناه فوجب أن لا يثبت حكمه فيه‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:00 AM
‎ ‎فصل‏:‏‎ ‎

وإن حلب من نسوة‏,‏ وسقيه الصبي فهو كما لو ارتضع من كل واحدة منهن‎ ‎لأنه لو شيب بماء أو عسل لم يخرج عن ‏كونه رضاعا محرما‏,‏ فكذلك إذا شيب بلبن آخر‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:01 AM
‎ ‎مسألة‏:‏‎ ‎

قال‏:‏ ‏[‏ويحرم لبن الميتة كما يحرم لبن الحية لأن اللبن لا‎ ‎يموت‏]‏ المنصوص عن أحمد‏,‏ في رواية إبراهيم الحربي أنه ‏ينشر الحرمة وهو اختيار‎ ‎أبي بكر وهو قول أبي ثور والأوزاعي‏,‏ وابن القاسم وأصحاب الرأي وابن المنذر وقال‏‎ ‎الخلال‏:‏ لا ينشر الحرمة وتوقف عنه أحمد‏,‏ في رواية مهنا وهو مذهب الشافعي لأنه‏‎ ‎لبن ممن ليس بمحل للولادة فلم ‏يتعلق به التحريم كلبن الرجل ولنا أنه وجد‎ ‎الارتضاع‏,‏ على وجه ينبت اللحم وينشز العظم من امرأة فأثبت التحريم ‏كما لو كانت‎ ‎حية ولأنه لا فارق بين شربه في حياتها وموتها إلا الحياة والموت أو النجاسة‏,‏ وهذا‏‎ ‎لا أثر له فإن اللبن ‏لا يموت والنجاسة لا تمنع‏,‏ كما لو حلب في وعاء نجس ولأنه لو‏‎ ‎حلب منها في حياتها فشربه بعد موتها لنشر ‏الحرمة‏,‏ وبقاؤه في ثديها لا يمنع ثبوت‏‎ ‎الحرمة لأن ثديها لا يزيد على الإناء في عدم الحياة وهي لا تزيد على عظم ‏الميتة في‎ ‎ثبوت النجاسة‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:02 AM
‎ ‎فصل‏:‏‎ ‎

ولو حلبت المرأة لبنها في إناء ثم ماتت‏,‏ فشربه صبي نشر الحرمة في‎ ‎قول كل من جعل الوجور محرما وبه قال أبو ‏ثور والشافعي وأصحاب الرأي‏,‏ وغيرهم وذلك‏‎ ‎لأنه لبن امرأة في حياتها فأشبه ما لو شربه وهي في الحياة‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:03 AM
‎ ‎مسألة‏:‏‎ ‎

قال‏:‏ ‏[‏وإذا حلبت ممن يلحق نسب ولدها به فثاب لها لبن‏,‏ فأرضعت‏‎ ‎به طفلا خمس رضعات متفرقات في حولين ‏حرمت عليه‏,‏ وبناتها من أبي هذا الحمل ومن‏‎ ‎غيره وبنات أبي هذا الحمل منها ومن غيرها وإن أرضعت صبية‏,‏ فقد ‏صارت ابنة لها‎ ‎ولزوجها لأن اللبن من الحمل الذي هو منه‏]‏‎ ‎
وجملة ذلك أن المرأة إذا حملت من رجل وثاب لها لبن فأرضعت به طفلا‎ ‎رضاعا محرما صار الطفل المرتضع ابنا ‏للمرضعة بغير خلاف‏,‏ وصار أيضا ابنا لمن ينسب‏‎ ‎الحمل إليه فصار في التحريم وإباحة الخلوة ابنا لهما وأولاده من ‏البنين والبنات‎ ‎أولاد أولادهما‏,‏ وإن نزلت درجتهم وجميع أولاد المرضعة من زوجها ومن غيره وجميع‏‎ ‎أولاد الرجل ‏الذي انتسب الحمل إليه من المرضعة ومن غيرها‏,‏ إخوة المرتضع وأخواته‏‎ ‎وأولاد أولادها أولاد إخوته وأخواته‏,‏ وإن ‏نزلت درجتهم وأم المرضعة جدته وأبوها‎ ‎جده وإخوتها أخواله‏,‏ وأخواتها خالاته وأبو الرجل جده وأمه جدته‏,‏ وإخوته ‏أعمامه‎ ‎وأخواته عماته وجميع أقاربهما ينتسبون إلى المرتضع كما ينتسبون إلى ولدهما من النسب‎ ‎لأن اللبن الذي ‏ثاب للمرأة مخلوق من ماء الرجل والمرأة‏,‏ فنشر التحريم إليهما ونشر‎ ‎الحرمة إلى الرجل وإلى أقاربه وهو الذي ‏يسمى لبن الفحل وفي التحريم به اختلاف‏,‏‎ ‎ذكرناه في باب ما يحرم نكاحه والجمع بينه والحجة القاطعة فيه‏,‏ ما روت ‏عائشة ‏(‏أن‎ ‎أفلح أخا أبي القعيس استأذن على بعد ما أنزل الحجاب فقلت‏:‏ والله لا آذن له حتى‎ ‎أستأذن رسول الله -‏صلى الله عليه وسلم- فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني‏,‏ ولكن‏‎ ‎أرضعتني امرأة أبي القعيس فدخل على رسول ‏الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت‏:‏ يا رسول‏‎ ‎الله -صلى الله عليه وسلم- إن الرجل ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني ‏امرأته قال‏:‏‎ ‎ائذني له فإنه عمك‏,‏ تربت يمينك قال عروة‏:‏ فبذلك كانت عائشة تأخذ بقول‏:‏ حرموا‏‎ ‎من الرضاع ما يحرم ‏من النسب‏)‏ متفق عليه وسئل ابن عباس عن رجل تزوج امرأتين فأرضعت‏‎ ‎إحداهما جارية‏,‏ والأخرى غلاما هل ‏يتزوج الغلام الجارية‏؟‏ فقال‏:‏ لا اللقاح واحد‏‎ ‎قال مالك‏:‏ اختلف قديما في الرضاعة من قبل الأب‏,‏ ونزل برجال من أهل ‏المدينة في‎ ‎أزواجهم منهم محمد بن المنكدر وابن أبي حبيبة فاستفتوا في ذلك‏,‏ فاختلف عليهم‏‎ ‎ففارقوا زوجاتهم فأما ‏المرتضع فإن الحرمة تنتشر إليه وإلى أولاده وإن نزلوا‏,‏ ولا‏‎ ‎تنتشر إلى من في درجته من إخوته وأخواته ولا إلى ‏أعلى منه كأبيه وأمه وأعمامه‎ ‎وعماته وأخواله وخالاته وأجداده وجداته‏,‏ فلا يحرم على المرضعة نكاح أبي الطفل‏‎ ‎المرتضع ولا أخيه ولا عمه‏,‏ ولا خاله ولا يحرم على زوجها نكاح أم الطفل المرتضع‏‎ ‎ولا أخته‏,‏ ولا عمته ولا خالته ‏ولا بأس أن يتزوج أولاد المرضعة‏,‏ وأولاد زوجها‏‎ ‎إخوة الطفل المرتضع وأخواته قال أحمد‏:‏ لا بأس أن يتزوج ‏الرجل أخت أخته من الرضاع‎ ‎ليس بينهما رضاع ولا نسب وإنما الرضاع بين الجارية وأخته‏.‏‎ ‎
إذا ثبت هذا‏,‏ فإن من شرط تحريم الرضاع أن يكون في الحولين وهذا‏‎ ‎قول أكثر أهل العلم روى نحو ذلك عن عمر ‏وعلي‏,‏ وابن عمر وابن مسعود وابن عباس‏,‏‎ ‎وأبى هريرة وأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- سوى عائشة وإليه ‏ذهب الشعبي وابن‎ ‎شبرمة والأوزاعي‏,‏ والشافعي وإسحاق وأبو يوسف‏,‏ ومحمد وأبو ثور ورواية عن مالك‏,‏‎ ‎وروي ‏عنه إن زاد شهرا جاز وروى شهران وقال أبو حنيفة‏:‏ يحرم الرضاع في ثلاثين شهرا‎ ‎لقوله سبحانه‏:‏ ‏‎{‎‏وحمله وفصاله ‏ثلاثون شهرا‏‎}‎‏ ولم يرد بالحمل حمل‏‎ ‎الأحشاء لأنه يكون سنتين فعلم أنه أراد الحمل في الفصال وقال زفر‏:‏ مدة ‏الرضاع‎ ‎ثلاث سنين وكانت عائشة ترى رضاعة الكبير تحرم ويروى هذا عن عطاء والليث‏,‏ وداود‏‎ ‎لما روى ‏(‏أن ‏سهلة بنت سهيل قالت‏:‏ يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا فكان‏‎ ‎يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد‏,‏ ويراني ‏فضلا وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت‎ ‎فكيف ترى فيه‏؟‏ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ أرضعيه فأرضعته خمس ‏رضعات فكان‎ ‎بمنزلة ولدها فبذلك كانت عائشة تأخذ‏,‏ تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها يرضعن من‏‎ ‎أحبت عائشة أن ‏يراها ويدخل عليها‏,‏ وإن كان كبيرا خمس رضعات وأبت ذلك أم سلمة‏‎ ‎وسائر أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ‏يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من‎ ‎الناس‏,‏ حتى يرضع في المهد وقلن لعائشة‏:‏ والله ما ندري لعلها رخصة من النبي ‏‏-صلى‎ ‎الله عليه وسلم- لسالم دون الناس‏)‏ رواه النسائي‏,‏ وأبو داود وغيرهما ولنا قول‏‎ ‎الله تعالى‏:‏ ‏‎{‎‏والوالدات يرضعن ‏أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم‎ ‎الرضاعة‏‎}‎‏ فجعل تمام الرضاعة حولين‏,‏ فيدل على أنه لا حكم لها بعدهما‏‎ ‎وعن ‏عائشة ‏(‏أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دخل عليها وعندها رجل فتغير وجه‏‎ ‎النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت‏:‏ ‏يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة فقال رسول‎ ‎الله -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ انظرن من إخوانكن‏,‏ فإنما الرضاعة من ‏المجاعة‏)‏‎ ‎الشافعي متفق عليه وعن أم سلمة قالت‏:‏ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏:‏‎ ‎‏(‏لا يحرم من الرضاع إلا ما ‏فتق الأمعاء‏,‏ وكان قبل الفطام‏)‏ أخرجه الترمذي‏‎ ‎وقال‏:‏ حديث حسن صحيح وعند هذا يتعين حمل خبر أبي حذيفة على ‏أنه خاص له دون الناس‎ ‎كما قال سائر أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- وقول أبي حنيفة‏,‏ تحكم يخالف ظاهر‏‎ ‎الكتاب وقول الصحابة فقد روينا عن علي وابن عباس أن المراد بالحمل حمل البطن وبه‎ ‎استدل على أن أقل مدة ‏الحمل ستة أشهر‏,‏ وقد دل على هذا قول الله تعالى‏:‏ ‏‎{‎‏وفصاله في‎ ‎عامين‏‎}‎‏ فلو حمل على ما قاله أبو حنيفة لكان مخالفا ‏لهذه الآية إذا ثبت‎ ‎هذا فالاعتبار بالعامين لا بالفطام‏,‏ فلو فطم قبل الحولين ثم ارتضع فيهما لحصل‏‎ ‎التحريم‏,‏ ولو لم ‏يفطم حتى تجاوز الحولين ثم ارتضع بعدهما قبل الفطام لم يثبت‎ ‎التحريم وقال ابن القاسم صاحب مالك‏:‏ لو ارتضع ‏بعد الفطام في الحولين‏,‏ لم تحرم‏‎ ‎لقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏وكان قبل الفطام‏)‏ ولنا قول الله تعالى‏:‏ ‏‎{‎‏والوالدات يرضعن أولادهن‎ ‎حولين كاملين‏‎}‎‏ وروي عنه عليه السلام‏:‏ ‏(‏لا رضاع إلا ما كان في‎ ‎الحولين‏)‏ والفطام معتبر بمدته لا بنفسه قال أبو ‏الخطاب‏:‏ لو ارتضع بعد الحولين‏‎ ‎بساعة لم يحرم وقال القاضي‏:‏ لو شرع في الخامسة‏,‏ فحال الحول قبل كمالها لم ‏يثبت‎ ‎التحريم ولا يصح هذا لأن ما وجد من الرضعة في الحولين كاف في التحريم بدليل ما لو‏‎ ‎انفصل مما بعده‏,‏ فلا ‏ينبغي أن يسقط حكم بإيصال ما لا أثر له به واشترط الخرقي في‎ ‎نشر الحرمة بين المرتضع وبين الرجل الذي ثاب ‏اللبن بوطئه أن يكون لبن حمل ينتسب إلى‎ ‎الواطئ إما لكون الوطء في نكاح أو ملك يمين‏,‏ أو بشبهة فأما لبن الزاني ‏أو النافي‎ ‎للولد باللعان فلا ينشر الحرمة بينهما‏,‏ في مفهوم كلام الخرقي وهو قول أبي عبد‏‎ ‎الله بن حامد ومذهب ‏الشافعي وقال أبو بكر عبد العزيز‏:‏ تنتشر الحرمة بينهما لأنه‏‎ ‎معنى ينشر الحرمة فاستوى في ذلك مباحه ومحظوره‏,‏ ‏كالوطء يحققه أن الواطئ حصل منه‎ ‎لبن وولد ثم إن الولد ينشر الحرمة بينه وبين الواطئ‏,‏ كذلك اللبن ولأنه رضاع ‏ينشر‎ ‎الحرمة إلى المرضعة فنشرها إلى الواطئ‏,‏ كصورة الإجماع ووجه القول الأول أن‏‎ ‎التحريم بينهما فرع لحرمة ‏الأبوة فلما لم تثبت حرمة الأبوة‏,‏ لم يثبت ما هو فرع‏‎ ‎لها ويفارق تحريم ابنته من الزنى لأنها من نطفته حقيقة بخلاف ‏مسألتنا ويفارق تحريم‎ ‎المصاهرة فإن التحريم ثم لا يقف على ثبوت النسب ولهذا تحرم أم زوجته وابنتها من غير‎ ‎نسب‏,‏ وتحريم الرضاع مبنى على النسب ولهذا قال عليه السلام‏:‏ ‏(‏يحرم من الرضاع‎ ‎ما يحرم من النسب‏)‏ فأما ‏المرضعة فإن الطفل المرتضع محرم عليها‏,‏ ومنسوب إليها‏‎ ‎عند الجميع وكذلك يحرم جميع أولادها وأقاربها الذين ‏يحرمون على أولادها على هذا‎ ‎المرتضع‏,‏ كما في الرضاع باللبن المباح وإن كان المرتضع جارية حرمت على ‏الملاعن‎ ‎بغير خلاف أيضا لأنها ربيبته‏,‏ فإنها بنت امرأته من الرضاع وتحرم على الزاني عند‎ ‎من يرى تحريم ‏المصاهرة‏,‏ وكذلك يحرم بناتها وبنات المرتضع من الغلمان لذلك‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:05 AM
‎ ‎فصل‏:‏‎ ‎

وإذا وطئ رجلان امرأة فأتت بولد فأرضعت بلبنه طفلا‏,‏ صار ابنا لمن‏‎ ‎ثبت نسب المولود منه سواء ثبت نسبه منه ‏بالقافة أو بغيرها وإن ألحقته القافة بهما‎ ‎صار المرتضع ابنا لهما‏,‏ فالمرتضع في كل موضع تبع للمناسب فمتى لحق ‏المناسب بشخص‎ ‎فالمرتضع مثله‏,‏ وإن انتفى المناسب عن أحدهما فالمرتضع مثله لأنه بلبنه ارتضع‏,‏‎ ‎وحرمته فرع ‏على حرمته وإن لم يثبت نسبه منهما لتعذر القافة أو لاشتباهه عليهم ونحو‎ ‎ذلك‏,‏ حرم عليهما تغليبا للحظر لأنه يحتمل ‏أن يكون منهما ويحتمل أن يكون ابن‎ ‎أحدهما‏,‏ فيحرم عليه أقاربه دون أقارب الآخر وقد اختلطت أخته بغيرها فحرم‎ ‎الجميع‏,‏ كما لو علم أخته بعينها ثم اختلطت بأجنبيات وإن انتفى عنهما جميعا بأن‏‎ ‎تأتي به لدون ستة أشهر من ‏وطئهما‏,‏ أو لأكثر من أربع سنين أو لدون ستة أشهر من وطء‏‎ ‎أحدهما أو لأكثر من أربع سنين من وطء الآخر‏,‏ انتفى ‏المرتضع عنهما أيضا فإن كان‎ ‎المرتضع جارية حرمت عليهما تحريم المصاهرة ويحرم أولادها عليها أيضا لأنها ‏ابنة‎ ‎موطوءتهما‏,‏ فهي ربيبة لهما‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:05 AM
‎ ‎فصل‏:‏‎ ‎

ولا تنتشر الحرمة بغير لبن الآدمية بحال فلو ارتضع اثنان من لبن‎ ‎بهيمة لم يصيرا أخوين‏,‏ في قول عامة أهل العلم ‏منهم الشافعي وابن القاسم وأبو ثور‎ ‎وأصحاب الرأي ولو ارتضعا من رجل‏,‏ لم يصيرا أخوين ولم تنتشر الحرمة بينه ‏وبينهما‎ ‎في قول عامتهم وقال الكرابيسي‏:‏ يتعلق به التحريم لأنه لبن آدمي‏,‏ أشبه لبن‏‎ ‎الآدمية وحكى عن بعض السلف ‏أنهما إذا ارتضعا من لبن بهيمة صارا أخوين وليس بصحيح‎ ‎لأن هذا لا يتعلق به تحريم الأمومة‏,‏ فلا يثبت به تحريم ‏الأخوة لأن الأخوة فرع على‎ ‎الأمومة وكذلك لا يتعلق به تحريم الأبوة لذلك‏,‏ ولأن هذا اللبن لم يخلق لغذاء‏‎ ‎المولود فلم ‏يتعلق به التحريم كسائر الطعام فإن ثاب لخنثى مشكل لبن‏,‏ لم يثبت به‏‎ ‎التحريم لأنه لم يثبت كونه امرأة فلا يثبت ‏التحريم مع الشك وقال ابن حامد‏:‏‏:‏ يقف‏‎ ‎الأمر حتى ينكشف أمر الخنثى فعلى قوله يثبت التحريم إلا أن يتبين كونه ‏رجلا لأنه لا‎ ‎يأمن كونه محرما‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:06 AM
‎ ‎فصل‏:‏‎ ‎

وإن ثاب لامرأة لبن من غير وطء‏,‏ فأرضعت به طفلا نشر الحرمة في‏‎ ‎أظهر الروايتين وهو قول ابن حامد‏,‏ ومذهب ‏مالك والثوري والشافعي‏,‏ وأبي ثور‏‎ ‎وأصحاب الرأي وكل من يحفظ عنه ابن المنذر لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وأمهاتكم ‏اللاتى‎ ‎أرضعنكم‏}‏ ولأنه لبن امرأة فتعلق به التحريم‏,‏ كما لو ثاب بوطء ولأن ألبان النساء‏‎ ‎خلقت لغذاء الأطفال وإن ‏كان هذا نادرا‏,‏ فجنسه معتاد والرواية الثانية لا ينشر‏‎ ‎الحرمة لأنه نادر لم تجر العادة به لتغذية الأطفال‏,‏ فأشبه لبن ‏الرجال والأول‎ ‎أصح‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:07 AM
‎ ‎فصل‏:‏‎ ‎

إذا كان لرجل خمس أمهات أولاد له منهن لبن فارتضع طفل من كل واحدة‎ ‎منهن رضعة‏,‏ لم يصرن أمهات له وصار ‏المولى أبا له وهذا قول ابن حامد لأنه ارتضع من‎ ‎لبنه خمس رضعات وفيه وجه آخر لا تثبت الأبوة لأنه رضاع لم ‏يثبت الأمومة‏,‏ فلم يثبت‏‎ ‎الأبوة كالارتضاع بلبن الرجل والأول أصح فإن الأبوة إنما تثبت لكونه رضع من لبنه لا‎ ‎لكون المرضعة أما له ولأصحاب الشافعي وجهان‏,‏ كهذين وإذا قلنا بثبوت الأبوة حرمت‏‎ ‎عليه المرضعات لأنه ‏ربيبهن وهن موطوءات أبيه وإن كان لرجل خمس بنات‏,‏ فأرضعن‏‎ ‎طفلا‎ ‎كل واحدة رضعة لم يصرن أمهات له وهل ‏يصير الرجل جدا له‏,‏ وأولاده أخوالا له‏‎ ‎وخالات‏؟‏ على وجهين‏:‏ أحدهما‏:‏ يصير جدا وأخوهن خالا لأنه قد كمل ‏للمرتضع خمس‎ ‎رضعات من لبن بناته أو أخواته فأشبه ما لو كان من واحدة والآخر‏:‏ لا يثبت ذلك لأن‏‎ ‎كونه جدا فرع ‏كون ابنته أما‏,‏ وكونه خالا فرع كون أخته أما ولم يثبت ذلك فلا يثبت‏‎ ‎الفرع وهذا الوجه يترجح في هذه المسألة‏:‏ لأن ‏الفرعية متحققة‏,‏ بخلاف التي قبلها‏‎ ‎فإن قلنا‏:‏ يصير أخوهن خالا لم تثبت الخئولة في حق واحدة منهن لأنه لم يرتضع ‏من‎ ‎لبن أخواتها خمس رضعات ولكن يحتمل التحريم لأنه قد اجتمع من اللبن المحرم خمس رضعات‎ ‎ولو كمل للطفل ‏خمس رضعات من أمه وأخته وابنته وزوجته وزوجة أبيه من كل واحدة‎ ‎رضعة‏,‏ خرج على الوجهين‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:08 AM
‎ ‎فصل‏:‏‎ ‎

