واشنطن : عاد العراق ليحتل بؤرة التكهنات والتحليلات السياسية في العاصمة الأمريكية فمنذ أن حذر الرئيس الأمريكي جورج بوش في وقت سابق من الشهر الحالي من أن الرئيس العراقي صدام حسين سوف يدرك مغبة عدم السماح لفرق التفتيش الدولية باستئناف مهامها في الأراضي العراقية لتفكيك ما تصفه واشنطن بأسلحة الدمار الشامل
ففي الوقت الذي أوشكت فيه الحرب في أفغانستان علي الانتهاء, تحولت الأنظار خارج وداخل الولايات المتحدة إلى الحديث عن الهدف المقبل لما تسميه واشنطن بالحرب ضد الإرهاب وسط حملة حثيثة لنقل العمليات العسكرية إلى العراق
ولا يمثل الشحن المعادى للعراق مفاجأة لأحد فسجلات التاريخ تحفل بالكثير من الأمثلة حول فترات في تاريخ الولايات المتحدة يظهر فيها مجموعة من السياسيين وذوى المصالح الخاصة الذين يقرعون طبول الحرب ويدفعون صانعي القرار في واشنطن إلى الدخول في مواجهة عسكرية تحت ذرائع تحمل في ثناياها دوافع خفية تبعد كثيرا عن الأهداف المعلنة للدخول في مغامرة عسكرية
ويشير المؤرخون إلى عام 1812 الذي شهد ظهور مجموعة من أعضاء الكونجرس عن الحزب الجمهوري أطلق علي أفرادها وصف صقور الحرب نظرا لإصرارهم على أن تشن الولايات المتحدة -الدولة الوليدة آنذاك - عملية عسكرية ضد بريطانيا عقب انهيار اتفاق حول حركة الملاحة البحرية وخلافات تجارية بين الطرفين في تلك الفترة من التاريخ
ونجح الجمهوريون في حملتهم ضد بريطانيا ودخلت الولايات المتحدة الحرب ضدها , غير أنه اتضح أن الدافع الأساسي من دعوة أعضاء الكونجرس إلى تلك المواجهة كان ضم أجزاء من جنوب كندا إلي الولايات المتحدة
واليوم يكرر التاريخ نفسه في ظل الحملة التي يقودها مجموعة من الجمهوريين البارزين في الكونجرس الأمريكي وعناصر اللوبي اليهودي والسياسيين السابقين المعروفين بمواقفهم المعادية للعرب بوجه عام قبل أو بعد هجمات 11 سبتمبر
ويعمل هؤلاء الصقور علي تصعيد حملتهم تارة في صورة قرار يعيد إلى السطح مرة أخري قضية منع بغداد المفتشين الدوليين من العودة إلى الأراضي العراقية منذ أكثر من ثلاثة سنوات وتارة أخرى في صورة خطاب يدعو صراحة إلي شن هجوم ضد العراق
ومن بين الصقور الذي وقعوا علي الخطاب الأخير الذي تلقاه الرئيس الأمريكي جورج بوش أسماء لها ثقل سياسي مثل هنرى هايد وترينت لوت زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ وجيسى هيلمز العضو الجمهوري البارز في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ وجوزيف ليبيرمان الذي رشحه الديمقراطيون كنائب للرئيس في حملة انتخابات الرئاسة الأخيرة
ويطالب الخطاب البيت الأبيض بنقل العمليات العسكرية مباشرة إلى العراق عقب تحقيق نصر واضح وسهل في أفغانستان وسبق هذا الخطاب قرار بأغلبية كبيرة من مجلس النواب يصف رفض العراق عودة المفتشين بأنه تهديد للأمن القومى للولايات المتحدة
ويعد جيمس ولزى مدير وكالة الاستخبارات المركزية /سي أي إيه/ السابق من أبرز صقور الحرب الجدد في الولايات المتحدة من خارج أعضاء الكونجرس, الذي يعمل حاليا كمستشار للبنتاجون ويضع قضية شن عملية عسكرية للإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين بدعوى تأييد بغداد للإرهاب الدولي هدفا رئيسيا له
وفي حديث لصحيفة واشنطن بوست رد ولزى علي المخاوف من خطورة اندلاع حالة من الغضب في العالم العربي والإسلامي إذا تعرض العراق لضربة عسكرية بقوله: حالة الصمت التي اتسم بها الرأي العام العربي عقب الانتصارات الأخيرة في أفغانستان تثبت أن الخوف فقط هو الذي سيعيد الاحترام للولايات المتحدة في هذا الجزء من العالم
وظهر ولزى في العشرات من البرامج في محطات التلفزيون الأمريكية مؤخرا, كما أفردت له كبريات الصحف مساحات واسعة أسهب فيها في التحذير من مغبة التقاعس عن ضرب العراق, بل إنه قال أن الخطر الذي يمثله استمرار صدام حسين أشبه بخطر النازية والفاشية
ولا يقتصر عداء ولزى للعراق علي الأسابيع الأخيرة, بل أنه يعود إلي منتصف التسعينيات منذ أن استقال من منصبه في وكالة الاستخبارات الذي شغله لمدة عامين ففي عام 1998 وقع ولزى مع سبع عشرة من ذوى الاتجاهات اليمينية المحافظة على خطاب للرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون يطالبونه فيه بوضع خطة لضرب العراق
