شروط الدعوة إلى الله
الشرط الأول : الإخلاص
قال الله تعالى : " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة "
وقال صلى الله عليه وسلم : " إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى .. "
فالدعوة إلى الله عبادة ، فيتدبر المرء هذا المشهد جليًا ، ويعلم من هذا أنَّ قيامه بهذا الواجب هو ما أمر به أما النتائج فليست داخلة في واجبه ، وليست من شأنه بل هي قدر الله تعالى ومشيئته ، وهو ونيته وجهده وعمله جانب من هذا القدر ، ومن هنا تكتسب الأعمال قيمتها في النفس من بواعثها لا من نتائجها ، وجزاء المرء في العبادة التي أداها لا في النتائج التي أحرزها .
ومتى استقر هذا المعنى في القلب تباعدت عنه الأطماع الدنيوية ، لأنه حينئذٍ يرتفع إلى أفق العبودية فتأنف نفسه وسيلة خسيسة لتحقيق غاية كريمة ولو كانت هذه الغاية هي نصرة دين الله وجعل كلمة الله هي العليا ، لأنَّ الوسيلة الخسيسة تحطم معنى العبادة الشريف ، فلا نمنِّي النفس بلوغ الغايات بل هي حريصة على أداء الواجبات ، ويستمتع العبد بعد هذا براحة الضمير وطمأنينة النفس وصلاح البال في جميع الأحوال سواء راى ثمرة عمله أم لم يرها .
والإخلاص عزيز ، ولذلك يحتاج القلب إلى تمحيص النوايا ، فعلى كل منا أن يتهم نفسه ، وأن يلقي باللائمة عليها ففي الإخلاص الخلاص
ولذلك ينبغي أن يكون هناك تمحيص مستمر للمسيرة الدعوية ، ومحاولة الكشف عن العيوب ، من الهوى والشهرة وحب الظهور وحب النفس والعمل لها وطلب الجاه والرياسة .
ولهذا يحتاج من الداعية دوام اللجأ إلى الله والاستعانة به على آفات نفسه ، " نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا "
الشرط الثاني : وضوح الهدف
بعض الناس قد يمارس العمل الدعوي ، لكن بدون منهج ، فالغاية قد لا تكون في ذهنه أكثر من هتاف بشعارات لا يدري معناها ، أو هو لا يقوم بواجباتها ، وقد تكون الأهداف مجرد عبارات إنشائية يتشدق بها .
وقد تتعلق القلوب بأهداف كبرى تحتاج إلى وقت ليس بالقصير ، ومع الوقت يتسلل إلى النفوس الشعور بالفشل والإحباط ، فهو يحلم بالدولة الإسلامية سنوات طوال ، ومر وقت طويل ولم ير حلمه يتحقق في الواقع .
والطريقة الصحيحة هنا أنْ نحدد الأهداف الكبرى لتكون نصب الأعين ، ثم نحدد أهدافًا جزئية يسعى كل منَّا لتحقيقها .
هذا الهدف الجزئي قد يكون دعوة الزوجة أو الزوج ، دعوة الأب أو الأم ، دعوة الأخ أو الأخت ، دعوة الصديق أو الجار ، دعوة زملاء العمل أو رفقاء السفر .
لكن يتبقى سؤال مهم في هذا الصدد ألا وهو :
إلام ندعو ؟ ما الهدف ؟
لا ريب أنَّ أطروحات عديدة تحدثت عن هذه القضية ، وتباينت وجهات النظر إزاء تلك المسألة الخطيرة ، ولا أجدني في هذا المقام ، وبعد تجارب واقعية كثيرة إلا مؤكدًا على تلك الأهداف الكبرى التي أظنكم لا تختلفون معي حولها .
وإذا كان الأصوليون يقولون : إن المقاصد العامة للشريعة الإسلامية خمسة : هي حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ النسل وحفظ العقل وحفظ المال .
ويقول الشاطبي أن ثمة مقاصد جزئية يتحقق بها المقصد الكلي ، فنحن نستعير منه هذه الوجهة في إيضاح الأهداف والمقاصد للدعوة ، فإذا كان الهدف الأم هو نشر دين الله تعالى في شتى بقاع الأرض ، وأن تمحق من الأرض رايات الكفر والإلحاد .
وهذا لا يتحقق إلا بثلاثة أمور :
التوحيد واتباع النبي محمد وأصحابه وتزكية النفوس ، وقد تؤول جميعًا إلى التوحيد إن أمعنا في فهمه وتدبره .
1) التوحيد أولا
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ( في مفتتح الجزء الثاني من مجموع الفتاوى ) : وكان المقصود بالدعوة : وصول العباد إلى ما خلقوا له من عبادة ربهم وحده لا شريك له ، والعبادة أصلها عبادة القلب المستتبع للجوارح فإن القلب هو الملك والأعضاء جنوده . وهو المضغة الذي إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد . وإنما ذلك بعلمه وحاله كان هذا الأصل الذي هو عبادة الله : بمعرفته ومحبته : هو أصل الدعوة في القرآن . فقال تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } .
ومن باب النقد الذاتي والإنصاف ينبغي هنا أن نعيد النظر طويلًا في طرق تعليمنا للتوحيد والعقيدة ، فقد صار الأمر متوقفًا عند كثير منا في حدود الدرس الأكاديمي الذي لابد منه لتأصيل المسائل في العقول ، ولكن دون أن تصبح العقيدة من جملة العلوم والصنائع فحسب ، فلا ترتبط القلوب بعلام الغيوب ، فيمسي الطالب وقد درس العقيدة وألمَّ بكتبها ، ولا يجد لها صدى في قلبه .
ومن هنا عندما يصطدم هؤلاء بواقع الناس قد تبوء محاولاته بالفشل وهو يريد أن يدعو الناس للإيمان باليوم الآخر أو بالقدر مثلًا .
نحن نحتاج أن تتشرب القلوب معنى توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات بعد تفهمها جيدًا لها على المستوى النظرى .
اتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه
وهنا تأتي قضية الالتزام بسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، ومحاربة البدع ، ومحاربة التيارات الإلحادية التي تسعى من حين لآخر للنيل من السنة ، وينبغي أن تشهد الساحة الدعوية مزيدًا من التكثيف لنشر السنة ، والتزام هدي السلف الصالح لأنها بمثابة التطبيق العملي الذي يشكل النموذج القدوة الذي يضعه الناس في كل زمان أمامهم لترشد مسيرتهم وتهتدي خطاهم .
قال الله تعالى " فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا "
وقال تعالى " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراُ "
تزكية النفوس
من الأهداف التي تحتاج إلى مزيد عناية من الدعاة ، قضية " تزكية النفوس " لأننا عانينا الأمرين عندما اتجهنا نحو تركيز المادة العلمية الشرعية ، وابتعدنا عن الجانب الأخلاقي ، اللهم إلا بعض المواعظ التي لا تسمن ولا تغني من جوع فخرج علينا جيل من المتعالمين ، ومن أنصاف طلبة العلم ، وأحدثوا ما أحدثوا .
والتزكية علم شريف ، والأمة قد نجد بها العلماء والدعاة ، ولكن أين المربون ؟
إنهم أعز من الكبريت الأحمر .
وهذه هي الأمور التي جاءت دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بها " هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين "
فكل مقصد من هذه المقاصد له وسائله ، وينبغي أن نسعى في إيجاد هذه الوسائل لتتحقق الأهداف .