إذا كان لامرأة لبن من زوج فأرضعت طفلا ثلاث رضعات وانقطع لبنها‏,‏‎ ‎فتزوجت آخر فصار لها منه لبن فأرضعت ‏منه الصبي رضعتين‏,‏ صارت أما له بغير خلاف‎ ‎علمناه عند القائلين بأن الخمس محرمات ولم يصر واحد من ‏الزوجين أبا له لأنه لم يكمل‎ ‎عدد الرضاع من لبنه‏,‏ ويحرم على الرجلين لكونه ربيبها لا لكونه ولدهما‏.‏

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:09 AM
مسألة‏:‏‎ ‎

قال‏:‏ ‏[‏ولو طلق زوجته ثلاثا وهي ترضع من لبن ولده‏,‏ فتزوجت بصبي‏‎ ‎مرضع فأرضعته فحرمت عليه‏,‏ ثم تزوجت ‏بآخر ودخل بها ووطئها ثم طلقها‏,‏ أو مات عنها‏‎ ‎لم يجز أن يتزوجها الأول لأنها صارت من حلائل الأبناء لما ‏أرضعت الصبي الذي تزوجت‎ ‎به‏]‏‎ ‎
هذه المسألة‏:‏ من فروع المسألة‏:‏ التي قبلها وهو أن المرتضع يصير‏‎ ‎ابنا للرجل الذي ثاب اللبن بوطئه فهذه المرأة لما ‏تزوجت صبيا‏,‏ ثم أرضعته بلبن‏‎ ‎مطلقها صار ابنا لمطلقها فحرمت عليه لأنها أمه وبانت منه‏,‏ وكانت زوجة له ‏فصارت‎ ‎زوجة لابن مطلقها فحرمت على الأول على التأبيد لكونها صارت من حلائل أبنائه ولو‎ ‎تزوجت امرأة ‏صبيا‏,‏ فوجدت به عيبا ففسخت نكاحه ثم تزوجت كبيرا‏,‏ فصار لها منه لبن‏‎ ‎فأرضعت به الصبي خمس رضعات ‏حرمت على زوجها لأنها صارت من حلائل أبنائه ولو زوج‎ ‎الرجل أم ولده أو أمته بصبي مملوك‏,‏ فأرضعته بلبن ‏سيدها خمس رضعات انفسخ نكاحه‎ ‎وحرمت على سيدها على التأبيد لأنها صارت من حلائل أبنائه فإن كان الصبى ‏حرا‏,‏ لم‏‎ ‎يتصور هذا الفرع لم يصح نكاحه لأن من شرط جواز نكاح الحر الأمة خوف العنت‏,‏ ولا‏‎ ‎يوجد ذلك في ‏الطفل فإن تزوج بها كان النكاح فاسدا وإن أرضعته‏,‏ لم تحرم على سيدها‏‎ ‎لأنه ليس بزوج في الحقيقة‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:10 AM
‎ ‎فصل‏:‏‎ ‎

وإذا طلق الرجل زوجته ولها منه لبن فتزوجت آخر لم يخل من خمسة أحوال‎ ‎أحدها‏,‏ أن يبقى لبن الأول بحاله لم يزد ‏ولم ينقص ولم تلد من الثاني‏,‏ فهو للأول‏‎ ‎سواء حملت من الثاني أو لم تحمل لا نعلم فيه خلافا لأن اللبن كان للأول ولم ‏يتجدد‎ ‎ما يجعله من الثاني‏,‏ فبقي للأول الثاني‏:‏ أن لا تحمل من الثاني فهو للأول سواء‏‎ ‎زاد أو لم يزد‏,‏ أو انقطع ثم عاد ‏أو لم ينقطع الثالث‏:‏ أن تلد من الثاني فاللبن‏‎ ‎له خاصة قال ابن المنذر‏:‏ أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم ‏وهو قول أبي‎ ‎حنيفة والشافعي‏,‏ سواء زاد أو لم يزد انقطع أو اتصل لأن لبن الأول ينقطع بالولادة‏‎ ‎من الثاني فإن ‏حاجة المولود إلى اللبن تمنع كونه لغيره الحال الرابع‏:‏ أن يكون لبن‏‎ ‎الأول باقيا‏,‏ وزاد بالحمل من الثاني فاللبن منهما ‏جميعا في قول أصحابنا وقال أبو‎ ‎حنيفة‏:‏ هو للأول‏,‏ ما لم تلد من الثاني وقال الشافعي‏:‏ إن لم ينته الحمل إلى‏‎ ‎حال ‏ينزل منه اللبن فهو للأول فإن بلغ إلى حال ينزل به اللبن‏,‏ فزاد به ففيه قولان‏‎ ‎أحدهما هو للأول والثاني‏,‏ هو لهما ولنا ‏أن زيادته عند حدوث الحمل ظاهر في أنها‎ ‎منه وبقاء لبن الأول يقتضي كون أصله منه‏,‏ فيجب أن يضاف إليهما كما ‏لو كان الولد‎ ‎منهما الحال الخامس‏:‏ انقطع من الأول ثم ثاب بالحمل من الثاني فقال أبو بكر‏:‏ هو‏‎ ‎منهما وهو أحد أقوال ‏الشافعي إذا انتهى الحمل إلى حال ينزل به اللبن وذلك لأن اللبن‎ ‎كان للأول‏,‏ فلما عاد بحدوث الحمل فالظاهر أن لبن ‏الأول ثاب بسبب الحمل الثاني‎ ‎فكان مضافا إليهما‏,‏ كما لو لم ينقطع واختار أبو الخطاب أنه من الثاني وهو القول‏‎ ‎الثاني للشافعي لأن لبن الأول انقطع فزال حكمه بانقطاعه وحدث بالحمل من الثاني‏,‏‎ ‎فكان له كما لو لم يكن لها لبن ‏من الأول وقال أبو حنيفة‏:‏ هو للأول ما لم تلد من‏‎ ‎الثاني وهو القول الثالث للشافعي لأن الحمل لا يقتضي اللبن‏,‏ وإنما ‏يخلقه الله‎ ‎تعالى للولد عند وجوده لحاجته إليه والكلام عليه قد سبق‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:10 AM
‎ ‎مسألة‏:‏‎ ‎

قال‏:‏ ‏[‏ولو تزوج كبيرة وصغيرة فلم يدخل بالكبيرة حتى أرضعت‎ ‎الصغيرة في الحولين‏,‏ حرمت عليه الكبيرة وثبت ‏نكاح الصغيرة وإن كان قد دخل‎ ‎بالكبيرة حرمتا عليه جميعا‏,‏ ويرجع بنصف مهر الصغيرة على الكبيرة‏]‏‎ ‎
نص أحمد على هذا كله في هذه المسألة‏:‏ فصول أربعة‏:‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:12 AM
‎ ‎الفصل الأول‏:‏‎ ‎

أنه متى تزوج كبيرة وصغيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة قبل دخوله بها‎ ‎فسد نكاح الكبيرة في الحال‏,‏ وحرمت على ‏التأبيد وبهذا قال الثوري والشافعي وأبو‎ ‎ثور‏,‏ وأصحاب الرأي وقال الأوزاعي‏:‏ نكاح الكبيرة ثابت وتنزع منه ‏الصغيرة وليس‎ ‎بصحيح فإن الكبيرة صارت من أمهات النساء فتحرم أبدا لقول الله سبحانه‏:‏ ‏‎{‎‏وأمهات نسائكم‏‎}‎‏‎ ‎ولم ‏يشترط دخوله بها‏,‏ فأما الصغيرة ففيها روايتان إحداهما نكاحها ثابت لأنها‏‎ ‎ربيبة‏,‏ ولم يدخل بأمها فلا تحرم لقول الله ‏سبحانه‏:‏ ‏‎{‎‏فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا‎ ‎جناح عليكم‏‎}‎‏ والرواية الثانية ينفسخ نكاحها وهو قول الشافعي‏,‏ وأبي‏‎ ‎حنيفة لأنهما ‏صارتا أما وبنتا واجتمعتا في نكاحه والجمع بينهما محرم‏,‏ فانفسخ‏‎ ‎نكاحهما كما لو صارتا أختين وكما لو عقد عليهما ‏بعد الرضاع عقدا واحدا ولنا‏,‏ أنه‏‎ ‎أمكن إزالة الجمع بانفساخ نكاح الكبيرة وهي أولى به لأن نكاحها محرم على التأبيد‎ ‎فلم يبطل نكاحهما به‏,‏ كما لو ابتدأ العقد على أخته وأجنبية ولأن الجمع طرأ على‏‎ ‎نكاح الأم والبنت فاختص الفسخ ‏بنكاح الأم‏,‏ كما لو أسلم وتحته امرأة وبنتها وفارق‏‎ ‎الأختين لأنه ليست إحداهما أولى بالفسخ من الأخرى وفارق ما لو ‏ابتدأ العقد عليهما‎ ‎لأن الدوام أقوى من الابتداء‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:14 AM
‎ ‎الفصل الثاني‏:‏‎ ‎

أنه إن كان دخل بالكبيرة حرمتا جميعا على الأبد‏,‏ وانفسخ نكاحهما‏‎ ‎لأن الكبيرة صارت من أمهات النساء والصغيرة‎ ‎ربيبة قد دخل بأمها فتحرم تحريما‎ ‎مؤبدا‏,‏ وإن كان الرضاع بلبنه صارت الصغيرة بنتا محرمة عليه لوجهين لكونها ‏بنته‎ ‎وربيبته التي دخل بأمها‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:15 AM
‎ ‎الفصل الثالث‏:‏‎ ‎

أن عليه نصف مهر الصغيرة لأن نكاحها انفسخ قبل دخوله بها من غير‎ ‎جهتها‏,‏ والفسخ إذا جاء من أجنبي كان ‏كطلاق الزوج في وجوب الصداق عليه ولا مهر‎ ‎للكبيرة إن لم يكن دخل بها لأن فسخ نكاحها بسبب من جهتها فسقط ‏صداقها‏,‏ كما لو‏‎ ‎ارتدت وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور‏,‏ وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا وإن‏‎ ‎كان دخل ‏بالكبيرة لم يسقط مهرها لأنه استقر بدخوله بها استقرارا لا يسقطه شيء ولذلك‎ ‎لا يسقط بردتها ولا بغيرها‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:15 AM
‎ ‎الفصل الرابع‏:‏‎ ‎

أنه يرجع على الكبيرة بما لزمه من صداق الصغيرة وبهذا قال الشافعي‎ ‎وحكى عن بعض أصحابه‏,‏ أنه يرجع بجميع ‏صداقها لأنها أتلفت البضع فوجب ضمانه وقال‎ ‎أصحاب الرأي‏:‏ إن كانت المرضعة أرادت الفساد رجع عليها بنصف ‏الصداق‏,‏ وإلا فلا‏‎ ‎يرجع بشيء وقال مالك‏:‏ لا يرجع بشيء ولنا أنه يرجع عليها بالنصف أنها قررته عليه‏‎ ‎وألزمته ‏إياه‏,‏ وأتلفت عليه ما في مقابلته فوجب عليها الضمان كما لو أتلفت عليه‏‎ ‎المبيع ولنا‏,‏ على أبي حنيفة أن ما ضمن في ‏العمد ضمن في الخطأ كالمال‏,‏ ولأنها‏‎ ‎أفسدت نكاحه وقررت عليه نصف الصداق فلزمها ضمانه‏,‏ كما لو قصدت ‏الإفساد ولنا على‎ ‎أن الزوج إنما يرجع بالنصف أن الزوج لم يغرم إلا النصف‏,‏ فلم يجب له أكثر مما غرم‏‎ ‎ولأنه ‏بالفسخ يرجع إليه بدل النصف الآخر فلم يجب له بدل ما أخذ بدله مرة أخرى‏,‏‎ ‎ولأن خروج البضع من ملك الزوج لا ‏قيمة له وإنما ضمنت المرضعة ها هنا لما ألزمت‎ ‎الزوج ما كان معرضا للسقوط بسبب يوجد من الزوجة فلم يرجع ‏ها هنا بأكثر مما‎ ‎ألزمته‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:17 AM
‎ ‎فصل‏:‏‎ ‎

والواجب نصف المسمى‏,‏ لا نصف مهر المثل لأنه إنما يرجع بما غرم‏‎ ‎والذي غرم نصف ما فرض لها فرجع به ‏وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي‏:‏ يرجع بنصف‏‎ ‎مهر المثل لأنه ضمان متلف‏,‏ فكان الاعتبار بقيمته دون ما ملكه به ‏كسائر الأعيان‎ ‎ولنا‏,‏ أن خروج البضع من ملك الزوج لا قيمة له بدليل ما لو قتلت نفسها أو ارتدت‏,‏‎ ‎أو أرضعت من ‏ينفسخ نكاحها بإرضاعه فإنها لا تغرم له شيئا وإنما الرجوع ها هنا بما‎ ‎غرم‏,‏ فلا يرجع بغيره ولأنه لو رجع بقيمة ‏المتلف لرجع بمهر المثل كله ولم يختص‎ ‎بنصفه لأن التلف لم يختص بالنصف‏,‏ ولأن شهود الطلاق قبل الدخول إذا ‏رجعوا لزمهم‎ ‎نصف المسمى كذا ها هنا‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:18 AM
‎ ‎فصل‏:‏‎ ‎

وكل امرأة تحرم ابنتها إذا أرضعت زوجته الصغيرة أفسدت نكاحه‏,‏‎ ‎وحرمتها عليه ولزمها نصف الصداق فإن ‏أرضعتها أمه‏,‏ صارت أخته وإن أرضعتها جدته‏‎ ‎صارت عمته أو خالته‏,‏ وإن أرضعتها بنته صارت بنت بنته وإن ‏أرضعتها أخته‏,‏ صارت‏‎ ‎بنت أخته وكل امرأة تحرم بنت زوجها عليه إذا أرضعتها بلبن زوجها حرمتها عليه‏,‏‎ ‎وعليها ‏نصف مهرها كامرأة ابنه وامرأة أبيه‏,‏ وامرأة أخيه وامرأة جده لأنها إن‏‎ ‎أرضعتها امرأة أبيه بلبنه صارت أخته‏,‏ وإن ‏أرضعتها امرأة ابنه صارت بنت ابنه وإن‎ ‎أرضعتها امرأة أخيه‏,‏ صارت بنت أخيه وإن أرضعتها امرأة جده بلبنه ‏صارت عمته أو‎ ‎خالته وإن أرضعتها امرأة أحد هؤلاء بلبن غيره‏,‏ لم تحرم عليه لأنها صارت ربيبة‏‎ ‎زوجها وإن ‏أرضعتها من لا تحرم بنتها كعمته وخالته لم تحرمها عليه ولو تزوج ابنة‎ ‎عمه‏,‏ فأرضعت جدتهما أحدهما صغيرا ‏انفسخ النكاح لأنها إن أرضعت الزوج صار عم زوجته‎ ‎وإن أرضعت الزوجة صارت عمة‏,‏ وإن أرضعتهما جميعا ‏صار كل واحد منهما عم الآخر وإن‎ ‎تزوج بنت عمته فأرضعت جدتهما أحدهما صغيرا انفسخ النكاح لأنها إن ‏أرضعت الزوج صار‎ ‎خالا لها‏,‏ وإن أرضعت الزوجة صارت عمته وإن تزوج ابنة خاله فأرضعت جدتهما الزوج‎ ‎صار عم زوجته وإن أرضعتها صارت خالته وإن تزوج ابنة خالته‏,‏ فأرضعت جدتهما الزوج‏‎ ‎صار خال زوجته وإن ‏أرضعتها صارت خالة زوجها‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:19 AM
‎ ‎فصل‏:‏‎ ‎

وإن تزوج كبيرة ثم طلقها‏,‏ فأرضعت صغيرة بلبنه صارت بنتا له وإن‏‎ ‎أرضعتها بلبن غيره صارت ربيبة‏,‏ فإن كان ‏قد دخل بالكبيرة حرمت الصغيرة على التأبيد‎ ‎وإن كان لم يدخل بها لم تحرم لأنها ربيبة لم يدخل بأمها وإن تزوج ‏صغيرة‏,‏ ثم طلقها‏‎ ‎فأرضعتها امرأة حرمت المرضعة على التأبيد لأنها من أمهات نسائه وإن تزوج كبيرة‎ ‎وصغيرة‏,‏ ‏ثم طلق الصغيرة فأرضعتها الكبيرة حرمت الكبيرة‏,‏ وانفسخ نكاحها فإن كان‏‎ ‎لم يدخل بها فلا مهر لها‏,‏ وله نكاح ‏الصغيرة وإن كان دخل بها فلها مهرها‏,‏ وتحرم‏‎ ‎هي والصغيرة على التأبيد وإن طلق الكبيرة وحدها قبل الرضاع ‏فأرضعت الصغيرة ولم يكن‎ ‎دخل بالكبيرة‏,‏ ثبت نكاح الصغيرة وإن كان دخل بها حرمت الصغيرة‏,‏ وانفسخ نكاحها‏‎ ‎ويرجع على الكبيرة بنصف صداقها وإن طلقهما جميعا فالحكم في التحريم على ما مضى ولو‎ ‎تزوج رجل كبيرة ‏وآخر صغيرة‏,‏ ثم طلقاهما ونكح كل واحد منهما زوجة الآخر ثم أرضعت‏‎ ‎الكبيرة الصغيرة‏,‏ حرمت عليهما الكبيرة ‏وانفسخ نكاحها وإن كان زوج الصغيرة دخل‎ ‎بالكبيرة‏,‏ حرمت عليه وانفسخ نكاحها وإلا فلا‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:20 AM
‎ ‎فصل‏:‏‎ ‎

وإن أرضعت بنت الكبيرة الصغيرة‏,‏ فالحكم في التحريم والفسخ حكم ما‏‎ ‎لو أرضعتها الكبيرة لأنها صارت جدتها ‏والرجوع بالصداق على المرضعة التي أفسدت‏‎ ‎النكاح وإن أرضعتها أم الكبيرة انفسخ نكاحهما معا لأنهما صارتا ‏أختين‏,‏ فإن كان لم‏‎ ‎يدخل بالكبيرة فله أن ينكح من شاء منهما ويرجع على المرضعة بنصف صداقهما‏,‏ وإن كان‏‎ ‎قد ‏دخل بالكبيرة فله نكاحها لأن الصغيرة لا عدة عليها وليس له نكاح الصغيرة حتى‎ ‎تنقضي عدة الكبيرة لأنها قد ‏صارت أختها‏,‏ فلا ينكحها في عدتها وكذلك الحكم إن‏‎ ‎أرضعتها جدة الكبيرة لأنها تصير عمة الكبيرة أو خالتها ‏والجمع بينهما محرم وكذلك‎ ‎الحكم إن أرضعتها أختها أو زوجة أخيها بلبنه لأنها صارت بنت أخت الكبيرة أو بنت‎ ‎أخيه وكذلك إن أرضعتها بنت أخيها أو بنت أختها ولا يحرم في شيء من هذا واحدة منهن‎ ‎على التأبيد لأنه تحريم ‏جمع إلا إذا أرضعتها بنت الكبيرة وقد دخل بأمها‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:20 AM
‎ ‎فصل‏:‏‎ ‎