ومن بين أقرب أصدقاء ولزي, كما جاء على لسانه, بول ولفويتز نائب وزير الدفاع الحالي وريتشارد بيرل مساعد وزير الدفاع فى إدارة الرئيس السابق رونالد ريجان والذي يعمل حاليا مستشارا للبنتاجون وليس من قبيل المصادفة أن يأتى ولفويتز وبيرل على راس القائمة التي تطالب ليلا وصباحا بتوجيه ضربة حاسمة للعراق سواء قبل أو بعد هجمات سبتمبر الأخيرة وينضم إلي صقور الحرب في الولايات المتحدة مساعد وزير الدفاع السابق روبرت جافكى وتوم لانتوس عضو مجلس النواب اليهودي الذي يقود حملة دائمة ومنتظمة ضد الدول العربية إلى جانب عدد من العناصر البارزة في معاهد البحث والفكر في الولايات المتحدة المعروفة بدعمها المطلق لإسرائيل , ولا يمكن أن يتم الحديث عن تلك القائمة دون الإشارة إلي دور الصحف ومحطات التليفزيون الأمريكية التي تساهم إلى حد بعيد في تشكيل الرأي العام الأمريكي مع أو ضد أطراف بعينها
ومن غير الممكن أن يمضى يوم واحد دون أن تخصص أحد البرامج في محطة /سي إن إن/ علي سبيل المثال الموضوع الرئيسي للحديث عن الضربة المتوقعة للعراق واستضافة أسماء معروفة بمواقفها مسبقا على ذلك
وداخل الإدارة الأمريكية ذاتها توجد أعمدة رئيسية معروفة بمواقفها من العراق وعلي رأس هؤلاء المسئولين تأتى مستشارة الأمن القومي الأمريكى كوندوليزا رايس التي لا يتخذ بوش قرارا دون العودة إليها ويعرف عن رايس تأييدها القوي لاستكمال المهمة العسكرية التي بدأها جورج بوش الأب في العراق وليس سرا أن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد لا يختلف كثيرا في الرأي عن نائبه بول ولفويتز في ضرورة ضرب العراق, خاصة بعد النجاح السهل في أفغانستان
وطبقا للآراء التي يروج لها هؤلاء, أصبحت قضية نقل العمليات العسكرية إلى العراق ليست مسألة شن الهجوم من عدمه بل كيف ومتى
ويبرر هؤلاء الصقور موقفهم بعدة نقاط بالية أولها أن العراق يطور أسلحة الدمار الشامل ويرفض عودة المفتشين الدوليين وثانيها: أن صدام حسين يمثل خطرا دائما لاستقرار الشرق الأوسط ثالثها: أن العراق تورط في السابق في محاولات إرهابية منها محاولة اغتيال الرئيس السابق جورج بوش الأب رابعها ما تردد حول عقد لقاء بين محمد عطا, أحد منفذي هجمات سبتمبر, وعميل للمخابرات العراقية كما ذكر مسئول أمنى في جمهورية التشيكوتشير تلك المعلومة -كما يدعي الأمريكيون - إلى أن العراق ضالع فيما تسميه واشنطن بالإرهاب الدولي ولذا فهو هدف مشروع
غير أن قضية ضرب العراق تشهد معارضة من قبل عناصر بارزة في عملية صنع القرار بالولايات المتحدة, أهمها الرجل الذي يمسك بزمام الدبلوماسية الأمريكية وزير الخارجية كولين باول الذي يعرف جيدا ما يعنيه ضرب العراق فى ظل الأوضاع السياسية الراهنة بالشرق الأوسط
فعلى الرغم من الحملة التي يغذيها اللوبي اليهودي وصقور الإدارة, قلل باول من إمكانية توجيه ضربة عسكرية ضد العراق في إطار الحرب ضد الإرهاب, موضحا أن الانتصار السريع الذي حققته الولايات المتحدة في أفغانستان ليس مبررا للاعتقاد بإمكانية تحقيق نصر عسكري مماثل في العراق
وسعي باول, في حديث نشرته صحيفة واشنطن بوست مؤخرا, إلي التخفيف من التكهنات المتزايدة بأن العراق هو المحطة التالية للعمل العسكري الأمريكي وأوضح باول, الذي يتعرض لانتقادات متزايدة من العناصر المتشددة في واشنطن, أن العراق يمتلك جيشا أقوى بمراحل كثيرة عن أفغانستان وأنه لا يمكن المقارنة بين المعارضة العراقية والتحالف الشمالي الذي ساهم في إسقاط حركة طالبان
وقال باول في معرض المقارنة بين العراق وأفغانستان قال :هما بلدان مختلفان في نظام الحكم , وقدرات عسكرية مختلفة فهما مختلفان بدرجة كبيرة لدرجة أنك لا تستطيع أن تأخذ النموذج الأفغاني وتطبقه في علي العراق فورا مشيرا في الوقت نفسه إلى أن الإدارة الأمريكية تنظر في وسائل إسقاط النظام العراقي
وينضم إلى باول توم داشل زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأمريكي الذي حذر من مغبة توجيه الولايات المتحدة ضربة سريعة ومنفردة ضد العراق بوصفه خطأ وقال داشل أن أي هجوم ضد العراق سيتسبب في مشاكل خطيرة في الشرق الأوسط ويثير قلق الدول الإسلامية حول توجهات السياسة الأمريكية
ومن المفارقة أن قائمة المعارضين تشمل أيضا سكوت ريتير الذي تولى لبعض الوقت رئاسة فرق التفتيش على الأسلحة في العراق والذي يرى أن المجتمع الدولي لن يقبل توسيع تعريف /الإرهاب / ليشمل العراق كما يريد البعض في واشنطن