الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه ، أما بعد :
فإن الله عز وجل قرن حق الوالدين بحقه في آيات كثيرة ، مثل قوله عز وجل : " وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا " وقوله عز وجل : " وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا " وقوله سبحانه :" وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ "
والآيات في هذا المعنى كثيرة . وهذه الآيات تدل على وجوب برهما ، والإحسان إليهما وشكرهما على إحسانهما إلى الولد من حين وجد في بطن أمه إلى أن استقل بنفسه وعرف مصالحه . وبرهما يشمل الإنفاق عليهما عند الحاجة ، والسمع والطاعة لهما في المعروف ، وخفض الجناح لهما ، وعدم رفع الصوت عليهما ، ومخاطبتهما بالكلام الطيب والأسلوب الحسن ، كما قال الله عز وجل في سورة بني إسرائيل : " وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا "
وفي الصحيحين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي العمل أفضل؟ " قال الصلاة على وقتها قيل ثم أي؟ قال بر الوالدين قيل ثم أي؟ قال الجهاد في سبيل الله" وقال صلى الله عليه وسلم :" رضا الله في رضا الوالدين وسخط الله في سخط الوالدين " خرجه الترمذي ، وصححه ابن حبان ، والحاكم ، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما . والأحاديث في وجوب برهما والإحسان إليهما كثيرة جدا .
وضد البر : هو العقوق لهما ، وذلك من أكبر الكبائر . لما ثبت في الصحيحين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثا قلنا بلى يا رسول الله قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور" وفي الصحيحين أيضا ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من الكبائر شتم الرجل والديه قيل يا رسول الله وهل يسب الرجل والديه؟ قال نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه " فجعل صلى الله عليه وسلم التسبب في سب الوالدين سبا لهما . فالواجب على كل مسلم ومسلمة العناية ببر الوالدين ، والإحسان إليهما ، ولا سيما عند الكبر والحاجة إلى العطف والبر والخدمة ، مع الحذر كل الحذر من عقوقهما والإساءة إليهما بقول أو عمل .
والله المسئول أن يوفق المسلمين لكل ما فيه رضاه ، وأن يفقههم في الدين ، وأن يعينهم على بر والديهم ، وصلة أرحامهم ، وأن يعيذهم من العقوق والقطيعة للرحم ، ومن كل ما يغضب الله ويباعد من رحمته ، إنه ولي ذلك والقادر عليه .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وآله وصحبه .