ومن أفسد نكاح امرأة بالرضاع قبل الدخول‏,‏ غرم نصف صداقها وإن كان‏‎ ‎بعد الدخول فنص أحمد على أنه يرجع ‏عليه بالمهر كله وهو مذهب الشافعي لأن المرأة‎ ‎تستحق المهر كله على زوجها‏,‏ فيرجع بما لزمه كنصف المهر في ‏غير المدخول بها‎ ‎والصحيح -إن شاء الله تعالى-‏,‏ أنه لا يرجع على المرضعة بعد الدخول بشيء لأنها لم‏‎ ‎تقرر على ‏الزوج شيئا ولم تلزمه إياه فلم يرجع عليها بشيء‏,‏ كما لو أفسدت نكاح‏‎ ‎نفسها ولأنه لو ملك الرجوع بالصداق بعد ‏الدخول لسقط إذا كانت المرأة هي المفسدة‎ ‎للنكاح‏,‏ كالنصف قبل الدخول ولأن خروج البضع من ملك الزوج غير ‏متقوم على ما ذكرناه‎ ‎فيما مضى ولذلك لا يجب مهر المثل‏,‏ وإنما رجع الزوج بنصف المسمى قبل الدخول لأنها‏‎ ‎قررته عليه ولذلك يسقط إذا كانت هي المفسدة لنكاحها ولم يوجد ذلك ها هنا وهذا قول‎ ‎بعض أصحاب الشافعي ولأنه ‏لو رجع بالمهر بعد الدخول‏,‏ لم يخل إما أن يكون رجوعه‏‎ ‎ببدل البضع الذي فوتته أو بالمهر الذي أداه لا يجوز أن ‏يكون ببدل البضع لأنه لو وجب‎ ‎بدله‏,‏ لوجب له على الزوجة إذا فات بفعلها أو بقتلها ولكان الواجب له مهر مثلها‏‎ ‎ولا ‏يجوز أن يجب له بدل ما أداه إليها لذلك ولأنها ما أوجبته‏,‏ ولا لها أثر في‏‎ ‎إيجابه ولا أدائه ولا تقريره ولا نعلم بينهم ‏خلافا في أنها إذا أفسدت نكاح نفسها‎ ‎بعد الدخول أنه لا يسقط مهرها ولا يرجع عليها بشيء إن كان أداه إليها‏,‏ ولا في‏‎ ‎أنها إذا أفسدته قبل الدخول أنه يسقط صداقها وأنه يرجع عليها بما أعطاها فلو دبت‎ ‎صغيرة إلى كبيرة‏,‏ فارتضعت ‏منها خمس رضعات وهي نائمة وهما زوجتا رجل انفسخ نكاح‎ ‎الكبيرة‏,‏ وحرمت على التأبيد فإن كان دخل بالكبيرة ‏حرمت الصغيرة‏,‏ وانفسخ نكاحها‏‎ ‎ولا مهر للصغيرة لأنها فسخت نكاح نفسها وعليه مهر الكبيرة‏,‏ يرجع به على ‏الصغيرة‎ ‎عند أصحابنا ولا يرجع به‏,‏ على ما اخترناه وإن لم يكن دخل بالكبيرة فعليه نصف‏‎ ‎صداقها‏,‏ يرجع به على ‏مال الصغيرة لأنها فسخت نكاحها وإن ارتضعت الصغيرة منها‎ ‎رضعتين وهي نائمة ثم انتبهت الكبيرة‏,‏ فأتمت لها ‏ثلاث رضعات فقد حصل الفساد‎ ‎بفعلهما فيتقسط الواجب عليهما‏,‏ وعليه مهر الكبيرة وثلاثة أعشار مهر الصغيرة ‏يرجع‎ ‎به على الكبيرة‏,‏ وإن لم يكن دخل بالكبيرة فعليه خمس مهرها يرجع به على الصغيرة‏‎ ‎وهل ينفسخ نكاح ‏الصغيرة‏؟‏ على روايتين‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:21 AM
‎ ‎فصل‏:‏‎ ‎

وإن أفسد النكاح جماعة‏,‏ تقسط المهر عليهم فلو جاء خمس فسقين زوجة‏‎ ‎صغيرة من لبن أم الزوج خمس مرات ‏انفسخ نكاحها‏‎,‎‏ ولزمهن نصف مهرها بينهن فإن سقتها‏‎ ‎واحدة شربتين وأخرى ثلاثا فعلى الأولى الخمس‏,‏ وعلى الثانية ‏خمس وعشر وإن سقتها‎ ‎واحدة شربتين وسقاها ثلاث ثلاث شربات فعلى الأولى الخمس‏,‏ وعلى كل واحدة من الثلاث‏‎ ‎عشر وإن كان له ثلاث نسوة كبار وواحدة صغيرة فأرضعت كل واحدة من الثلاث الصغيرة‎ ‎أربع رضعات‏,‏ ثم حلبن ‏في إناء وسقينه الصغيرة حرم الكبار‏,‏ وانفسخ نكاحهن فإن لم‏‎ ‎يكن دخل بهن فنكاح الصغيرة ثابت‏,‏ على إحدى ‏الروايتين وعليه لكل واحدة منهن ثلث‎ ‎صداقها ترجع به على ضرتيها لأن فساد نكاحها حصل بفعلها وفعلهما‏,‏ فسقط ‏ما قابل‎ ‎فعلها وهو سدس الصداق وبقي عليه الثلث‏,‏ فرجع به على ضرتيها فإن كان صداقهن‏‎ ‎متساويا سقط‏,‏ ولم يجب ‏شيء لأنه يتقاص ما لها على الزوج بما يرجع به عليها إذ لا‎ ‎فائدة في أن يجب لها عليه ما يرجع به عليها‏,‏ وإن كان ‏مختلفا وهو من جنس واحد‎ ‎تقاصا منه بقدر أقلهما‏,‏ ووجبت الفضلة به لصاحبها وإن كان من أجناس ثبت التراجع‏,‏‎ ‎على ما ذكرنا وإن كان قد دخل بإحدى الكبار حرمت الصغيرة أيضا وانفسخ نكاحها‏,‏ ووجب‏‎ ‎لها نصف صداقها ‏ترجع به عليهن أثلاثا وللتي دخل بها المهر كاملا‏,‏ وفي الرجوع به‏‎ ‎ما أسلفناه من الخلاف وإن حلبن في إناء فسقته ‏إحداهن الصغيرة خمس مرات كان صداق‎ ‎ضراتها يرجع به عليها‏,‏ إن كان قبل الدخول بهن لأنها أفسدت نكاحهن ‏ويسقط مهرها إن‎ ‎لم يكن دخل بها وإن كان دخل بها‏,‏ فلها مهرها ولا ترجع به على أحد وإن كانت كل‏‎ ‎واحدة من ‏الكبار أرضعت الصغيرة خمس رضعات حرم الثلاث‏,‏ فإن كان لم يدخل بهن فلا‏‎ ‎مهر لهن عليه وإن كان دخل بهن‏,‏ ‏فعليه لكل واحدة مهرها لا يرجع به على أحد وتحرم‎ ‎الصغيرة‏,‏ ويرجع بما لزمه من صداقها على المرضعة الأولى ‏لأنها التي حرمتها عليه‎ ‎وفسخت نكاحها ولو أرضع الثلاث الصغيرة بلبن الزوج فأرضعتها كل واحدة رضعتين‏,‏ ‏صارت‎ ‎بنتا لزوجها في الصحيح وينفسخ نكاحها‏,‏ ويرجع بنصف صداقها عليهن على المرضعتين‏‎ ‎الأوليين منه أربعة ‏أخماسه وعلى الثالثة خمسه لأن رضعتها الأولى حصل بها التحريم‏,‏‎ ‎لكمال الخمس بها والثانية لا أثر لها في التحريم ‏فلم يجب عليها بها شيء‏,‏ ولا‏‎ ‎ينفسخ نكاح الأكابر لأنهن لم يصرن أمهات لها ولو كان لامرأته الكبيرة خمس بنات ‏لهن‎ ‎لبن‏,‏ فأرضعن امرأته الصغيرة رضاعا تصير به إحداهن أما لها لحرمت أمها وانفسخ‏‎ ‎نكاحها‏,‏ وهل ينفسخ نكاح ‏الصغيرة‏؟‏ على روايتين وإن أرضعت كل واحدة منهن الصغيرة‏‎ ‎رضعة فالصحيح أن الكبيرة لا تحرم بهذا لأن كونها ‏جدة ينبني على كون ابنتها أما وما‎ ‎صارت واحدة من بناتها أما‏,‏ ويحتمل أن تحرم لأنه قد كمل لها من بناتها خمس ‏رضعات‎ ‎وكذلك الحكم لو أرضعتها بنتها رضعة وبنت ابنها رضعة وبنات بناتها ثلاث رضعات ولو‎ ‎كمل لها من ‏زوجته بلبنه ومن أمه وأخته وابنته وابنة ابنه خمس رضعات‏,‏ فعلى الوجهين‏‎ ‎أصحهما لا يثبت تحريمها وفي الآخر ‏يثبت فعلى هذا الوجه‏,‏ ينفسخ نكاحها ويرجع عليهن‎ ‎بما غرم من صداقها على قدر رضاعهن فإن قيل‏:‏ فلم لا يرجع ‏عليهن على عدد رءوسهن‎ ‎لكون الرضاع مفسدا‏,‏ فيستوي قليله وكثيره كما لو طرح النجاسة جماعة في مائع في‏‎ ‎حالة ‏واحدة‏؟‏ قلنا‏:‏ لأن التحريم يتعلق بعدد الرضعات فكان الضمان متعلقا‏‎ ‎بالعدد‏,‏ بخلاف النجاسة فإن التنجيس لا يتعلق ‏بقدر فيستوي قليله وكثيره لكون‎ ‎القليل والكثير سواء في الإفساد‏,‏ فنظير ذلك أن يشرب في الرضعة من إحداهما أكثر‏‎ ‎مما يشرب من الأخرى‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:22 AM
‎ ‎فصل‏:‏‎ ‎

إذا كانت له زوجة أمة فأرضعت امرأته الصغيرة فحرمتها عليه‏,‏ وفسخت‏‎ ‎نكاحها كان ما لزمه من صداق الصغيرة ‏له في رقبة الأمة لأن ذلك من جنايتها وإن‎ ‎أرضعتها أم ولده أفسدت نكاحها‏,‏ وحرمتها عليه لأنها ربيبة دخل بأمها ‏وتحرم أم‎ ‎الولد عليه أبدا لأنها من أمهات نسائه ولا غرامة عليها لأنها أفسدت على سيدها‏,‏‎ ‎فإن كان قد كاتبها رجع ‏عليها لأن المكاتبة يلزمها أرش جنايتها وإن أرضعت أم ولده‎ ‎امرأة ابنه بلبنه فسخت نكاحها وحرمتها عليه لأنها ‏صارت أخته وإن أرضعت زوجة أبيه‎ ‎بلبنه‏,‏ حرمتها عليه لأنها صارت بنت ابنه ويرجع الأب على ابنه بأقل الأمرين ‏مما‎ ‎غرمه لزوجته أو قيمتها لأن ذلك من جناية أم ولده وإن أرضعت واحدة منهما بغير لبن‎ ‎سيدها لم تحرمها لأن كل ‏واحدة منهما صارت بنت أم ولده‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:23 AM
‎ ‎مسألة‏:‏‎ ‎

قال‏:‏ ‏[‏ولو تزوج بكبيرة وصغيرتين‏,‏ فأرضعت الكبيرة الصغيرتين‏‎ ‎حرمت عليه الكبيرة وانفسخ نكاح الصغيرتين‏,‏ ولا ‏مهر عليه للكبيرة ويرجع عليها بنصف‎ ‎صداق الصغيرتين وله أن ينكح من شاء منهما‏]‏‎ ‎
أما تحريم الكبيرة فلأنها صارت من أمهات النساء‏,‏ وأما انفساخ نكاح‏‎ ‎الصغيرتين فلأنهما صارتا أختين واجتمعتا في ‏الزوجية‏,‏ فينفسخ نكاحهما كما لو‏‎ ‎ارتضعتا معا ولا مهر للكبيرة لأن الفساد جاء من قبلها‏,‏ ويرجع عليها بنصف ‏صداق‎ ‎الصغيرتين لأنها أفسدت نكاحهما وله أن ينكح من شاء منهما لأن انفساخ نكاحهما للجمع‎ ‎ولا يوجب تحريما ‏مؤبدا وهذا على الرواية التي قلنا‏:‏ إنها إذا أرضعت الصغيرة‏,‏‎ ‎اختص الفسخ بالكبيرة فأما على الرواية التي تقول‏:‏ ‏ينفسخ نكاحهما معا فإنه يثبت‎ ‎نكاح الأخيرة من الصغيرتين لأن الكبيرة لما أرضعت الأولى انفسخ نكاحهما ثم ‏أرضعت‎ ‎الأخرى‏,‏ فلم تجتمع معهما في النكاح فلم ينفسخ نكاحها فأما إن كان دخل بالكبيرة‏‎ ‎حرمت‏,‏ وحرمت ‏الصغيرتان على التأبيد لأنهما ربيبتان قد دخل بأمهما‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:24 AM
‎ ‎فصل‏:‏‎ ‎

فإن أرضعت الصغيرتين أجنبية انفسخ نكاحهما أيضا وهذا قول أبي حنيفة‎ ‎والمزني وأحد قولي الشافعي‏,‏ وقال في ‏الآخر‏:‏ ينفسخ نكاح الأخيرة وحدها لأن سبب‏‎ ‎البطلان حصل بها وهو الجمع فأشبه ما لو تزوج إحدى الأختين بعد ‏الأخرى ولنا‏,‏ أنه‏‎ ‎جامع بين الأختين في النكاح فانفسخ نكاحهما كما لو أرضعتهما معا‏,‏ وفارق ما لو عقد‏‎ ‎على واحدة ‏بعد الأخرى فإن عقد الثانية لم يصح فلم يصر به جامعا بينهما‏,‏ وهاهنا‏‎ ‎حصل الجمع برضاع الثانية ولا يمكن القول ‏بأنه لم يصح فحصلتا معا في نكاحه‏,‏ وهما‏‎ ‎أختان لا محالة‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:24 AM
‎ ‎فصل‏:‏‎ ‎

وإن أرضعتهما بنت الكبيرة فالحكم في الفسخ كما لو أرضعتهن الكبيرة‎ ‎نفسها لأن الكبيرة تصير جدة لهما ولكن ‏الرجوع يكون على المرضعة المفسدة لنكاحهن‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:25 AM
‎ ‎مسألة‏:‏‎ ‎

قال‏:‏ ‏[‏وإن كن الأصاغر ثلاثا‏,‏ فأرضعتهن منفردات حرمت الكبيرة‏‎ ‎وانفسخ نكاح المرتضعتين أولا‏,‏ وثبت نكاح ‏آخرهن رضاعا فإن أرضعت إحداهن منفردة‏‎ ‎واثنتين بعد ذلك معا حرمت الكبيرة‏,‏ وانفسخ نكاح الأصاغر وتزوج ‏من شاء من الأصاغر‎ ‎وإن كان دخل بالكبيرة حرم الكل عليه على الأبد‏]‏‎ ‎
إنما حرمت الكبيرة لأنها صارت من أمهات النساء‏,‏ وانفسخ نكاح‏‎ ‎المرضعتين أولا لأنهما صارتا أختين في نكاحه ‏وثبت نكاح الأخيرة لأن رضاعها بعد‎ ‎انفساخ نكاح الصغيرتين اللتين قبلها فلم يصادف إخوتها جمعا في النكاح وإن ‏أرضعت‎ ‎إحداهن منفردة‏,‏ واثنتين بعد ذلك معا بأن تلقم كل واحدة منهما ثديا فيمتصان معا‏,‏‎ ‎أو تحلب من لبنها في إناء ‏فتسقيهما انفسخ نكاح الجميع لأنهن صرن أخوات في نكاحه وله‎ ‎أن يتزوج من شاء من الأصاغر لأن تحريمهن ‏تحريم جمع‏,‏ لا تحريم تأبيد فإنهن ربائب‏‎ ‎لم يدخل بأمهن وإن دخل بالكبيرة حرم الكل على الأبد لأنهن ربائب مدخول ‏بأمهن هذا‎ ‎على الرواية الأولى وعلى الأخرى‏,‏ لما أرضعت الأولى انفسخ نكاحها ونكاح الكبيرة‏‎ ‎لأنها صارت أمها ‏واجتمعتا في نكاحه‏,‏ ثم أرضعت الثانية فلم ينفسخ نكاحها لأنها‏‎ ‎منفردة بالرضاع في النكاح‏,‏ فلما أرضعت الثالثة ‏صارتا أختين فانفسخ نكاحهما‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:26 AM
‎ ‎فصل‏:‏‎ ‎

فإن أرضعتهن بنت الكبيرة‏,‏ فهو كما لو أرضعتهن أمها وإن كان لها‏‎ ‎ثلاث بنات فأرضعت كل واحدة منهن زوجة من ‏الأصاغر حرمت الكبيرة بإرضاع أولاهن‏,‏‎ ‎ويرجع على مرضعتها بما لزمه من مهرها لأنها أفسدت نكاحها ولا ‏ينفسخ نكاح الأصاغر‎ ‎لأنهن لم يصرن أخوات وإنما هن بنات خالات وعلى الرواية الأخرى‏,‏ ينفسخ نكاح‏‎ ‎المرضعة ‏الأولى لاجتماعها مع جدتها في النكاح ويثبت نكاح الأخيرتين ويرجع بما لزمه‎ ‎من مهر التي فسد نكاحها على التي ‏أرضعتها وإن كان دخل بالكبيرة‏,‏ حرم الكل عليه‎ ‎على الأبد ورجع على كل واحدة بما لزمه من مهر التي أرضعتها ‏وإن قلنا‏:‏ إنه يرجع‏‎ ‎بمهر الكبيرة رجع به على المرضعة الأولى لأنها التي أفسدت نكاحها‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:27 AM
‎ ‎مسألة‏:‏‎ ‎

قال‏:‏ ‏[‏وإذا شهدت امرأة واحدة على الرضاع حرم النكاح إذا كانت‎ ‎مرضية وقد روي عن أبي عبد الله‏,‏ -رحمه الله- ‏رواية أخرى‏:‏ إن كانت مرضية استحلفت‏‎ ‎فإن كانت كاذبة‏,‏ لم يحل الحول حتى تبيض ثدياها وذهب في ذلك إلى قول ‏ابن عباس رضي‎ ‎الله عنه‏]‏‎ ‎
وجملة ذلك أن شهادة المرأة الواحدة مقبولة‎ ‎في الرضاع إذا كانت مرضية‎ ‎وبهذا قال طاوس‏,‏ والزهري والأوزاعي ‏وابن أبي ذئب‏,‏ وسعيد بن عبد العزيز وعن أحمد‏‎ ‎رواية أخرى‏:‏ لا يقبل إلا شهادة امرأتين وهو قول الحكم لأن ‏الرجال أكمل من النساء‎ ‎ولا يقبل إلا شهادة رجلين فالنساء أولى وعن أحمد‏,‏ رواية ثالثة أن شهادة المرأة‏‎ ‎الواحدة ‏مقبولة وتستحلف مع شهادتها وهو قول ابن عباس‏,‏ وإسحاق لأن ابن عباس قال في‏‎ ‎امرأة زعمت أنها أرضعت رجلا ‏وأهله فقال‏:‏ إن كانت مرضية‏,‏ استحلفت وفارق امرأته‎ ‎وقال‏:‏ إن كانت كاذبة لم يحل الحول حتى يبيض ثدياها يعني ‏يصيبها فيها برص‏,‏ عقوبة‏‎ ‎على كذبها وهذا لا يقتضيه قياس ولا يهتدي إليه رأى فالظاهر أنه لا يقوله إلا توقيفا‎ ‎وقال ‏عطاء‏,‏ وقتادة والشافعي‏:‏ لا يقبل من النساء أقل من أربع لأن كل امرأتين‏‎ ‎كرجل وقال أصحاب الرأي‏:‏ لا يقبل فيه إلا ‏رجلان أو رجل وامرأتان وروي ذلك عن عمر‎ ‎لقول الله تعالى‏:‏ ‏‎{‎‏واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل‎ ‎وامرأتان‏‎}‎‏ ولنا‏,‏ ما روى عقبة بن الحارث قال‏:‏ ‏(‏تزوجت أم يحيى بنت‎ ‎أبي إهاب فجاءت أمة سوداء‏,‏ فقالت‏:‏ قد ‏أرضعتكما فأتيت النبي -صلى الله عليه‎ ‎وسلم- فذكرت ذلك له فقال‏:‏ وكيف‏,‏ وقد زعمت ذلك‏)‏ متفق عليه وفي لفظ ‏رواه‎ ‎النسائي قال‏:‏ ‏(‏فأتيته من قبل وجهه‏,‏ فقلت‏:‏ إنها كاذبة قال‏:‏ كيف وقد زعمت‏‎ ‎أنها قد أرضعتكما خل سبيلها‏)‏ وهذا ‏يدل على الاكتفاء بالمرأة الواحدة وقال‎ ‎الزهري‏:‏ فرق بين أهل أبيات في زمن عثمان رضي الله عنه بشهادة امرأة في ‏الرضاع‎ ‎وقال الأوزاعي‏:‏ فرق عثمان بين أربعة وبين نسائهم‏,‏ بشهادة امرأة في الرضاع وقال‏‎ ‎الشعبي‏:‏ كانت القضاة ‏يفرقون بين الرجل والمرأة بشهادة امرأة واحدة في الرضاع ولأن‎ ‎هذا شهادة على عورة فيقبل فيه شهادة النساء ‏المنفردات‏,‏ كالولادة وعلل الشافعي‏‎ ‎بأنه معنى يقبل فيه قول النساء المنفردات فيقبل فيه شهادة المرأة المنفردة‏,‏‎ ‎كالخبر‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:28 AM
فصل‏:‏‎ ‎

ويقبل فيه شهادة المرضعة على فعل نفسها لما ذكرنا من حديث عقبة من‎ ‎أن الأمة السوداء قالت‏:‏ قد أرضعتكما فقبل ‏النبي -صلى الله عليه وسلم- شهادتها‎ ‎ولأنه فعل لا يحصل لها به نفع مقصود ولا تدفع عنها به ضررا‏,‏ فقبلت شهادتها ‏به‎ ‎كفعل غيرها فإن قيل‏:‏ فإنها تستبيح الخلوة به والسفر معه‏,‏ وتصير محرما له‏‎ ‎قلنا‏:‏ ليس هذا من الأمور المقصودة ‏التي ترد بها الشهادة ألا ترى أن رجلين لو شهدا‎ ‎أن فلانا طلق زوجته‏,‏ وأعتق أمته قبلت شهادتهما وإن كان يحل لهما ‏نكاحهما بذلك‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:29 AM
فصل‏:‏‎ ‎

ولا تقبل الشهادة على الرضاع إلا مفسرة‏,‏ فلو قالت‏:‏ أشهد أن هذا‏‎ ‎ابن هذه من الرضاع لا تقبل لأن الرضاع المحرم ‏يختلف الناس فيه منهم من يحرم‎ ‎بالقليل‏,‏ ومنهم من يحرم بعد الحولين فلزم الشاهد تبيين كيفيته ليحكم الحاكم فيه‏‎ ‎باجتهاده‏,‏ فيحتاج الشاهد أن يشهد أن هذا ارتضع من ثدي هذه خمس رضعات متفرقات خلص‎ ‎اللبن فيهن إلى جوفه ‏في الحولين فإن قيل‏:‏ خلوص اللبن إلى جوفه لا طريق لهم إلى‏‎ ‎مشاهدته‏,‏ فكيف تجوز الشهادة‏؟‏ قلنا‏:‏ إذا علم أن هذه ‏المرأة ذات لبن ورأى الصبي‎ ‎قد التقم ثديها وحرك فمه في الامتصاص‏,‏ وحلقه في الاجتراع حصل ظن يقرب إلى ‏اليقين‎ ‎أن اللبن قد وصل إلى جوفه وما يتعذر الوقوف عليه بالمشاهدة‏,‏ اكتفى فيه بالظاهر‏‎ ‎كالشهادة بالملك وثبوت ‏الدين في الذمة‏,‏ والشهادة على النسب بالاستفاضة ولو قال‏‎ ‎الشاهد‏:‏ أدخل رأسه تحت ثيابها والتقم ثديها لا يقبل لأنه قد ‏يدخل رأسه ولا يأخذ‎ ‎الثدي وقد يأخذ الثدي ولا يمص‏,‏ فلا بد من ذكر ما يدل عليه وإن قال‏:‏ أشهد أن هذه‏‎ ‎أرضعت ‏هذا فالظاهر أنه يكتفى به في ثبوت أصل الرضاع لأن المرأة التي قالت‏:‏ قد‏‎ ‎أرضعتكما اكتفى بقولها‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:30 AM
مسألة‏:‏‎ ‎

قال‏:‏ ‏[‏وإذا تزوج امرأة ثم قال قبل الدخول‏:‏ هي أختي من الرضاعة‏‎ ‎انفسخ النكاح فإن صدقته المرأة‏,‏ فلا مهر لها وإن ‏أكذبته فلها نصف المهر‏]‏‎ ‎
وجملته أن الزوج إذا أقر أن زوجته أخته من الرضاعة‏,‏ انفسخ نكاحه‏‎ ‎ويفرق بينهما وبهذا قال الشافعي وقال أبو ‏حنيفة‏:‏ إذا قال‏:‏ وهمت أو أخطأت قبل‏‎ ‎قوله لأن قوله ذلك يتضمن أنه لم يكن بينهما نكاح‏,‏ ولو جحد النكاح ثم أقر به‏‎ ‎قبل‏,‏ كذلك ها هنا ولنا أنه أقر بما يتضمن تحريمها عليه فلم يقبل رجوعه عنه‏,‏ كما‏‎ ‎لو أقر بالطلاق ثم رجع أو أقر أن ‏أمته أخته من النسب وما قاسوا عليه غير مسلم‏,‏‎ ‎وهذا الكلام في الحكم فأما فيما بينه وبين ربه فينبني ذلك على علمه ‏بصدقه‏,‏ فإن‏‎ ‎علم أن الأمر كما قال فهي محرمة عليه ولا نكاح بينهما‏,‏ وإن علم كذب نفسه فالنكاح‎ ‎باق بحاله وقوله ‏كذب لا يحرمها عليه لأن المحرم حقيقة الرضاع لا القول وإن شك في‎ ‎ذلك‏,‏ لم تزل عن اليقين بالشك وقيل في حلها ‏له إذا علم كذب نفسه روايتان والصحيح‎ ‎ما قلناه لأن قوله ذلك إذا كان كذبا لم يثبت التحريم كما لو قال لها وهي أكبر‎ ‎منه‏:‏ هي ابنتي من الرضاعة إذا ثبت هذا‏,‏ فإنه إن كان قبل الدخول وصدقته المرأة‏‎ ‎فلا شيء لها لأنهما اتفقا على أن ‏النكاح فاسد من أصله‏,‏ لا يستحق فيه مهر فأشبه ما‏‎ ‎لو ثبت ذلك ببينة وإن أكذبته‏,‏ فالقول قولها لأن قوله غير مقبول ‏عليها في إسقاط‎ ‎حقوقها فلزمه إقراره فيما هو حق له وهو تحريمها عليه‏,‏ وفسخ نكاحه ولم يقبل قوله‏‎ ‎فيما عليه من ‏المهر‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:31 AM
فصل‏:‏‎ ‎

فإن قال‏:‏ هي عمتي أو خالتي أو ابنة أخي أو أختي أو أمي من الرضاع‏‎ ‎وأمكن صدقه‏,‏ فالحكم فيه كما لو قال‏:‏ هي ‏أختي وإن لم يمكن صدقه مثل أن يقول‎ ‎لأصغر منه أو لمثله‏:‏ هذه أمي أو لأكبر منه أو لمثله‏:‏ هذه ابنتي لم تحرم عليه‏‎ ‎وبهذا قال الشافعي وقال أبو يوسف ومحمد‏:‏ تحرم عليه لأنه أقر بما يحرمها عليه فوجب‎ ‎أن يقبل‏,‏ كما لو أمكن ولنا ‏أنه أقر بما تحقق كذبه فيه فأشبه ما لو قال‏:‏ أرضعتني‏‎ ‎وإياها حواء أو كما لو قال‏:‏ هذه حواء وما ذكروه منتقض بهذه ‏الصور‏,‏ ويفارق ما‏‎ ‎إذا أمكن فإنه لا يتحقق كذبه والحكم في الإقرار بقرابة من النسب تحرمها عليه‏,‏‎ ‎كالحكم في ‏الإقرار بالرضاع لأنه في معناه‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:31 AM
فصل‏:‏‎ ‎

إذا ادعى أن زوجته أخته من الرضاع فأنكرته فشهدت بذلك أمه أو‎ ‎ابنته‏,‏ لم تقبل شهادتهما لأن شهادة الوالدة لولدها ‏والوالد لولده غير مقبولة وإن‎ ‎شهدت بذلك أمها أو ابنتها قبلت وعنه لا يقبل بناء على شهادة الوالد على ولده والولد‎ ‎على والده وفي ذلك روايتان وإن ادعت ذلك المرأة‏,‏ وأنكره الزوج فشهدت لها أمها أو‏‎ ‎ابنتها لم تقبل‏,‏ وإن شهدت لها ‏أم الزوج أو ابنته فعلى روايتين‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:32 AM
مسألة‏:‏‎ ‎

قال‏:‏ ‏[‏وإن كانت المرأة هي التي قالت‏:‏ هو أخي من الرضاعة‏‎ ‎فأكذبها ولم تأت بالبينة على ما وصفت‏,‏ فهي زوجته ‏في الحكم‏]‏‎ ‎
وجملته أن المرأة إذا أقرت أن زوجها أخوها من الرضاعة فأكذبها لم‎ ‎يقبل قولها في فسخ النكاح لأنه حق عليها فإن ‏كان قبل الدخول‏,‏ فلا مهر لها لأنها‏‎ ‎تقر بأنها لا تستحقه فإن كانت قد قبضته لم يكن للزوج أخذه منها لأنه يقر بأنه حق‎ ‎لها‏,‏ وإن كان بعد الدخول فأقرت أنها كانت عالمة بأنها أخته وبتحريمها عليه‏‎ ‎ومطاوعة له في الوطء‏,‏ فلا مهر لها ‏أيضا لإقرارها بأنها زانية مطاوعة وإن أنكرت‎ ‎شيئا من ذلك‏,‏ فلها المهر لأنه وطء بشبهة وهي زوجته في ظاهر ‏الحكم لأن قولها عليه‎ ‎غير مقبول فأما فيما بينها وبين الله تعالى‏,‏ فإن علمت صحة ما أقرت به لم يحل لها‏‎ ‎مساكنته ‏وتمكينه من وطئها وعليها أن تفر منه‏,‏ وتفتدي نفسها بما أمكنها لأن وطأه‏‎ ‎لها زنى فعليها التخلص منه مهما أمكنها ‏كما قلنا في التي علمت أن زوجها طلقها‎ ‎ثلاثا‏,‏ وجحدها ذلك وينبغي أن يكون الواجب لها من المهر بعد الدخول أقل ‏الأمرين من‎ ‎المسمى أو مهر المثل لأنه إن كان المسمى أقل فلا يقبل قولها في وجوب زائد عليه وإن‎ ‎كان الأقل مهر ‏المثل‏,‏ لم تستحق أكثر منه لاعترافها بأن استحقاقها له بوطئها لا‎ ‎بالعقد فلا تستحق أكثر منه وإن كان إقرارها بأخوته ‏قبل النكاح لم يجز لها نكاحه ولا‎ ‎يقبل رجوعها عن إقرارها‏,‏ في ظاهر الحكم لأن إقرارها لم يصادف زوجية عليها ‏يبطلها‎ ‎فقبل إقرارها على نفسها بتحريمه عليها وكذلك لو أقر الرجل أن هذه أخته من الرضاع أو‎ ‎محرمة عليه ‏برضاع أو غيره‏,‏ وأمكن صدقه لم يحل له تزوجها فيما بعد ذلك في ظاهر‏‎ ‎الحكم‏,‏ وأما فيما بينه وبين الله تعالى فينبنى ‏على علمه بحقيقة الحال على ما‎ ‎ذكرناه‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:33 AM
فصل‏:‏‎ ‎

وإن ادعى أحد الزوجين على الآخر‏,‏ أنه أقر‏‎ ‎أنه أخو صاحبه من الرضاع‎ ‎فأنكر لم يقبل في ذلك شهادة النساء ‏المنفردات لأنها شهادة على الإقرار‏,‏ والإقرار‎ ‎مما يطلع عليه الرجال فلم يحتج فيه إلى شهادة النساء المنفردات فلم ‏يقبل ذلك‏,‏‎ ‎بخلاف الرضاع نفسه‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:34 AM
فصل‏:‏‎ ‎

كره أبو عبد الله الارتضاع بلبن الفجور والمشركات وقال عمر بن‎ ‎الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما‏:‏ ‏اللبن يشتبه فلا تستق من يهودية ولا‎ ‎نصرانية ولا زانية ولا يقبل أهل الذمة المسلمة‏,‏ ولا يرى شعورهن ولأن لبن ‏الفاجرة‎ ‎ربما أفضى إلى شبه المرضعة في الفجور ويجعلها أما لولده فيعتبر بها‏,‏ ويتضرر طبعا‏‎ ‎وتعيرا والارتضاع ‏من المشركة يجعلها أما لها حرمة الأم مع شركها‏,‏ وربما مال إليها‏‎ ‎في محبة دينها ويكره الارتضاع بلبن الحمقاء كيلا ‏يشبهها الولد في الحمق فإنه‎ ‎يقال‏:‏ إن الرضاع يغير الطباع والله تعالى أعلم‏.‏

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:35 AM
الأم_أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ‏



باب في الرضاع ‏
قال الشافعي أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عروة بن ال***ر أن رسول الله أمر ‏سهلة ابنة سهيل أن ترضع سالما خمس رضعات فيحرم بهن قال الشافعي أخبرنا ‏مالك عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة أنها ‏قالت كان فيما أنزل الله في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس ‏معلومات فتوفى رسول الله وهن مما يقرأ من القرآن قال الشافعي أخبرنا مالك عن ‏نافع أن سالم بن عبدالله أخبره أن عائشة زوج النبي أرسلت به وهو يرضع إلى أختها ‏أم كلثوم فأرضعته ثلاث رضعات ثم مرضت فلم ترضعه غير ثلاث رضعات فلم ‏يكن يدخل على عائشة من أجل أن أم كلثوم لم تكمل له عشر رضعات قال الشافعي ‏رحمه الله تعالى أخبرنا مالك عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد أنها أخبرته أن حفصة ‏أم المؤمنين أرسلت بعاصم بن عبدالله بن سعد إلى أختها فاطمة بنت عمر ترضعه ‏عشر رضعات ليدخل عليها وهو صغير يرضع ففعلت فكان يدخل عليها قال الشافعي ‏فرويتم عن عائشة أن الله أنزل كتابا أن يحرم من الرضاع بعشر رضعات ثم نسخن ‏بخمس رضعات وأن النبي توفى وهي مما يقرأ من القرآن وروى عن النبي أنه أمر ‏بأن يرضع سالم خمس رضعات يحرم بهن ورويتم عن عائشة وحفصة أمي المؤمنين ‏مثل ما روت عائشة وخالفتموه ورويتم عن ابن المسيب أن المصة الواحدة تحرم ‏فتركتم رواية عائشة ورأيها ورأي حفصة بقول ابن المسيب وأنتم تتركون على سعيد ‏بن المسيب رأيه برأي أنفسكم مع أنه روي عن النبي مثل ما روت عائشة وابن ‏ال***ر ووافق ذلك رأي أبي هريرة وهكذا ينبغي لكم أن يكون عندكم العمل قال ‏الشافعي أخبرنا أنس بن عياض عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبدالله ابن ال***ر ‏أن النبي قال لا تحرم المصة ولا المصتان فقلت للشافعي أسمع ابن ال***ر من النبي ‏فقال نعم وحفظه عنه وكان يوم توفى النبي ابن تسع سنين

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:36 AM
ما يحرم من النساء بالقرابة ‏
أخبرنا الربيع بن سليمان قال قال الشافعي رحمه الله تعالى قال الله تبارك وتعالى حرمت ‏عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم الآية قال الشافعي وإذا حرم من الرضاع ما حرم من ‏النسب لم يحل له أن ينكح من بنات الأم التي أرضعته وإن سفلن وبنات بنيها وبناتها وكل ‏من ولدته من قبل ولد ذكر أو أنثى امرأة وكذلك أمهاتها وكل من ولدها لأنهن بمنزلة ‏أمهاته وأخواته وكذلك أخواتها لأنهن خالاته وكذلك عماتها وخالاتها لأنهن عمات أمه ‏وخالات أمه وكذلك ولد الرجل الذي أرضعته لبنه وأمهاته وأخواته وخالاته وعماته ‏وكذلك من أرضعته بلن الرجل الذي أرضعته من الأم التي أرضعته أو غيرها وكذلك ‏من أرضع بلبن ولد المرأة التي أرضعته من أبيه الذي أرضعه بلبنه أو زوج غيره قال ‏الشافعي وإذا أرضعت المرأة مولودا فلا بأس أن يتزوج المرأة المرضع أبوه ويتزوج ‏ابنتها وأمها لأنها لم ترضعه هو وكذلك إن لم يتزوجها الأب فلا بأس أن يتزوجها أخو ‏المرضع الذي لم ترضعه هو لأنه ليس ابنها وكذلك يتزوج ولدها ولا بأس أن يتزوج ‏الغلام المرضع ابنة عمه وابنة خاله من الرضاع كما لا يكون بذلك بأس من النسب ولا ‏يجمع الرجل بين الأختين من الرضاعة بنكاح ولا وطء ملك وكذلك المرأة وعمتها من ‏الرضاعة يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب وذوات المحرم من الرضاعة مما ‏يحرم من نكاحهن ويسافر بهن كذوات المحرم من النسب وسواء رضاعة الحرة والأمة ‏والذمية كلهن أمهات وكلهن يحرمن كما تحرم الحرة لا فرق بينهن وسواء وطئت الأمة ‏بملك أو نكاح كل ذلك يحرم ولا بأس أن يتزوج الرجل المرأة وامرأة أبيها من الرضاع ‏والنسب قال الشافعي ولو شرب غلام وجارية لبن بهيمة من شاة أو بقرة أو ناقة لم يكن ‏هذا رضاعا إنما هذا كالطعام والشراب ولا يكون محرما بين من شربه إنما يحرم لبن ‏الآدميات لا البهائم وقال الله تعالى وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ‏وقال في الرضاعة فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وقال عز ذكره والوالدات يرضعن ‏أولادهن حولين كاملين لمن أراد أ يتم الرضاعة قال الشافعي فأخبر الله عز وجل أن ‏كمال الرضاع حولان وجعل على الرجل يرضع له ابنه أجر المرضع والأجر على ‏الرضاع لا يكون إلا على ماله مدة معلومة قال الشافعي والرضاع اسم جامع يقع على ‏المصة وأكثر منها إلى كمال رضاع الحولين ويقع على كل رضاع وإن كان بعد الحولين ‏قال الشافعي فلما كان هكذا وجب على أهل العلم طلب الدلالة هي يحرم الرضاع بأقل ما ‏يقع عليه اسم الرضاع أو معنى من الرضاع دون غيره قال الشافعي أخبرنا مالك عن ‏عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة أم المؤمنين أنها ‏قالت كان فيما أنزل الله تعالى في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن ‏بخمس معلومات فتوفى النبي وهن مما يقرأ من القرآن أخبرنا سفيان عن يحيى بن سعيد ‏عن عمرة عن عائشة أنها كانت تقول نزل القرآن بعشر رضعات معلومات يحرمن ثم ‏صيرن إلى خمس يحرمن فكان لا يدخل على عائشة إلا من استكمل خمس رضعات ‏أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن الحجاج بن الحجاج أظنه عن أبي هريرة ‏قال لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه ‏عن عبدالله ابن ال***ر أن النبي قال لا تحرم المصة والمصتان ولا الرضعة والرضعتان ‏أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عروة أن النبي أمر امرأة أبي حذيفة أن ترضع سالما ‏خمس رضعات تحرم بلبنها ففعلت فكانت تراه ابنا أخبرنا مالك عن نافع أن سالم بن ‏عبدالله أخبره أن عائشة أرسلت به وهو يرضع إلى أختها أم كلثوم فأرضعته ثلاث ‏رضعات ثم مرضت فلم ترضعه غير ثلاث رضعات فلم أكن أدخل على عائشة من أجل ‏أني لم يتم لي عشر رضعات قال الشافعي أمرت به عائشة أن يرضع عشرا لأنها أكثر ‏الرضاع ولم يتم له خمس فلم يدخل عليها ولعل سالما أن يكون ذهب عليه قول عائشة في ‏العشر الرضعات فنسخن بخمس معلومات فحدث عنها بما علم من أنه أرضع ثلاثا فلم ‏يكن يدخل عليها وعلم أن ما أمرت أن يرضع عشرا فرأي أنه إنما يحل الدخول عليها ‏عشر وإنما أخذنا بخمس رضعات عن النبي بحكاية عائشة أنه يحرمن وأنهن من القرآن ‏قال الشافعي ولا يحرم من الرضاع إلا خمس رضعات متفرقات وذلك أن يرضع ‏المولود ثم يقطع الرضاع ثم يرضع ثم يقطع الرضاع فإذا رضع في واحدة منهن ما يعلم ‏أنه قد وصل إلى جوفه ما قل منه وكثر فهي رضعة وإذا قطع الرضاع ثم عاد لمثلها أو ‏أكثر فهي رضعة قال الشافعي وإن التقم المرضع الثدي ثم لها بشيء قليلا ثم عاد كانت ‏رضعة واحدة ولا يكون القطع إلا ما انفصل انفصالا بينا كما يكون الحالف لا يأكل ‏بالنهار إلا مرة فيكون يأكل ويتنفس بعد الازدراد إلى أن يأكل فيكون ذلك مرة وإن طال ‏قال الشافعي ولو قطع ذلك قطعا بينا بعد قليل أو كثير من الطعام ثم أكل كان حانثا وكان ‏هذا أكلتين قال الشافعي ولو أخذ ثديها الواحد فأنفد ما فيه ثم تحول إلى الآخر مكانه فأنفذ ‏ما فيه كانت هذه رضعة واحدة لأن الرضاع قد يكون بقية النفس والإرسال والعودة كما ‏يكون الطعام والشراب بقية النفس وهو طعام واحد ولا ينظر في هذا إلى قليل رضاعه ‏ولا كثيره إذا وصل إلى جوفه منه شيء فهو رضعة وما لم يتم خمسا لم يحرم بهن قال ‏الشافعي والوجور كالرضاع وكذلك السعوط لأن الرأس جوف قال الشافعي فإن قال قائل ‏فلم لم تحرم برضعة واحدة وقد قال بعض من مضى أنها تحرم قيل بما حكينا أن عائشة ‏تحكي أن الكتاب يحرم عشر رضعات ثم نسخن بخمس وبما حكينا أن النبي قال لا تحرم ‏الرضعة ولا الرضعتان وأمر رسول الله أن يرضع سالم خمس رضعات يحرم بهن فدل ‏ما حكت عائشة في الكتاب وما قال رسول الله أن الرضاع لا يحرم به على أقل اسم ‏الرضاع ولم يكن في أحد مع النبي حجة وقد قال بعض من مضى بما حكت عائشة في ‏الكتاب ثم في السنة والكفاية فيما حكت عائشة في الكتاب ثم في السنة فإن قال قائل فما ‏يشبه هذا قيل قول الله عز وجل والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما فسن النبي القطع في ‏ربع دينار وفي السرقة من الحرز وقال تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ‏مائة جلدة فرجم النبي الزانيين الثيبين ولم يجلدهما فاستدللنا بسنة رسول الله على أن ‏المراد بالقطع من السارقين والمائة من الزناة بعض الزناة دون بعض وبعض السارقين ‏دون بعض لا من لزمه اسم سرقة وزنا فهكذا استدللنا بسنة رسول الله أن المراد بتحريم ‏الرضاع بعض المرضعين دون بعض لا من لزمه اسم رضاع قال الشافعي والأمهات أم ‏الرجل الوالدة وأمهاتها وأمهات آبائه وإن بعدت الجدات لأنهن يلزمهن اسم الأمهات ‏والبنات بنات الرجل لصلبه وبنات بنيه وبناتهن وإن سفلن فكلهن يلزمهن اسم البنات كما ‏لزم الجدات اسم الأمهات وإن علون وتباعدن منه وكذلك ولد الولد وإن سفلوا والأخوات ‏من ولد أبيه لصلبه أو أمه نفسها وعماته من ولد جده الأدنى أو الأقصى ومن فوقهما من ‏أجداده وخالاته من ولدته أم أمه وأمها ومن فوقهما من جداته من قبلها وبنات الأخ كل ما ‏ولد الأخ لأبيه أو لأمه أو لهما من ولد ولدته والدته فكلهم بنو أخيه وإن تسفلوا وهكذا ‏بنات الأخت قال الشافعي وحرم الله تعالى الأخت من الرضاعة فاحتمل تحريمها معنيين ‏أحدهما إذ ذكر الله تحريم الأم والأخت من الرضاعة فأقامهما في التحريم مقام الأم ‏والأخت من النسب أن تكون الرضاعة كلها تقوم مقام النسب فما حرم بالنسب حرم ‏بالرضاع مثله وبهذا نقول بدلالة سنة رسول الله والقياس على القرآن والآخر أن يحرم ‏من الرضاع الأم والأخت ولا يحرم سواهما قال الشافعي فإن قال قائل فأين دلالة السنة ‏بأن الرضاعة تقوم مقام النسب قيل له إن شاء الله تعالى أخبرنا مالك بن أنس عن عبدالله ‏بن دينار عن سليمان بن يسار عن عروة بن ال***ر عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن ‏رسول الله قال يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة أخبرنا مالك عن عبدالله بن أبي ‏بكر عن عمرة بنت عبدالرحمن أن عائشة زوج النبي أخبرتها أن النبي كان عندها وأنها ‏سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة فقالت عائشة فقلت يا رسول الله هذا رجل ‏يستأذن في بيتك فقال رسول الله أراه فلانا لعم حفصه من الرضاعة فقلت يا رسول الله لو ‏كان فلان حيا لعمها من الرضاعة فقلت يا رسول الله لو كان فلانا حيا لعمها من ‏الرضاعة أيدخل علي فقال رسول الله نعم إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة أخبرنا ‏ابن عيينة قال سمعت ابن جدعان قال سمعت ابن المسيب يحدث عن علي بن أبي طالب ‏رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله هل لك في ابنة عمك بنت حمزة فإنها أجمل فتاة في ‏قريش فقال أما علمت أن حمزة أخي من الرضاعة وأن الله تعالى حرم من الرضاعة ما ‏حرم من النسب أخبر الدراوردي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي في ‏ابنة حمزة مثل حديث سفيان في بنت حمزة قال الشافعيوفي نفس السنة أنه يحرم من ‏الرضاع ما يحرم من الولادة وأن لبن الفحل يحرم كما يحرم ولادة الأب يحرم لبن الأب ‏لا اختلاف في ذلك أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عمرو بن الشريد أن ابن عباس سئل ‏عن رجل كانت له امرأتان فأرضعت إحداهما غلاما وأرضعت الأخرى جارية فقيل له ‏هل يتزوج الغلام الجارية فقال لا اللقاح واحد أخبرنا سعيد بن سالم قال أخبرنا ابن جريج ‏أنه سأل عطاء عن لبن الفحل أيحرم فقال نعم فقلت له أبلغك من ثبت فقال نعم قال ابن ‏جريج قال عطاء وأخواتكم من الرضاعة فهي أختك من أبيك أخبرنا سعيد بن سالم عن ‏ابن جريج عن عمرو بن دينار أخبره أنه سمع أبا الشعثاء يرى لبن الفحل يحرم وقال ابن ‏جريج عن ابن طاوس عن أبيه أنه قال لبن الفحل يحرم قال الشافعي وإذا تزوج الرجل ‏المرأة فماتت أو طلقها قبل أن يدخل بها لم أر له أن ينكح أمها لأن الأم مبهمة التحريم في ‏كتاب الله عز وجل ليس فيها شرط إنما الشرط في الربائب قال الشافعي وهذا قول الأكثر ‏من المفتين وقول بعض أصحاب النبي أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد قال سئل زيد بن ‏ثابت عن رجل تزوج امرأة ففارقها قبل أن يصيبها هل تحل له أمها فقال زيد بن ثابت لا ‏الأم مبهمة ليس فيها شرط إنما الشرط في الربائب قال الشافعي وهكذا أمهاتها وإن بعدن ‏وجداتها لأنهن من أمهات نسائه قال الشافعي وإذا تزوج الرجل المرأة فلم يدخل بها حتى ‏ماتت أو طلقها فكل بنت لها وإن سفلن حلال لقول الله عز وجل وربائبكم اللاتي في ‏حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم فلو نكح ‏امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها ثم نكح ابنتها حرمت عليه أم امرأته وإن لم يدخل ‏بامرأته لأنها صارت من أمهات نسائه وقد كانت قبل من نسائه غير أنه لم يدخل بها ولو ‏كان دخل بالأم لم تحل له البنت ولا أحد ممن ولدته البنت أبدا لأنهن ربائبه من امرأته ‏التي دخل بها قال الله عز وجل وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم فأي امرأة نكحها رجل ‏حرمت على أبيه دخل بها الابن أو لم يدخل وكذلك تحرم على جميع آبائه من قبل أبيه ‏وأمه لأن الأبوة تجمعهم معا وكذلك كل من نكح ولد ولده من قبل النساء والرجال وإن ‏سفلوا لأن الأبوة تجمعهم معا قال الله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد ‏سلف فأي امرأة نكحها رجل حرمت على ولده دخل بها الأب أو لم يدخل بها وكذلك ولد ‏ولده من قبل الرجال والنساء وإن سفلوا لأن الأبوه تجمعهم معا قال الشافعي وكل امرأة ‏أب أو ابن حرمتها على ابنه أو أبيه بنسب فكذلك أحرمها إذا كانت امرأة أب أو أبن من ‏الرضاع فإن قال قائل إنما قال الله تبارك وتعالى وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ‏فكيف حرمت حليلة الابن من الرضاعة قيل بما وصفت من جمع الله بين الأم والأخت ‏من الرضاعة والأم والأخت من النسب في التحريم ثم بأن النبي قال يحرم من الرضاع ‏ما يحرم من النسب فإن قال فهل تعلم فيم أنزلت وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم قيل ‏الله تعالى أعلم فيم أنزلها فأما معنى ما سمعت متفرقا فجمعته فإن رسول الله أراد نكاح ‏ابنة جحش فكانت عند زيد بن حارية فكان النبي تبناه فأمر الله تعالى ذكره أن يدعى ‏الأدعياء لآبائهم فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين وقال وما جعل أدعيائكم أبناءكم ‏إلى قوله ومواليكم وقال لنبيه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلايكون على ‏المؤمنين حرج الآية قال الشافعي فأشبه والله تعالى أعلم أن يكون قوله وحلائل أبنائكم ‏الذين من أصلابكم دون أدعيائكم الذين تسمونهم أبناءكم ولا يكون الرضاع من هذا في ‏شيء وحرمنا من الرضاع بما حرم الله قياسا عليه وبما قال رسول الله أنه يحرم من ‏الرضاع ما يحرم من الولادة قال الشافعي في قول الله عز وجل ولا تنكحوا ما نكح ‏آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف وفي قوله وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف كان ‏أكبر ولد الرجل يخلف على امرأة أبيه وكان الرجل يجمع بين الأختين فنهى الله عز وجل ‏عن أن يكون منهم أحد يجمع في عمره بين أختين أؤ ينكح ما نكج أبوه إلا ما قد سلف في ‏الجاهلية قبل علمهم بتحريمه ليس أنه أقر في أيديهم ما كانوا قد جمعوا بينه قبل الإسلام ‏كما أقرهم النبي على نكاح الجاهلية الذي لا يحل في الإسلام بحال قال الشافعي وما ‏حرمنا على الآباء من نساء الأبناء وعلى الأبناء من نساء الآباء وعلى الرجل من أمهات ‏نسائه وبنات نسائه اللاتي دخل بهن بالنكاح فأصيب فأما بالزنا فلا حكم للزنا يحرم حلالا ‏فلو زنى رجل بامرأة لم تحرم عليه ولا على ابنه ولا على أبيه وكذلك لو زنى بأم امرأته ‏أو بنت امرأته لم تحرم عليه امرأته وكذلك لو كانت تحته امرأة فزنى بأختها لم يجتنب ‏امرأته ولم يكن جامعا بين الأختين وإن كانت الإصابة بنكاح فاسد احتمل أن يحرم من ‏قبل أنه يثبت فيه النسب ويؤخذ فيه المهر ويدرأ فيه الحد وتكون فيه العدة وهذا حكم ‏الحلال وأحب إلى أن يحرم به من غير أن يكون واضحا فلو نكح رجل امرأة نكاحا ‏فاسدا فأصابها لم يحل له عندي أن ينكح أمها ولا ابنتها ولا ينكحها أبوه ولا ابنه وإن لم ‏يصب الناكح نكاحا فاسدا لم يحرم عليه النكاح الفاسد بلا إصابة فيه شيئا من قبل أن ‏حكمه لا يكون فيه صداق ولا يلحق فيه نكاحا فاسدا لم يحرم عليه النكاح الفاسد بلا ‏إصابة فيه شيئا من قبل أن حكمه لا يكون فيه صداق ولا يلحق فيه طلاق ولا شيء مما ‏بين الزوجين قال الشافعي وقد قال غيرنا لا يحرم النكاح الفاسد وإن كان فيه الإصابة ‏كما لا يحرم الزنا لأنها ليست من الأزواج ألا ترى أن الطلاق لا يلحقها ولا ما بين ‏الزوجين وقد قال غيرنا وغيره كل ما حرمه الحلال فالحرام أشد له تحريما قال الشافعي ‏وقد وصفنا في كتاب الاختلاف ذكر هذا وغيره وجماعه أن الله عز وجل إنما أثبت ‏الحرمة بالنسب والصهر وجعل ذلك نعمة من نعمه على خلقه فمن حرم من النساء على ‏الرجال فيحرمه الرجال عليهن ولهن على الرجال من الصهر كحرمة النسب وذلك أنه ‏رضي النكاح وأمر به وندب إليه فلا يجوز أن تكون الحرمة التي أنعم الله تعالى بها على ‏أن من أتى شيئا دعاه الله تعالى إليه كالزاني العاصي لله الذي حده الله وأوجب له النار إلا ‏أن يعفو عنه وذلك أن التحريم بالنكاح إنما هو نعمة لا نقمة فالنعمة التي تثبت بالحلال لا ‏تثبت بالحرام الذي جعل الله فيه النقمة عاجلا وآجلا وهكذا لو زنى رجل بأخت امرأته لم ‏يكن هذا جمعا بينهما ولم يحرم عليه أن ينكح أختها التي زنى بها مكانها

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:39 AM
المجموع - محيى الدين النووي ج 15 ‏



‏(فرع) مذهب الشافعي رضى الله عنه على أنه يجوز استئجار الام لارضاع ولدها. وقال أبو حنيفة: لا يجوز ما ‏دامت في النكاح أو العدة اه‍. ولا يجوز استئجار امرأة حرة منكوحة لرضاع أو غيره مما يؤدى إلى خلوة ‏محرمة إلا بإذن زوجها على الاصح، ويؤخذ من قول الاذرعى أنه يجوز لها ذلك إذا كان زوجها غائبا فأجرت ‏نفسها لعمل مباح لا خلوة فيه بأجنبى ينقضى أجله قبل قدومه، وقد اعترض الغزى على هذا بأن المرأة ‏ومنافعها مستحقة لزوجها بعقد النكاح. قال الرملي: وهذا الاعتراض ممنوع بأنه لا يستحقها، وانما يستحق ‏المنفعة منها وهى متعذرة منه، ولو اختلفت الزوجة مع زوجها حول الاذن صدق الزوج ولا كلام. على أن ‏الاقيس على ظاهر المذهب أنه يصح لها ذلك على حد قول الاذرعى لانه لما جاز للزوج أن يستأجر زوجته ‏لارضاع ولده ولو كان منها فان ذلك يفيد بمفهومه ملكها المنفعة، إذا تقرر هذا فهل يجوز أن يستأجر المرضعة ‏بطعامها وكسوتها ؟ مذهب الشافعي على أن ذلك لا يجوز في الظئر ولا في غيره من أنواع الاجارات وقد ‏اختلفت الرواية عن أحمد فيمن استأجر أجيرا بطعامه وكسوته أو جعل أجرا وشرط طعامه وكسوته فروى عنه ‏جواز ذلك وهو مذهب مالك واسحاق وروى عن أبى بكر وعمر وأبى موسى أنهم استأجروا الاجراء بطعامهم ‏وكسوتهم، وروى عن أحمد أن ذلك جائز في الظئر دون غيره لقوله تعالى (وعلى المولود له رزقهن ‏وكسوتهن بالمعروف) فأوجب لهن النفقة والكسوة ‏
على الرضاع، ولم يفرق بين المطلقة وغيرها، بل في الآية قرينة تدل على طلاقها لان الزوجة تجب نفقتها ‏وكسوتها بالزوجية وإن لم ترضع، لان الله تعالى قال (وعلى الوارث مثل ذلك) والوارث ليس بزوج، ولان ‏المنفعة في الحضانة والرضاع غير معلومة، فجاز أن يكون عوضها كذلك. وروى عنه رواية ثالثة: لا يجوز ‏ذلك بحال، لا في الظئر ولا في غيرها. وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وابن المنذر، لان ذلك ‏يختلف اختلافا كثيرا متباينا فيكون مجهولا، والاجر من شرطه أن يكون معلوما. إذا ثبت هذا فهل تدخل ‏الحضانة في الرضاع أم لا ؟ على وجهين (أحدهما) لا تدخل وهو قول أبى ثور وابن المنذر لان العقد لم يتناولها ‏‏(والثانى) تدخل وهو قول أصحاب الرأى، لان العرف جار بأن المرضعة تحضن الصبى فحمل الاطلاق على ما ‏جرى به العرف والعادة. ويشترط لعقد الرضاعة أربعة شروط: 1 - أن تكون مدة الرضاع معلومة، لانه لا يمكن ‏تقديره إلا بها، فإن السقى والعمل فيها يختلف. 2 - معرفة الصبى بالمشاهدة، لان الرضاع يختلف باختلاف ‏الصبى في كبره وصغره ونهمته وقناعته. 3 - موضع الرضاع لانه يختلف فيشق عليها في بيته ويسهل عليها ‏في بيتها 4 - معرفة العوض وكونه معلوما كما سبق‏

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:41 AM
كتاب سبل السلام –‏
كتاب الرجعة
باب الرضاع
بكسر الراء وفتحها ومثله الرضاعة .‏


عَنْ عَائِشَةَ رَضي اللَّهُ عَنْهَا قالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا ‏تُحَرِّمُ المصَّةُ وَالمصَّتَانِ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.‏
‏( عَنْ عَائِشَةَ رَضي اللَّهُ عَنْهَا قالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا ‏تُحَرِّمُ المصَّةُ وَالمصَّتَانِ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ).‏
المصة الواحدة من المص وهو أخذ اليسير من الشيء كما في الضياء وفي ‏القاموس مصصته بالكسر أمصه ومصصته أمصه كخصصته أخصه شربته شرباً ‏رفيقاً .‏
والحديث دل على أن مص الصبي للثدي مرة أو مرتين لا يصير به رضيعاً وفي ‏المسألة أقوال:‏
الأول: أن الثلاث فصاعداً تحرم وإلى هذا ذهب داود وأتباعه وجماعة من العلماء ‏لمفهوم حديث مسلم هذا وحديث الآخر بلفظ: "لا تحرم الإملاجة والإملاجتان" ‏فأفاد بمفهومه تحريم ما فوق الاثنتين .‏
القول الثاني: لجماعة من السلف والخلف وهو أن قليل الرضاع وكثيره يحرم ‏وهذا يروى عن[اث] عليّ[/اث] و[اث]ابن عباس[/اث] وآخرين من السلف وهو ‏مذهب الهادوية والحنفية و مالك.‏
قالوا: وحدُّه ما وصل الجوف بنفسه وقد ادعى الإجماع على أنه يحرم من ‏الرضاع ما يفطر الصائم واستدلوا بأنه تعالى علق التحريم باسم الرضاع فحيث ‏وجد اسمه وجد حكمه وورد الحديث موافقاً للآية فقال صلى الله عليه وآله ‏وسلم: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".‏
ولحديث عقبة الآتي وقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "كيف وقد زعمت أنها ‏أرضعتكما" ولم يستفصل عن عدد الرضعات .‏
فهذه أدلتهم ولكنها اضطربت أقوالهم في ضبط الرضعة وحقيقتها اضطراباً كثيراً ‏ولم يرجع إلى دليل.‏
ويجاب عما ذكروه من التعليق باسم الرضاع أنه مجمل بينه الشارع بالعدد ‏وضبطه به وبعد البيان لا يقال إنه ترك الاستفصال .‏
القول الثالث: أنها لا تحرم إلا خمس رضعات وهو قول[اث] ابن مسعود[/اث] ‏و[اث]ابن ال***ر[/اث] والشافعي ورواية عن أحمد .‏
واستدلوا بما يأتي من حديث عائشة وهو نص في الخمس وبأن سهلة بنت ‏سهيل أرضعت سالماً خمس رضعات ويأتي أيضاً .‏
وهذا إن عارضه مفهوم حديث "المصة والمصتان" فإن الحكم في هذا منطوق ‏وهو أقوى من المفهوم فهو مقدّم عليه .‏
وعائشة وإن روت أن ذلك كان قرآناً فإن له حكم خبر الآحاد في العمل به كما ‏عرف في الأصول وقد عضده حديث سهل فإن فيه أنها أرضعت سالماً خمس ‏رضعات لتحرم عليه وإن كان فعل صحابية فإنه دال أنه قد كان متقرراً عندهم ‏أنه لا يحرم إلا الخمس الرضعات ويأتي تحقيقه.‏
وأما حقيقة الرضعة فهي المرة من الرضاع كالضربة من الضرب والجلسة من ‏الجلوس فمتى التقم الصبي الثدي وامتص منه ثم ترك ذلك باختياره من غير ‏عارض كان ذلك رضعة والقطع لعارض كنفس أو استراحة يسيرة أو لشيء ‏يلهيه ثم يعود من قريب لا يخرجها عن كونها رضعة واحدة كما أن الآكل إذا ‏قطع أكله بذلك ثم عاد عن قريب كان ذلك أكلة واحدة.‏
وهذا مذهب الشافعي في تحقيق الرضعة الواحدة وهو موافق للغة فإذا حصلت ‏خمس رضعات على هذه الصفة حرمت.‏
وَعَنْهَا رضيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "انْظُرْنَ مَنْ ‏إخْوَانُكُنَّ، فَإنّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المجَاعَةِ" مُتّفَقٌ عَلَيْهِ .‏
‏(وَعَنْهَا) أي عائشة (قَالَتْ: قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "انْظُرْنَ مَنْ ‏إخْوَانُكُنَّ، فَإنّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المجَاعَةِ" مُتّفَقٌ عَلَيْهِ)‏
في الحديث قصة وهو أنه صلى الله عليه وآله وسلم دخل على عائشة وعندها ‏رجل فكأنه تغير وجهه كأنه كره ذلك فقالت: إنه أخي فقال: "انظرن من إخوانكن ‏فإنما الرضاعة من المجاعة".‏
قال المصنف: لم أقف على اسمه وأظنه ابناً لأبي القعيس .‏
وقوله: انظرن أمر بالتحقق في أمر الرضاعة هل هو رضاع صحيح بشرطه من ‏وقوعه في زمن الرضاع ومقدار الإرضاع فإن الحكم الذي ينشأ من الرضاع إنما ‏يكون إذا وقع الرضاع المشترط.‏
وقال أبو عبيد: معناه أنه الذي إذا جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن من الرضاع ‏لا حيث يكون الغذاء بغير الرضاع وهو تعليل لإمعان التحقق في شأن الرضاع ‏وبأن الرضاع الذي تثبت به الحرمة وتحل به الخلوة هو حيث يكون الرضيع ‏طفلاً يسدّ اللبن جوعه لأن معدته ضعيفة يكفيها اللبن وينبت بذلك لحمه فيصير ‏جزءاً من المرضعة فيشترك في الحرمة مع أولادها.‏
فمعناه لا رضاعة معتبرة إلا المغنية عن المجاعة أو المطعمة من المجاعة فهو ‏في معنى حديث ابن مسعود الآتي: "لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم" ‏وحديث أم سلمة: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء" أخرجه الترمذي ‏وصححه.‏
واستدل به على أن التغذي بلبن المرضعة محرم سواء كان شراباً أو وجوراً أو ‏سعوطاً أو حقنة حيث كان يسدّ جوع الصبي وهو قول الجمهور .‏
وقالت الهادوية والحنفية لا تحرم الحقنة وكأنهم يقولون أنها لا تدخل تحت اسم ‏الرضاع.‏
قلت: إذا لوحظ المعنى من الرضاع دخل كل ما ذكروا .‏
وإن لوحظ مسمى الرضاع فلا يشمل إلا التقام الثدي ومص اللبن منه كما تقوله ‏الظاهرية فإنهم قالوا: لا يحرم إلا ذلك ولما حصر في الحديث الرضاعة على ما ‏كان من المجاعة كما قد عرفت وقد ورد:‏
وَعَنْهَا رضيَ اللَّهُ عَنْهَا قالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ‏سَالِماً مَوْلى أَبي حُذَيْفَةَ مَعَنا في بَيْتِنَا وَقَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ؟ فَقَالَ: أَرْضعِيهِ ‏تَحْرُمي عَلَيْهِ" رَوَاهُ مُسْلمٌ .‏
‏(وَعَنْهَا) أي عائشة (قالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ‏سَالِماً مَوْلى أَبي حُذَيْفَةَ مَعَنا في بَيْتِنَا وَقَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ؟ فَقَالَ: أَرْضعِيهِ ‏تَحْرُمي عَلَيْهِ" رَوَاهُ مُسْلمٌ).‏
وفي سنن أبي داود: فأرضعيه خمسة رضعات فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة ‏معارضاً لذلك.‏
وكأنه ذكره المصنف كالمشير إلى أنه قد خصص هذا الحكم بحديث سهلة فإنه ‏دالٌّ على أن رضاع الكبير يحرم مع أنه ليس داخلاً تحت الرضاعة من المجاعة .‏
وبيان القصة أن أبا حذيفة كان قد تبنى سالماً وزوجه وكان سالم مولى لامرأة ‏من الأنصار فلما أنزل الله {ادعوهم لآبائهم} كان من له أب معروف نسب إلى ‏أبيه ومن لا أب له معروف كان مولى وأخاً في الدين؛ فعند ذلك جاءت سهلة ‏تذكر ما نصه الحديث في الكتاب.‏
وقد اختلف السلف في هذا الحكم فذهبت[اث] عائشة[/اث] رضي الله عنها إلى ‏ثبوت حكم التحريم وإن كان الراضع بالغاً عاقلاً .‏
قال[اث] عروة[/اث]: إن عائشة أم المؤمنين أخذت بهذا الحديث فكانت تأمر ‏أختها أم كلثوم وبنات أخيها يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال. رواه ‏مالك .‏
ويروى عن[اث] علي[/اث] و[اث]عروة[/اث] وهو قول الليث بن سعد وأبي ‏محمد بن حزم ونسبه في البحر إلى عائشة وداود الظاهري وحجتهم حديث سهلة ‏هذا وهو حديث صحيح لا شك في صحته ويدل له أيضاً قوله تعالى: {وأمهاتكم ‏اللائي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} فإنه مطلق غير مقيد بوقت .‏
وذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء إلى أنه لا يحرم من الرضاع إلا ‏ما كان في الصغر.‏
وإنما اختلفوا في تحديد الصغر فالجمهور قالوا: مهما كان في الحولين فإن ‏رضاعه يحرم ولا يحرم ما كان بعدهما مستدلين بقوله تعالى: {حولين كاملين ‏لمن أراد أن يتم الرضاعة}.‏
وقال جماعة: الرضاع المحرم ما كان قبل الفطام ولم يقدّروه بزمان وقال ‏الأوزاعي: إن فطم وله عام واحد واستمر فطامه ثم رضع في الحولين لم يحرم ‏هذا الرضاع شيئاً وإن تمادى رضاعه ولم يفطم فيما يرضع وهو في الحولين ‏حرم وما كان بعدهما لا يحرم وإن تمادى إرضاعه.‏
وفي المسألة أقوال أخر عارية عن الاستدلال فلا نطيل بها المقال .‏
واستدل الجمهور بحديث: "إنما الرضاعة من المجاعة" وتقدم، فإنه لا يصدق ذلك ‏إلا على من يشبعه اللبن ويكون غذاءه لا غيره؛ فلا يدخل الكبير سيما وقد ورد ‏بصيغة الحصر.‏
وأجابوا عن حديث سالم بأنه خاص بقصة سهلة فلا يتعدى حكمه إلى غيرها كما ‏يدل له قوله أم سلمة أم المؤمنين لعائشة رضي الله عنهما: لا نرى هذا إلا خاصاً ‏بسالم ولا ندري لعله رخصة لسالم أو أنه منسوخ .‏
وأجاب القائلون بتحريم رضاع الكبير بأن الآية وحديث: "إنما الرضاعة من ‏المجاعة" واردان لبيان الرضاعة الموجبة للنفقة للمرضعة والتي يجبر عليها ‏الأبوان رضيا أم كرها كما يرشد إليه آخر الآية وهو قوله تعالى:‏
‏{وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} وعائشة هي الراوية لحديث: ‏‏"الرضاعة من المجاعة" وهي التي قالت برضاع الكبير وأنه يحرم فدل على أنها ‏فهمت ما ذكرناه في معنى الآية والحديث .‏
وأما قول أم سلمة إنه خاص بسالم فذلك تظنن منها وقد أجابت عليها عائشة ‏فقالت: أما لك في رسول الله أسوة حسنة؟ فسكتت أم سلمة ولو كان خاصاً لبينه ‏صلى الله عليه وآله وسلم كما بين اختصاص أبي بردة بالتضحية بالجذعة من ‏المعز .‏
والقول بالنسخ يدفعه أن قصة سهل متأخرة عن نزول آية الحولين فإنها قالت ‏سهلة لرسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: كيف أرضعه وهو رجل كبير فإن هذا ‏السؤال منها استنكار لرضاع الكبير دال على أن التحليل بعد اعتقاد التحريم .‏
قلت: ولا يخفى أن الرضاعة لغة إنما تصدق على من كان في سن الصغر وعلى ‏اللغة وردت آية الحولين وحديث "إنما الرضاعة من المجاعة" والقول بأن الآية ‏لبيان الرضاعة الموجبة للنفقة لا ينافي أيضاً أنها لبيان زمان الرضاعة بل جعله ‏الله تعالى زمان من أراد تمام الرضاعة وليسبعد التمام ما يدخل في حُكْمٍ حَكَمَ ‏الشارع بأنه قد تم .‏
والأحسن في الجمع بين حديث سهلة وما عارضه: كلام ابن تيمية فإنه يعتبر ‏الصغر في الرضاعة إلا إذا دعت إليه الحاجة كرضاع الكبير الذي لا يستغنى عن ‏دخوله على المرأة وشق احتجابها عنه كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة فمثل هذا ‏الكبير إذا أرضعته للحاجة أثر رضاعه وأما من عداه فلا بد من الصغر اهـ .‏
فإنه جمع بين الأحاديث حسن وإعمال لها من غير مخالفة لظاهرها باختصاص ‏ولا نسخ ولا إلغاء لما اعتبرته اللغة ودلت له الأحاديث .‏
وَعَنْهَا أَنَّ أَفْلَحَ ــــ أَخَا أَبي الْقُعَيْسِ ــــ جَاءَ يَسْتَأَذِنُ عَلَيْهَا بَعْدَ الحِجَابِ ‏قَالَتْ: فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَا جَاءَ رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أَخْبَرْتُهُ بالّذي ‏صَنَعْتُ، فَأَمَرَني أَنْ آذَنَ لَهُ عَليَّ وَقَالَ: "إنّهُ عَمُّكِ" مُتّفَقٌ عَلَيْهِ.‏
‏(وعنها) أي عن عائشة رضي الله عنها (أنَّ أَفْلَحَ) بفتح الهمزة ففاء آخره حاء ‏مهملة مولى لرسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وقيل مولى لأم سَلَمة (أخا أبي ‏القُعَيْسِ) بقاف مضمومة وعين وسين مهملتين بينهما مثناة تحتية (جاء يستأذِنُ ‏عَلَيْها بعدَ الحجابِ قالت: فأبيتُ أنْ آذنَ لَهُ فلما جاء رسول الله صلى الله عليه ‏وآله وسلم أخبرته بالذي صنعت فأمرني أن آذن له عليَّ وقال: "إنّهُ عَمكِ" متفق ‏عليه) اسم أبي القعيس وائل بن أفلح الأشعري وقيل اسمه الجعد فعلى الأول ‏يكون أخوه وافق اسمه اسم أبيه .‏
قال ابن عبد البر: لا أعلم لأبي القعيس ذكراً إلا في هذا الحديث .‏
والحديث دليل على ثبوت حكم الرضاع في حق زوج المرضعة وأقاربه ‏كالمرضعة وذلك لأن سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة معاً فوجب أن يكون ‏الرضاع منهما. كالجد لما كان سبب ولد الولد أوجب تحريم ولد الولد به لتعلقه ‏بولده .‏
لذلك قال[اث] ابن عباس[/اث] في هذا الحكم: اللقاح واحد. أخرجه عنه ابن أبي ‏شيبة فإن الوطء يدرّ اللبن فللرجل منه نصيب .‏
وإلى هذا ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين وأهل المذاهب .‏
والحديث دليل واضح لمن ذهبوا إليه وفي رواية أبي داود زيادة تصريح حيث ‏قالت: دخل عليّ أفلح فاستترت منه فقال: أتستترين مني وأنا عمك؟ قلت: من ‏أين؟ قال: أرضعتك امرأة أخي قلت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل ‏الحديث .‏
وخالف في ذلك[اث] ابن عمر[/اث] و[اث]ابن ال***ر[/اث] و[اث]رافع بن ‏خديج[/اث] و[اث]عائشة[/اث] وجماعة من التابعين و ابن المنذر وداود وأتباعه ‏فقالوا: لا يثبت حكم الرضاع للرجل لأن الرضاع إنما هو للمرأة التي اللبن منها .‏
قالوا ويدل عليه قوله تعالى: {وأمهاتكم اللائي أرضعنكم} (النساء: 23) وأجيب ‏بأن الآية ليس فيها ما يعارض الحديث فإذ ذكر الأمهات لا يدل على أن ما ‏عداهن ليس كذلك ثم إن دل بمفهومه فهو مفهوم لقب مطرح كما عرف في ‏الأصول وقد استدلوا بفتوى جماعة من الصحابة بهذا المذهبولا يخفى أنه لا ‏حجة في ذلك وقد أطال بعض المتأخرين البحث في المسألة وسبقه ابن القيم في ‏الهدي واستحسنه ابن تيمية والواضح ما ذهب إليه الجمهور .‏
وَعَنْهَا رَضي الله عنْهَا قالتْ: "كَانَ فيما أُنْزلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ ‏يُحَرِّمْنَ ثمَّ نُسِخْنَ بخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فُتوُفِّيَ رسُولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وَهُنَّ ‏فِيما يُقْرَأُ مِنَ الْقُرآنِ" رَوَاهُ مُسْلمٌ .‏
‏(وعنها) أي عائشة رضي الله عنها (قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر ‏رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله ‏عليه وآله وسلم وهن فيما يُقرأ من القرآن. رواه مسلم)‏
يقرأ بضم حرف المضارعة؛ تريد أن النسخ يخمس رضاعات تأخر إنزاله جداً ‏حتى إنه توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعض الناس يقرأ خمس ‏رضعات ويجعلها قرآناً متلوّاً لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده فلما بلغهم النسخ ‏بعد ذلك رجعوا عن ذلك وأجمعوا على أنه لا يتلى .‏
وهذا من نسخ التلاوة دون الحكم وهو أحد أنواع النسخ فإنه ثلاثة أقسام:‏
نسخ التلاوة والحكم مثل عشر رضعات يحرمن .‏
والثاني: نسخ التلاوة دون الحكم: كخمس رضعات، وكالشيخ والشيخة إذا زنيا ‏فارجموهما.‏
والثالث: نسخ الحكم دون التلاوة وهو كثير نحو قوله تعالى: {والذين يتوفون ‏منكم ويذرون أزواجاً} وقد تقدم تحقيق القول في حكم هذا الحديث وأن العمل ‏على ما أفاده هو أرجح الأقوال.‏
والقول بأن حديث عائشة هذا ليس بقرآن لأنه لا يثبت بخبر الآحاد ولا هو حديث ‏لأنها لم تروه حديثاً، مردود بأنها وإن لم تثبت قرآنيته ويجري عليه حكم ألفاظ ‏القرآن فقد روته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فله حكم الحديث في العمل ‏به .‏
وقد عمل بمثل ذلك العلماء فعمل به الشافعي وأحمد في هذا الموضع .‏
وعمل به الهادوية والحنفية في قراءة ابن مسعود في صيام الكفارة ثلاثة أيام ‏متتابعات وعمل مالك في فرض الأخ من الأم بقراءة أبيّ: وله أخ وأخت من أم، ‏والناس كلهم احتجوا بهذه القراءة .‏
والعمل بحديث الباب هذا لا عذر عنه ولذا اخترنا العمل به فيما سلف .‏
وَعَنِ ابنِ عَبّاسٍ رضي اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النّبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أُريدَ عَلى ابْنَةِ ‏حَمْزَةَ فَقَالَ: "إنّهَا لا تَحِلُّ لي إنّهَا ابنَةُ أَخي مِنَ الرَّضَاعة، ويَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعة ‏مَا يَحْرُمُ مِنَ النّسَبِ" مُتّفَقٌ عَلَيهِ .‏
‏(وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أُريد) ‏بضم الهمزة مبني للمجهول (على ابنة حمزة) أي قيل له: لو تزوجتها (فقال: ‏‏"إنّها لا تَحِلُّ لي إنّها ابْنَةُ أخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ ويَحْرُم من الرضاعة ما يحرم مِنَ ‏النّسَبِ" متفقٌ عليه)‏
اختلف في اسم ابنة حمزة على سبعة أقوال ليس فيها ما يجزم به وإنما كانت ‏ابنة أخيه صلى الله عليه وآله وسلم لأنه رضع من ثويبة أمة أبي لهب وقد كانت ‏أرضعت عمه حمزة.‏
وأحكام الرضاع هي حرمة التناكح وجواز النظر والخلوة والمسافرة .‏
لا غير ذلك من التوارث ووجوب الإنفاق والعتق بالملك وغيره من أحكام النسب.‏
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب يراد ‏به تشبيهه به في التحريم.‏
ثم التحريم ونحوه بالنظر إلى المرجع فإن أقاربه أقارب للرضيع وأما أقارب ‏الرضيع ما عدا أولاده فلا علاقة بينهم وبين المرضع فلا يثبت لهم شيء من ‏الأحكام.‏
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا ‏يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضاع إلا مَا فَتَقَ الأمْعَاءَ وَكَان قَبْلَ الفِطَامِ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحّحَهُ ‏هُوَ والحاكمُ.‏
‏( وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه ‏وسلم: "لا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إلا مَا فَتَقَ) بالفاء فمثناة فوقية فقاف (الأمعَاءَ) جمع ‏المعا بكسر الميم وفتحها (وكانَ قَبْلَ الْفِطَام" رواه الترمذي وصححه هو ‏والحاكم).‏
والمراد ما سلك فيها من الفتق بمعنى الشق والمراد ما وصل إليه فلا يحرم ‏القليل الذي لا ينفذ إليها ويحتمل أن المراد ما وصلها وغذاها واكتفت به عن ‏غيره فيكون دليلاً على عدم تحريم رضاع الكبير .‏
ويدل على أن المراد هذا قوله في الحديث: وكان قبل الفطام فإنه يراد به قبل ‏الحولين كما ورد في هذا الحديث الآخر: "إن ابني إبراهيم مات في الثدي وإن له ‏مرضعاً في الجنة" وتقدم الكلام في الأمرين ويدل لهذا الأخير قوله:‏
وَعَنِ ابنِ عَبّاسٍ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: "لا رَضَاعَ إلا في الحَوْلَينِ" رَوَاهُ ‏الدَّارقُطْنيُّ وابنُ عَدِيَ مَرْفوعاً وَمَوْقوفاً وَرَجّحَا المَوْقوفَ .‏
‏(وَعَنِ ابنِ عَبّاسٍ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: "لا رَضَاعَ إلا في الحَوْلَينِ" رَوَاهُ ‏الدَّارقُطْنيُّ وابنُ عَدِيَ مَرْفوعاً وَمَوْقوفاً وَرَجّحَا المَوْقوفَ).‏
لأنه تفرد برفعه الهيثم بن جميل عن ابن عيينة، قاله الدارقطني وقال: وكان ثقة ‏حافظاً ورواه سعيد بن منصور عن ابن عيينة فوقفه .‏
قلت: وهذا ليس بعلة كما قررناه مراراً وقال ابن عدي: إن الهيثم كان يغلط.‏
وقال البيهقي: الصحيح إنه موقوف، وروى البيهقي التحديد بالحولين عن عمر ‏وابن مسعود.‏
والحديث دال على اعتبار الحولين وأنه لا يسمى الرضاع رضاعاً إلا في الحولين ‏وقد تقدم أنه الذي دلت عليه الآية والقول بأنها إنما دلت على حكم الواجب من ‏النفقة ونحوها لا على مدة الرضاع تقدم دفعه ويدل لهذا الحكم قوله:‏
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قالَ رَسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا ‏رَضَاع إلا مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ وأَنْبَتَ اللَّحْمَ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ .‏
‏(وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قالَ رَسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا ‏رَضَاع إلا مَا أَنْشَزَ) بشين معجمة فزاي أي شد وقوي (الْعَظْمَ وأَنْبَتَ اللَّحْمَ" ‏أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ).‏
فإن ذلك إنما يكون هو في سن الحولين ينمو باللبن ويقوى به عظمه وينبت ‏عليه لحمه.‏
وَعَنْ عُقْبَةَ بنِ الْحارثِ أَنّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيي بِنْتَ أَبي إهَابٍ فَجَاءَت امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: قَدْ ‏أَرْضَعْتُكما فَسَأَلَ النّبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فَقَالَ: "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟" فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ ‏فَنَكَحَتْ زَوْجاً غَيْرَهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَاريُّ .‏
وعلة النهي أنها قد تكون فيه دابة فتخرج إلى في الشارب فيبتلعها مع الماء كما ‏ورد أنه شرب رجل من في السقاء فخرجت منه حية. وكذلك ثبت النهي عن ‏الشرب قائماً.‏
‏(وعن عقبة بن الحارث رضي الله عنه) وهو أبو سروعة عقبة بن الحارث بن ‏عامر القرشي النوفلي أسلم يوم الفتح يعد في أهل مكة (أنه تَزَوّجَ أُم يحيي بنت ‏أبي إهاب) بكسر الهمزة (فجاءت امرأةٌ) قال المصنف: لم أعرف اسمها: (فقالت: ‏قد أرضعتكما فسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فقال "كَيْفَ وقَدْ قِيلَ؟" ‏ففارقها عقبة فنكحت زوجاً غيره. أخرجه البخاري).‏
الحديث دليل على أنه شهادة المرضعة وحدها تقبل، وبوب على ذلك البخاري ‏وإليه ذهب[اث] ابن عباس[/اث] وجماعة من السلف و أحمد بن حنبل .‏
وقال أبو عبيد: يجب على الرجل المفارقة ولا يجب على الحاكم الحكم بذلك .‏
وقال مالك: إنه لا يقبل في الرضاع إلا امرأتان وذهب الهادوية والحنفية إلى أن ‏الرضاع كغيره لا بد من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ولا تكفي شهادة ‏المرضعة لأنها تقرر فعلها.‏
وقال الشافعي: تقبل شهادة المرضعة مع ثلاث نسوة بشرط أن لا تعرض بطلب ‏أجرة.‏
قالوا: وهذا الحديث محمول على الاستحباب والتحرز عن مظانّ الاشتباه .‏
وأجيب بأن هذا خلاف الظاهر سيما وقد تكرر سؤاله للنبي صلى الله عليه وآله ‏وسلم أربع مرات وأجابه بقوله: "كيف وقد قيل" وفي بعض ألفاظه: "دعها" وفي ‏رواية الدارقطني: "لا خير لك فيها" ولو كان من باب الاحتياط لأمره بالطلاق مع ‏أنه في جميع الروايات لم يذكر الطلاق فيكون هذا الحكم مخصوصاً من عموم ‏الشهادة المعتبر فيها العدد وقد اعتبرتم ذلك في عورات النساء فقلتم: يكتفى ‏بشهادة أمرأة واحدة والعلة عندهم فيه أنه قلما يطلع الرجال على ذلك فالضرورة ‏داعية إلى اعتباره، فكذا هنا .‏
وَعَنْ زيادٍ السّهْمِي قالَ: "نهى رسولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أَنْ تُسْتَرْضَعَ ‏الحَمْقَى" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاودَ وَهُوَ مُرْسلٌ وَلَيْسَتْ لزيَادٍ صُحْبَةٌ .‏
‏( وعن زياد السهمي قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ‏تسترضع الحمقاء) خفيفة العقل (أخرجه أبو داود وهو مرسل وليس لزياد ‏صحبة) ووجه النهي أن للرضاع تأثيراً في الطباع فيختار من لا حماقة فيها ‏ونحوها . ‏

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:44 AM
روضة الطالبين - للامام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي الدمشقي المتوفى سنة 676 ‏‏

كتاب الرضاع
‏ الرضاع يؤثر في تحريم النكاح، وثبوت المحرمية المفيدة لجواز النظر والخلوة ‏

‏[ 419 ]‏
دون سائر أحكام النسب، كالميراث، والنفقة، والعتق بالملك، وسقوط القصاص، ورد الشهادة وغيرها، وهذا ‏كله متفق عليه. ثم في كتاب الرضاع أربعة أبواب: الاول: في أركانه وشروطه، أما الاركان فثلاثة: الاول: ‏المرضع، وله ثلاثة شروط، الاول: كونه إمرأة، فلبن البهيمة لا يتعلق به تحريم، فلو شربه صغيران لم يثبت ‏بينهما أخوة، ولا يحرم لبن الرجل أيضا على الصحيح، وقال الكرابيسي: يحرم، ولبن الخنثى لا يقتضي أنوثته ‏على المذهب، فلو ارتضعه صغير، توقف في التحريم، فإن بان أنثى، حرم، وإلا، فلا. الشرط الثاني: كونها حية، ‏فلو ارتضع ميتة، أو حلب لبنها، وهي ميتة، لم يتعلق به تحريم، كما لا تثبت حرمة المصاهرة بوطئ الميتة. ‏ولو حلب لبن حية، وأوجر الصبي بعد موتها، حرم على الصحيح المنصوص. الشرط الثالث: كونها محتملة ‏للولادة، فلو ظهر لصغيرة دون تسع سنين لبن، ‏

‏[ 420 ]‏
لم يحرم، وإن كانت بنت تسع وإن لم يحكم ببلوغها، لان احتمال البلوغ قائم، والرضاع كالنسب فكفى فيه ‏الاحتمال. فرع سواء كانت المرضعة مزوجة، أم بكرا، أم بخلافهما، وقيل: لا يحرم لبن البكر، والصحيح الاول، ‏ونص عليه في البويطي. فرع نص في البويطي أنه إذا نزل لرجل لبن، فارتضعته صبية، كره له نكاحها. الركن ‏الثاني: اللبن، ولا يشترط لثبوت التحريم بقاء اللبن على هيئته حالة انفصاله عن الثدي، فلو تغير بحموضة، أو ‏انعقاد، أو إغلاء أو صار جبنا، أو أقطا، أو زبدا، أو مخيضا، وأطعم الصبي، حرم لوصول اللبن إلى الجوف، ‏وحصول التغذية. ولو ثرد فيه طعام ثبت التحريم. ولو عجن به دقيق، وخبز، تعلقت به الحرمة على الصحيح. ‏ولو خلط بمائع إما دواء، وإما غيره، حلال كالماء ولبن الشاة، أو حرام كالخمر، نظر إن كان اللبن غالبا تعلقت ‏الحرمة بالمخلوط، فلو شرب الصبي منه خمس مرات ثبت التحريم، وإن كان اللبن مغلوبا فقولان، أحدهما: لا ‏يتعلق به تحريم كالنجاسة المستهلكة في الماء الكثير لا أثر لها، وكالخمر المستهلكة في غيرها لا يتعلق بها ‏حد، وكالمحرم يأكل طعاما استهلك فيه طيب، لا فدية عليه. وأظهرهما: يتعلق به التحريم لوصول عين اللبن في ‏الجوف، وذلك هو المعتبر، ولهذا يؤثر كثير اللبن وقليله، وليس كالنجاسة، فإنها تجنيب للاستقذار، وهو مندفع ‏بالكثرة، ولا كالخمر، فإن الحد منوط بالشدة المزيلة للعقل، ولا كالمحرم، فإنه ممنوع من التطيب، وليس هذا ‏بتطيب، فعلى هذا إن شرب جميع المخلوط، تعلق به التحريم، وإن شرب بعضه فوجهان، أحدهما: يثبت التحريم ‏أيضا إن شربه خمس دفعات، أو شرب منه دفعة بعد أن شرب اللبن ‏

‏[ 421 ]‏
الصرف أربعا، وهذا اختيار الصيمري، والقاضي أبي الطيب، وأصحهما، وبه قال ابن سريج وأبو إسحق ‏والماوردي -: لا يتعلق به تحريم، لانا لم نتحقق وصول اللبن، وهذا الخلاف فيما إذا لم يتحقق وصول اللبن مثل ‏أن وقعت قطرة في جب ماء وشرب بعضه، فإن تحققنا انتشاره في الخليط، وحصول بعضه في المشروب، أو ‏كان الباقي من المخلوط أقل من قدر اللبن، ثبت التحريم قطعا، ذكره الامام وغيره. وهل يشترط أن يكون اللبن ‏قدرا يمكن أن يسقى منه خمس دفعات لو انفرد عن الخليط ؟ وجهان حكاهما السرخسي وقال: أصحهما ‏الاشتراط، هذا هو المذهب في بيان حكم اختلاط اللبن بالمائعات، وسواء فيه اختلاط اللبن بالماء وبغيره، وحكى ‏الامام طريقا آخر أنه إن كان الخليط غير الماء، فعلى ما ذكرناه، وإن كان ماء واللبن مغلوب، فإن امتزج بما ‏دون القلتين، وشرب الصبي كله، ففي ثبوت التحريم قولان، وإن شرب بعضه، فقولان مرتبان وأولى بأن لا ‏يثبت. وإن امتزج بقلتين، فصاعدا، فإن لم يثبت التحريم بدون القلتين فهنا أولى، وإن أثبتنا، وتناول بعضه، لم ‏يؤثر، وإن شربه كله، فقولان مرتبان، وأولى بأن لا يؤثر. وهذه الطريقة ضعيفة، وفي المراد بمصير اللبن ‏مغلوبا وجهان، أحدهما: خروجه عن كونه مغذيا، والصحيح الذي قطع به الاكثرون أن الاعتبار بصفات اللبن ‏الطعم واللون والرائحة، فإن ظهر منها شئ في المخلوط، فاللبن غالب، وإلا فمغلوب. ونقل أبو الحسن العبادي ‏في الرقم تفريعا على هذا عن الحليمي ما يفهم منه أنه لو زايلته الاوصاف الثلاثة، اعتبر قدر اللبن بما له لون ‏قوي يستولي على الخليط، فإن كان ذلك القدر منه يظهر في الخليط ثبت التحريم، وإلا فلا، قال الحليمي: وهذا ‏شئ استنبطته أنا وكان في قلبي منه شئ، فعرضته على القفال الشاشي وابنه القاسم، فارتضياه، فسكنت، ثم ‏وجدته لابن سريج، فسكن قلبي إليه كل السكون، وقد سبق نظير هذا في اختلاط المائع بالماء. فرع لو وقعت ‏قطرة في فمه، واختلطت بريقه، ثم وصل جوفه، فطريقان، أحدهما: يعتبر كونه غالبا أو مغلوبا على ما ذكرناه. ‏والثاني: القطع بالتحريم. ‏

‏[ 422 ]‏
إذا اختلط لبن إمرأة بلبن أخرى، وغلب أحدهما، فإن علقنا التحريم بالمغلوب، ثبتت الحرمة منهما، وإلا ‏فيختص بغالبة اللبن. الركن الثالث: المحل وهو معدة الصبي الحي، أو ما في معنى المعدة، فهذه ثلاثة قيود: ‏الاول: المعدة، فالوصول إليها يثبت التحريم، سواء ارتضع الصبي، أو حلب اللبن، وأوجر في حلقه حتى ‏وصلها، ولو حقن باللبن، أو قطر في إحليله، فوصل مثانته، أو كان على بطنه جراحة، فصب اللبن فيها حتى ‏وصل الجوف لم يثبت التحريم على الاظهر. ولو صب في أنفه فوصل دماغه ثبت التحريم على المذهب، وقيل: ‏فيه القولان، قال البغوي: ولو صب في جراحة في بطنه فوصل المعدة لخرق الامعاء، أو وصل الدماغ بالصب ‏في مأمومة ثبت التحريم بلا خلاف. ولو صب في أذنه، ففي البحر أنه يثبت التحريم، وفي التهذيب لا يثبت، إذ لا ‏منفذ منها إلى الدماغ، ويشبه أن يكون كالحقنة. وأما الصب في العين، فلا يؤثر بحال، ولو ارتضع، وتقيأ في ‏الحال، حصل التحريم على الصحيح. وقيل: لا يحصل. وقيل: إن تقيأ وقد تغير اللبن، ثبت التحريم وإلا فلا. القيد ‏الثاني: الصبي والمراد به من لم يبلغ حولين، فمن بلغ سنتين، فلا أثر لارتضاعه ويعتبر الحولان بالاهلة، فإن ‏انكسر الشهر الاول، اعتبر ثلاثة وعشرون شهرا بعده بالاهلة ويكمل المنكسر ثلاثين من الشهر الخامس ‏والعشرين، ويحسب ابتداء الحولين من وقت انفصال الولد بتمامه، وقال الروياني: لو خرج نصف ‏

‏[ 423 ]‏
الولد، ثم بعد مدة، خرج باقيه، فابتداء الحولين في الرضاع عند ابتداء خروجه. وحكى ابن كج فيه وجهين، ‏وحكى وجهين فيما لو ارتضع قبل انفصال جميعه هل يتعلق به تحريم ؟ القيد الثالث: الحي فلا أثر للوصول إلى ‏معدة الميت. فصل في شرط الرضاع لا تثبت حرمته إلا بخمس رضعات هذا هو الصحيح المنصوص. وقيل: ‏تثبت برضعة واحدة، وقيل: بثلاث رضعات، وبه قال ابن المنذر، واختاره جماعة. فعلى المنصوص لو حكم ‏حاكم بالتحريم برضعة، لم ينقض حكمه على الصحيح، وقال الاصطخري: ينقض. والرجوع في الرضعة ‏والرضعات إلى العرف، وما تنزل عليه الايمان في ذلك، ومتى تخلل فصل طويل تعدد. ولو ارتضع، ثم قطع ‏إعراضا، واشتغل بشئ آخر، ثم عاد وارتضع، فهما رضعتان، ولو قطعت المرضعة، ثم عادت إلى الارضاع، ‏فهما رضعتان على الاصح، كما لو قطع الصبي، ولا يحصل التعدد بأن يلفظ الثدي، ثم يعود إلى التقامه في ‏الحال، ولا بأن يتحول من ثدي إلى ثدي، أو تحوله لنفاذ ما في الاول، ولا بأن يلهو عن الامتصاص والثدي في ‏فمه، ولا بأن يقطع التنفس، ولا بأن يتخلل النومة الخفيفة، ولا بأن تقوم وتشتغل بشغل خفيف، ثم تعود إلى ‏الارضاع، فكل ذلك رضعة واحدة. قلت: قال ابراهيم المروذي: إن نام الصبي في حجرها وهو يرتضع نومة ‏خفيفة، ثم انتبه ورضع ثانيا، فالجميع رضعة، وإن نام طويلا، ثم انتبه وامتص، ‏

‏[ 424 ]‏
فإن كان الثدي في فمه فهي رضعة، وإلا فرضعتان. والله أعلم. قال الاصحاب: يعتبر ما نحن فيه بمرات الاكل، ‏فإذا حلف لا يأكل في اليوم إلا مرة واحدة فأكل لقمة، ثم أعرض واشتغل بشغل طويل، ثم عاد وأكل، حنث، ولو ‏أطال الاكل على المائدة وكان ينتقل من لون إلى لون ويتحدث في خلال الاكل، ويقوم، ويأتي بالخبز عند نفاذه، ‏لم يحنث، لان ذلك كله يعد في العرف أكلة واحدة، ولو ارتضع من ثدي إمرأة ثم انتقل في الحال إلى ثدي آخر، ‏ففيه خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى في الفصل الذي يليه. فرع لا يشترط وصول اللبن في المرات على صفة ‏واحدة، بل لو ارتضع في بعضها، وأوجر في بعضها، وأسعط في بعضها حتى تم العدد، ثبت التحريم، وكذا ‏الصب في الجراحة والحقنة إذا جعلناهما مؤثرين. فرع لو حلب لبن إمرأة دفعة، وأوجره الصبي في خمس ‏دفعات، فهل يحسب رضعة أم خمسا ؟ قولان، أظهرهما: رضعة، وقيل: رضعة قطعا. ولو حلب خمس دفعات، ‏وأوجره دفعة، فالمذهب أنه رضعة، وقيل: على الطريقين. ولو حلب خمس دفعات، وأوجر في خمس دفعات من ‏غير خلط، فهو خمس رضعات قطعا. وإن حلب خمس دفعات، وخلط، ثم فرق، وأوجر في خمس دفعات، ‏فالمذهب أنه خمس رضعات، وبه قطع الجمهور، وقيل على قولين، لانه بالخلط صار كالمحلوب دفعة. ولو حلب ‏خمس نسوة في إناء، وأوجره الصبي دفعة واحدة حسب من كل واحدة رضعة، وإن أوجره في خمس دفعات، ‏حسب من كل واحدة رضعة، وإن أوجره في خمس دفعات، حسب من كل واحدة رضعة على الاصح، وقيل: ‏خمس رضعات. فرع لو شك هل أرضعته خمس رضعات، أم أقل، أو هل وصل اللبن جوفه أم لا ؟ فلا تحريم ولا ‏يخفى الورع. ولو شك هل أرضعته الخمس في الحولين، أم بعضها، أو كلها بعد الحولين، فلا تحريم على ‏الاظهر أو الاصح، والتحريم محكي عن الصيمري، لان الاصل بقاء المدة. ‏

‏[ 425 ]‏
فصل إذا كان لبن المرأة لرجل، فسيأتي إن شاء الله تعالى أن المرتضع يصير إبنا للرجل كما يصير إبنا للمرأة، ‏واختار ابن بنت الشافعي أنه لا يصير، والصواب الاول. فإذا كان للرجل خمس مستولدات، أو أربع زوجات ‏ومستولدة، فأرضعت كل واحدة طفلا رضعة لم يصرن أمهاته، وهل يصير الرجل أباه ؟ وجهان، قال الانماطي ‏وابن سريج وابن الحداد: لا، وأصحهما - وبه قال أبو إسحق وابن القاص -: نعم، لانه لبنه، وهن كالظروف ‏له، فعلى هذا تحرم المرضعات على الطفل لا بالرضاع، بل لانهن موطوءات أبيه، ولو كان تحته صغيرة وله ‏خمس مستولدات، فأرضعتها كل واحدة رضعة بلبنه لم ينفسخ نكاح الصغيرة على الوجه الاول، وينفسخ على ‏الثاني، وهو الاصح، ولا غرم عليهن، لانه لا يثبت له دين على مملوكه، ولو أرضع نسوته الثلاث ومستولدتاه ‏زوجته الصغيرة فانفساخ نكاح الصغيرة على الوجهين، وأما غرامة مهرها، فإن أرضعن مرتبا، فالانفساخ ‏يتعلق بإرضاع الاخيرة فإن كانت مستولدة، فلا شئ عليها، وإن كانت زوجة، فعليها الغرم، وإن أرضعته معا ‏بأن أخذت كل واحدة لبنها في مسعط، وأوجرته معا، فلا شئ على المستولدتين وعلى النسوة ثلاثة أخماس ‏الغرم، ولا ينفسخ نكاح النسوة لانهن لم يصرن أمهات الصغيرة. ولو كان له أربع، فأرضعت إحداهن طفلا ‏رضعتين، وأرضعته الباقيات رضعة رضعة، أو كان له ثلاث مستولدات، فأرضعت إحداهن الطفل بلبنه ثلاث ‏رضعات، والباقيتان رضعة رضعة، جرى الخلاف في مصيره أبا ولا يصرن أمهات، وعلى هذا قياس سائر ‏نظائرها. ولو كان لرجل أو إمرأة خمس بنات أو أخوات، فأرضعت كل واحدة طفلا رضعة، لم يصرن أمهاته، ‏ولا أزواجهن آباءه، وكذا لا تثبت الحرمة بين الرضيع والرجل على المذهب، وقيل: بطرد الوجهين، فإن أثبتنا ‏الحرمة، قال البغوي: تحرم المرضعات على الرضيع لا لكونهن أمهات، بل لكون البنات أخواته وكون الاخوات ‏عماته، ولك أن تقول إنما يصح كون البنات أخواته والاخوات عماته لو كان الرجل أبا، والحرمة هنا إذا ثبتت ‏إنما هي لكونه جدا لام أو خالا، وفيه وضع بعضهم الخلاف، فقال: في مصيره جدا لام أو خالا وجهان، فينبغي ‏أن يقال: يحرمن لكونهن كالخالات، وذلك لان بنت الجد للام إذا لم تكن أما، كانت خالة، وكذلك أخت الخال. ولو ‏كان لرجل أم وبنت وأخت وبنت أخ لاب، وبنت أخت لاب، فارتضع طفل من كل واحدة ‏

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:45 AM
‏[ 426 ]‏
رضعة، فإن قلنا: لا يثبت التحريم في الصورة الثانية، فهنا أولى، وإلا فالاصح أيضا أن لا تحريم لان هناك يمكن ‏نسبة الرضيع إليه بكونه ابن ابن، ونسبته إلى الرضيع بكونه جدا، وهنا لا يمكن لاختلاف الجهات، ولا يجوز ‏أن يكون بعضه أخا وبعضه ولد بنت، وعن ابن القاص: إثبات الحرمة، فعلى هذا تحرم المرضعات على الرضيع ‏لا بالامومة بل بجهات، فأم الرجل كأنها زوجة أبيه، لان لبنها من أبي الرجل، والرضيع كولده، وبنت الرجل ‏بنت ابن أبيه، فتكون بنت أخيه، وأخت الرجل بنت أبيه، فتكون أخته، وبنت أخي الرجل بنت ابن أبيه، فتكون ‏بنت أخيه، وبنت أخت الرجل بنت أخته أيضا. ولو كان بدل إحدى هؤلاء المرضعات زوجة أو جدة كان الحكم ‏كما ذكرنا. ولو أرضعت كل واحدة من هؤلاء زوجة الرجل رضعة، فانفساخ نكاحه على الوجهين، فإن قلنا: ‏ينفسخ، فإن أرضعن مرتبا، غرمت الاخيرة للزوج، وإن أرضعن معا، اشتركن فيه، فإن اختلف عدد الرضعات ‏بأن كن ثلاثا فأرضعت واحدة رضعتين، وأخرى كذلك، والثالثة رضعة، فهل يغرمن أثلاثا على عدد الرؤوس، أم ‏أخماسا على عدد الرضعات ؟ وجهان، وجميع ما ذكرناه هو فيما إذا أرضعت النسوة الخمس في أوقات ‏متفاصلة، فإن أرضعن متواليا، وحكمنا بالحرمة في المتفاصل فهنا وجهان، قال ابن القاص: لا يثبت، لانهن ‏كالمرأة الواحدة بالنسبة إلى الرجل وإرضاع المرأة إنما يحرم إذا تفرقت أوقاته، وأصحهما: التحريم لتعدد ‏المرضعات، فعلى الاول لو أرضعن متواليا، ثم أرضعته إحداهن أربع رضعات، صارت أما له على الاصح، لانه ‏ارتضع منها خمسا متفاصلة، وقيل: لا، لان تلك الرضعة لم تكن تامة، ويجري هذا الخلاف في انتقال الرضيع ‏من ثدي إمرأة إلى ثدي أخرى، فعلى وجه لا يحسب لواحدة منهما رضعة، وعلى الاصح: يحسب لكل واحدة ‏رضعة، لان الاشتغال بالارتضاع من الاخرى قطع الارتضاع من الاولى، فصار كالاشتغال بشئ آخر، ويقرب ‏منه خلاف فيما لو ارتضع في الحولين أربع رضعات، وتم الحولان في خلال الرضعة الخامسة، ففي وجه لا ‏يثبت التحريم، لانها لم تتم في الحولين، والاصح: ثبوته لان ما يصل إلى الجوف في كل رضعة ‏

‏[ 427 ]‏
غير مقدر، وذكر ابن كج أنه لو كان يرتضع الرضعة الخامسة، فمات: أو ماتت المرضعة قبل أن يتمها، وجهين ‏في ثبوت التحريم كالوجهين فيما لو قطعت المرضعة. فرع لزيد ابن وابن ابن وأب وجد وأخ ارتضعت صغيرة ‏من زوجة كل واحد منهم رضعة، فلا تحرم على زيد على الاصح، وحرمها ابن القاص على زيد، فعلى هذا تحرم ‏على أبيه دون الابن وابن الابن، لانها بارتضاع لبن أخي زيد تكون بنت عم لابن، وبنت العم لا تحرم، ومتى ‏كان في الخمسة من لا يقتضي لبنه تحريما، فلا تحريم. خمسة إخوة ارتضعت صغيرة من لبن زوجة كل واحد ‏رضعة، ففي تحريم الصغيرة على الاخوة الوجهان، الاصح: المنع. إمرأة لها بنت ابن، وبنت ابن ابن، وبنت ابن ‏ابن ابن، أرضعت العليا طفلا ثلاث رضعات، والاخريان رضعة رضعة، ففي مصير المرأة جدة للرضيع ‏الوجهان، فإن قلنا: نعم، ففي تحريم المرضعات على الطفل وجهان، أحدهما: لا لعدم العدد، والثاني: أن ‏الرضعات من الجهات تجمع، إن كانت كل واحدة منها بحيث لو تم العدد منها ثبت التحريم، فعلى هذا ينظر إن ‏كانت الوسطى بنت أخي العليا، والسفلى بنت أخي الوسطى، حرمت العليا عليه، لان إرضاعها لو تم لكان الطفل ‏إبنها، وإرضاع الوسطى لو تم، لكان الرضيع ابن بنت أخي العليا، وإرضاع السفلى لو تم لكان للعليا ابن بنت ‏ابن أخ. وهذه الجهات محرمة فتجمع ما فيها من عدد الرضعات. وإن كانت الوسطى بنت ابن عم العليا، ‏والسفلى بنت ابن ابن عمها، لم تحرم العليا، لان إرضاع الوسطى لو تم، لكان الرضيع للعليا ابن بنت ابن عم، ‏وإرضاع السفلى لو تم، لكان لها ابن بنت ابن ابن العم، وذلك لا يقتضي التحريم، وأما الوسطى والسفلى، فلا ‏تحرمان عليه بحال، لان إرضاع العليا لو تم، لكان للوسطى ابن العمة، وللسفلى ابن عمة الاب. ولو أرضعته ‏إحداهن خمس رضعات، حرمت هي عليه، وحرمت التي فوقها إذا كانت المرضعة بنت أخي التي فوقها، لانها ‏تكون عمة أمه. فرع له زوجتان حلبت كل واحدة من لبنها دفعة، ثم خلطا، وشربه طفل دفعة، ثبت لكل واحدة ‏رضعة، ولو شربه مرتين، فهل يحسب لكل واحدة رضعتان ‏

‏[ 428 ]‏
اعتبارا بوصول اللبن، أم رضعة اعتبارا بالحلب ؟ وجهان، وهو كما سبق فيما لو حلب لبن نسوة، وخلط، ‏وشربه الطفل دفعة أو دفعات. وأما بين الرضيع والزوج، فإن لم نجمع في حق الزوج رضعات زوجاته، ثبت له ‏رضعة واحدة، وإن جمعنا ونظرنا إلى الحلب، ثبت له رضعتان، وإن نظرنا إلى وصول اللبن ثبت أربع رضعات. ‏فرع كان له أربع نسوة وأمة موطوءات، أرضعت كل واحدة طفلة بلبن غيره رضعة، قال ابن القاص تفريعا ‏على ثبوت الابوة: لو أرضعته بلبنه تحرم الطفلة عليه، لانها ربيبته، وإن كان فيهن من لم يدخل بها، لم تحرم ‏عليه، لما سبق أنه متى كان فيهن من لو انفردت بالرضعات الخمس، لم تثبت الحرمة، لا يثبت التحريم. الباب ‏الثاني فيمن يحرم بالرضاع تحريم الرضاع يتعلق بالمرضعة، والفحل الذي له اللبن، والطفل الرضيع، فهم ‏الاصول في الباب، ثم تنتشر الحرمة منهم إلى غيرهم. أما المرضعة فتنتشر الحرمة منها إلى آبائها من النسب ‏والرضاع، فهم أجداد الرضيع، فإن كان الرضيع أنثى، حرم عليهم نكاحها. وإلى أمهاتها من النسب والرضاع، ‏فهن جدات للرضيع، فيحرم عليه نكاحهن إن كان ذكرا، وإلى أولادها من النسب والرضاع، فهم إخوته ‏وأخواته، وإلى إخوتها وأخواتها من النسب والرضاع، فهم أخواله وخالاته، ويكون أولاد أولادها أولاد إخوة ‏وأولاد أخوات للرضيع، ولا تثبت الحرمة بين الرضيع، وأولاد إخوة المرضعة، وأولاد أخواتها، لانهم أولاد ‏أخواله وخالاته. وأما الفحل، فكذلك تنتشر الحرمة منه إلى آبائه وأمهاته، فهم أجداد الرضيع وجداته، وإلى ‏أولاده، فهم إخوة الرضيع وأخواته، وإلى إخوته وأخواته، فهم أعمام الرضيع وعماته. وأما المرتضع فتنتشر ‏الحرمة منه إلى أولاده من الرضاع، أو النسب، فهم أحفاد المرضعة أو الفحل، ولا تنتشر إلى آبائه وأمهاته ‏وإخوته وأخواته، فيجوز لابيه وأخيه أن ينكحا المرضعة وبناتها وقد سبق في النكاح أن أربع نسوة يحرمن من ‏النسب ‏

‏[ 429 ]‏
ومثلهن قد لا يحرمن من الرضاع، وجعلت تلك الصور مستثناة من قولنا: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ‏وقد يقال: الحرمة في تلك الصور من جهة المصاهرة، لا من جهة النسب. فرع إنما تثبت الحرمة بين الرضيع ‏والفحل إذا كان منسوبا إلى الفحل بأن ينتسب إليه الولد الذي نزل عليه اللبن، أما اللبن النازل على ولد الزنا، ‏فلا حرمة له، فلا يحرم على الزاني أن ينكح الصغيرة المرتضعة من ذلك اللبن، لكنه يكره وقد حكينا في النكاح ‏وجها أنه لا يجوز له نكاح بنت زناه التي تعلم أنها من مائه، فيشبه أن يجئ ذلك الوجه هنا، ولو نفى الزوج ‏ولدا باللعان، وارتضعت صغيرة بلبنه، لم تثبت الحرمة. ولو أرضعت به ثم لاعن، انتفى الرضيع عنه، كما ‏ينتفي الولد. فلو استلحق الولد بعد ذلك، لحق الرضيع، ولم يذكروا هنا الوجهين المذكورين في نكاحه التي ‏نفاها باللعان، ولا يبعد أن يسوى بينهما. ولو كان الولد من وطئ شبهة، فاللبن النازل عليه ينسب إلى الواطئ، ‏كما ينسب إليه الولد، هذا هو المشهور، وفي قول: لا تثبت الحرمة من جهة الفحل بلبن وطئ الشبهة لانه لا ‏ضرورة إلى إثبات حرمة الرضاع بخلاف النسب. فرع إذا وطئت منكوحة بشبهة، أو وطئ رجلان إمرأة بشبهة، ‏أو نكح رجل إمرأة في العدة جاهلا، وأتت بولد، وأرضعت باللبن النازل عليه طفلا، فهو تبع للولد، فإن لحق ‏الولد أحدهما لانحصار الامكان فيه، فالرضيع ولده من ‏

‏[ 430 ]‏
الرضاع، وإن لم يلحق واحدا منهما لامتناع الامكان، فالرضيع مقطوع عنهما، وإن تحقق الامكان فيهما، ‏عرض الولد على القائف، فبأيهما ألحقه، تبعه الرضيع، فإن لم يكن قائف، أو نفاه عنهما، أو أشكل، توقفنا حتى ‏يبلغ المولود، فينتسب إلى أحدهما، فإن بلغ مجنونا، صبرنا حتى يفيق، فإذا انتسب، تبعه الرضيع، فإن مات قبل ‏الانتساب وكان له ولد قام مقامه في الانتساب، فإن كان له أولاد فانتسب بعضهم إلى هذا، وبعضهم إلى هذا، ‏استمر الاشكال، فإن لم يكن له ولد، وبقي الاشتباه، ففي الرضيع قولان، أحدهما: أنه ابنهما جميعا، ويجوز أن ‏يكون لواحد آباء من الرضاع بخلاف النسب، وأظهرهما: لا يكون ابنهما، لانه تابع للولد فعلى الاول هل يكفي ‏خمس رضعات، أم يحتاج إلى عشر ؟ وجهان خرجهما الداركي، وذكر في البسيط أن معنى هذا القول على ‏ضعفه إثبات أبوتهما ظاهرا دون الباطن، وهذا خلاف ما قاله الاصحاب، وإن كان القول ضعيفا بالاتفاق. وإذا ‏قلنا بالاظهر، فهل للرضيع أن ينتسب بنفسه ؟ قولان نص عليهما في الام أحدهما: لا كما لا يعرض على ‏القائف، وأظهرهما: نعم كما للمولود. والرضاع يؤثر في الاخلاق بخلاف العرض على القائف، فإن معظم ‏اعتماده على الاشباه الظاهرة دون الاخلاق مع أن ابن كج نقل عن ابن القطان والقاضي أبي حامد وجهين في ‏العرض على القائف وهو غريب، فإن قلنا: له الانتساب، فهل يجبر عليه كما يجبر المولود ؟ وجهان، وقيل: ‏قولان، أصحهما: لا، والفرق أن النسب تتعلق به حقوق له وعليه، كالميراث والعتق والشهادة وغيرها، فلا بد ‏من رفع الاشكال، والذي يتعلق بالرضاع حرمة النكاح والامتناع منه سهل. وإذا انتسب إلى أحدهما، كان ابنه، ‏وانقطع عن الآخر، فله نكاح بنته، ولا يخفى الورع، وإن لم ينتسب، أو قلنا: ليس له الانتساب، فليس له أن ‏ينكح بنتيهما جميعا، لان إحداهما أخته، وفي الحاوي وجه أنه يجوز، ويحكم بانقطاع الابوة عنهما، وهذا غلط. ‏وهل له أن ينكح بنت أحدهما ؟ وجهان، أصحهما: لا لان إحداهما أخته، فأشبه ما إذا ‏

أحمد سعد الدين
16-09-2004, 03:46 AM
‏[ 431 ]‏
اختلطت أخته بأجنبية. والثاني: يجوز وهو ظاهر ما نقله المزني، لان الاصل الحل في كل واحدة، فصار كما لو ‏اشتبه ماء طاهر بنجس بخلاف الاخت والاجنبية، فإن الاصل في الاخت التحريم، فصار كاشتباه الماء بالبول، ‏فإنه يعرض عنهما، فإن جوزنا نكاح إحداهما فالصحيح الذي قطع به الجمهور أنه لا يحتاج إلى اجتهاد بخلاف ‏الاواني المشتبهة، فإن فيها علامات ظاهرة، وذكر الفوراني أنه يجتهد في الرجلين أيهما الاب، ثم ينكح بنت ‏من لا يراه أبا، وإذا نكح واحدة، ثم فارقها، فهل له نكاح الاخرى ؟ وجهان، قال أبو إسحق: نعم، لان التحريم ‏غير متعين، فصار كمن صلى بالاجتهاد إلى جهة يجوز أن يصلي إلى جهة أخرى باجتهاد آخر. وقال ابن أبي ‏هريرة: لا يجوز، واختاره القاضي أبو الطيب كالاواني. فصل طلق زوجته، أو مات عنها، ولها لبن منه، ‏فأرضعت به طفلا قبل أن تنكح، فالرضيع ابن المطلق والميت، ولا تنقطع نسبة اللبن بموته وطلاقه، سواء ‏ارتضع في العدة أو بعدها، وسواء قصرت المدة أم طالت كعشر سنين وأكثر، وسواء انقطع اللبن ثم عاد، أم لم ‏ينقطع لانه لم يحدث ما يحال اللبن عليه، فهو على استمراره منسوب إليه، وقيل: إن انقطع وعاد بعد مضي ‏أربع سنين من وقت الطلاق لم يكن منسوبا إليه كما لو أتت بولد بعد هذه المدة لا يلحقه، هكذا خصص البغوي ‏هذا الوجه بما إذا انقطع وعاد، ومنهم من يشعر كلامه بطرده في صورة استمرار اللبن، وكيف كان، فالصحيح ‏ما سبق. فلو نكحت بعد العدة زوجا، وولدت منه، فاللبن بعد الولادة للثاني، سواء انقطع وعاد، أم لم ينقطع لان ‏اللبن تبع للولد، والولد للثاني. وأما قبل الولادة من الزوج الثاني، فإن لم يصبها أو أصابها ولم تحبل، أو حبلت ‏ولم يدخل وقت حدوث اللبن لهذا الحمل، فاللبن للاول، سواء زاد على ما كان أم لا، وسواء انقطع، ثم عاد أم ‏لا، ويقال: أقل مدة يحدث فيها اللبن للحمل أربعون يوما. وإن دخل وقت حدوث اللبن للحمل، فإما أن ‏

‏[ 432 ]‏
ينقطع اللبن مدة طويلة، وإما أن لا يكون كذلك بأن لم ينقطع، أو انقطع مدة يسيرة، ففي الحالة الاولى ثلاثة ‏أقوال، أظهرها: أنه لبن الاول، والثاني: أنه للثاني، والثالث: لهما. وفي الحالة الثانية ثلاثة أقوال أيضا، ‏المشهور أنه للاول، والثاني لهما، والثالث إن زاد اللبن فلهما، وإلا فللاول. ولو نزل للبكر لبن، فنكحت، ولها ‏لبن ثم حبلت من الزوج، فحيث قلنا فيما سبق: إن اللبن للثاني أو لهما، فهنا يكون للزوج، وحيث قلنا: هو ‏للاول، فهو هنا للمرأة وحدها ولا أب للرضيع. ولو حبلت إمرأة من الزنا وهي ذات لبن من زوج، فحيث قلنا ‏هناك: اللبن للاول، أولهما فهو للزوج. وحيث قلنا: هو للثاني، فلا أب للرضيع. ولو نكحت إمرأة لا لبن لها، ‏فحبلت ونزل لها لبن، قال المتولي في ثبوت الحرمة بين الرضيع والزوج وجهان بناء على الخلاف، إن جعلنا ‏اللبن للاول لم يجعل الحمل مؤثرا ولا تثبت الحرمة حتى ينفصل الولد، وإن جعلناه للثاني أولهما، ثبتت. الباب ‏الثالث في الرضاع القاطع للنكاح وحكم الغرم فيه طرفان: الاول: في الغرم عند انقطاع النكاح. الرضاع الطارئ ‏قد يقطع النكاح وإن لم يقتض حرمة مؤبدة، وستأتي أمثلته إن شاء الله تعالى، وقد يقطعه لاقتضائه حرمة ‏مؤبدة، فكل إمرأة يحرم عليه أن ينكح بنتها إذا أرضعت تلك المرأة زوجته الصغيرة خمس رضعات، ثبتت ‏الحرمة المؤبدة، وانقطع النكاح. فإذا كان تحته صغيرة، فأرضعتها أمه من النسب أو الرضاع، أو جدته أو بنته ‏أو حافدته منهما، أو زوجة أبيه، أو ابنه، أو أخيه بلبانهم خمس رضعات، انفسخ النكاح. فإن كان اللبن من غير ‏الاب والابن والاخ لم يؤثر، لان غايته أن تصير ربيبة أبيه أو ابنه أو أخيه، وليست بحرام. ولو أرضعتها زوجة ‏أخرى له بلبنه، انفسخ النكاح، وثبتت الحرمة المؤبدة، لانها بنته، وإن كان اللبن لغيره فسنذكره إن شاء الله ‏تعالى، ثم الصغيرة التي ينفسخ نكاحها بالرضاع تستحق نصف المسمى إن كان صحيحا، أو نصف مهر المثل ‏إن كان فاسدا إلا أن يكون الانفساخ من جهتها بأن دبت، فرضعت من نائمة، ‏

‏[ 433 ]‏
فإنه لا شئ لها على المذهب، كما سنذكره إن شاء الله تعالى، ويجب على المرضعة الغرم للزوج، سواء قصدت ‏بالارضاع فسخ النكاح أم لا، وسواء وجب عليها الارضاع بأن لا يكون هناك مرضعة غيرها أم لا، لان غرامة ‏الاتلاف لا تختلف بهذه الاسباب، وفيما إذا لزمها الارضاع احتمال للشيخ أبي حامد، ثم نص هنا أن على ‏المرضعة نصف مهر المثل، ونص أن شهود الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا يلزمهم جميع مهر المثل، فقيل: ‏فيهما قولان نقلا وتخريجا، وقيل: بتقرير النصين، لان فرقة الرضاع حقيقية، فلا توجب إلا النصف. وفي ‏الشهادة النكاح باق في الحقيقة بزعم الزوج والشهود، لكنهما حالا بينه وبين البضع، فغرما قيمته، كالغاصب ‏الحائل بين المالك والمغصوب. فإن قلنا بالقولين، فهل هما في كل المسمى ونصفه، أم في مهر المثل ونصفه ؟ ‏قولان، فحصل في الرضاع أربعة أقوال، أظهرها عند الجمهور: نصف مهر المثل. والثاني: جميعه، والثالث: ‏نصف المسمى، والرابع جميعه. فرع نكح العبد صغيرة، فأرضعتها إسحق، وانفسخ النكاح، فللصغيرة نصف ‏المسمى في كسبه، ولسيده الرجوع على أم العبد بالغرم، لانه بدل البضع، فكان للسيد كعوض الخلع. فرع ‏صغيرة مفوضة أرضعتها أم الزوج، فلها على الزوج المتعة، قال ابن الحداد: ويرجع الزوج على المرضعة ‏بالمتعة، قال الاصحاب: هذا تفريع على القول الذاهب لانه يرجع بنصف المسمى والاظهر: أنه يرجع بنصف ‏مهر المثل هناك وكذا هنا، والصورة إذا كانت الصغيرة أمة، فزوجها السيد بلا مهر،