أعشاش طائر الباتروس
إنّ ارتباط أنثى الطير بفراخها ظاهرة موجودة في جميع أنواع الطيور ومن هذه الطيور الباتروس التي تتكاثر في مسقط رأسها في موسم التلقيح حين تتجمع وتشكل مستعمرة كبيرة ويقوم الذكور بإصلاح الأعشاش البالية قبل أسابيع من قدوم الإناث، وهكذا يتمّ الإعداد لمسكن الإناث والفراخ. أما الاهتمام بالبيض فيمكن مشاهدته عند مراقبة سلوك طائر الباتروس أيضا لأن هذا الطير يستمر واقفا على البيض طيلة 50 يوما دون حراك ، وهذه االعناية الفائقة لا تقتصر على البيض فقط وإنما تشمل الفراخ الخارجة من هذه البيض فيقوم هذا الطائر بقطع مسافة 1,5 كم في كل مرة يخرج فيها لجلب الطعام (41).
أعشاش الطّيور ذات القرون
يعتبر موسم التكاثر موسم عمل ضخم بالنسبة إلى هذه الطيور لأنها تبدي فيه نشاطا يثير الإعجاب سواء ذكرا كان أم أنثى, وأوّل خطوة يجب اتباعها بالنسبة إليهما هي بناء عش مأمون للأنثى والفرخ الصغير القادم.
ويشرع الذكر في العمل فيبحث عن ثقب مناسب في الشجرة ومن ثم تدخل الأنثى هذا الثقب وبعدها يقوم الذكر بسد مدخل الثقب بالطين. بيد أنّ هناك جانبا مهمّا في بناء هذا العش إذ أنّ الذكر وهو يسد المدخل بالطين حماية للأنثى وصغيرها من خطر الأفاعي وغيرها يترك فجوة صغيرة في هذا الثقب وعن طريق هذه الفجوة يمدّ الذكر الأنثى بالطعام لأنها تظل راقدة على البيض لمدة ثلاثة أشهر متواصلة لا تخرج فيها من العش ولو مرّة واحدة، وحتى الصّغار عندما يخرجون من البيض يتم تزويدهم بالطعام عبر هذه الفجوة (4).
ويتصرف الذكر والأنثى تجاه صغارهما بكل صبر ومثابرة وتفان, فالأنثى ترقد على البيض لمدة ثلاثة أشهر متواصلة في داخل العش الذي يكاد يكفيها هي فقط سعة أما الذكر فلا يغفل عنها ولا عن البيض بل يستمر في الرعاية والاهتمام حتى النهاية.
ونفهم من خلال هذه الأمثلة أن لكل نوع من أنواع الطيور أسلوبه الخاص في إنشاء الأعشاش، وكل أسلوب من هذه الأساليب يعتبر معقدا إلى حد كبير ولكن يتبع وينفذ من قبل حيوان غير عاقل و لا يملك منطقا معينا، في حين أنّ هذه الأساليب تتطلب تخطيطا وتصميما كبيرين. ودعونا نفكر في هذه الأمثلة التي تتمثل في كائنات حية غير عاقلة ولكن سلوكها كله عبارة عن شفقة و رأفة و تضحية وتفاني وفق تخطيط بارع. ما مصدر هذه الأنماط السلوكية ؟ وإذا كانت هذه الكائنات الحية لا تملك إرادتها الفاعلة لاتباع هذه الأنماط السلوكية فإذن هناك قوة موجّهة لها فيما تفعله، ومصدر هذه القوة هو الله رب السماوات والأرض وما بينهما .
الأعشاش التي تبنيها الكائنات الحية المختلفة
نحل "البامبوس" :يتميز هذا النوع من النحل بتضحية وتفان فريدين عند بنائه لخليته، فالملكة الشابة تبدأ في البحث عن أنسب مكان لإنشاء الخلية قبل أن تبدأ بوضع بيضها بفترة قصيرة، وبعد أن تجد المكان المناسب، تكون المرحلة اللاّحقة هي إيجاد المواد اللازمة لبناء الخلية من ريش أو عشب أو ورقة نباتية.
في البداية تبني الملكة مكانا خاصا بحجم كرة المنضدة في وسط الخلية وتبنيه بواسطة المواد الأولية التي تجمعها من المحيط الذي توجد فيه، أما المرحلة الآتية فتتمثل في عملية جمع الغذاء للخلية. فعندما تخرج الملكة تبدأ بالتحليق راسمة دوائر وهمية في الهواء واتجاهها أثناء التحليق يكون نحو الخلية دوما وبهذه الطريقة تتذكر موقع خليتها ولا تنساه، وتقوم بجمع رحيق الأزهار أو لب العسل وعندما ترى الكمية كافية تعود لتفرغ ما في بطنها في المكان المخصص في الخلية. أما الجزء الّذي لا يمكن التّغذّي منه فلا تلفظه خارج الخلية بل تستخدمه في صناعة سائل لاصق يفيد في لصق المواد البنائية للخلية إضافة إلى دوره كعازل حراري. وبعد تغذيها من هذا العسل تبدأ بإفراز مادة الشمع إضافة إلى استخدامها رحيق الأزهار الذي جمعته في عمل غرف صغيرة كروية الشكل لتضع فيها من 8-18 بيضة والتي ستفقس عن أول نحلات عاملة في الخلية وتقوم الملكة بسدّ هذه الغرف وما حولها برحيق الأزهار سدا محكما.
ويتم وضع البيض في هذه الغرف بترتيب محكم لا فوضى فيه. والمهمة الرئيسية الأخرى هي تغذية هذه العاملات, لذا تقوم الملكة الشابة بإنشاء أوعية خاصة من الشّمع تضع فيها خلاصة العسل, وبعد فترة تكوين تتراوح ما بين أربعة و خمسة أيام تجد العاملات الخارجات من البيض غذاء جاهزا لها قوامه لبّ العسل ورحيق الأزهار .
ولو أمعنا النظر في هذه العملية بكافة تفاصيلها لوجدنا أمامنا حيوانا غير عاقل وعديم المنطق ولكنه يستطيع استخدام خلاصة العسل كأفضل عامل بناء بالإضافة إلى تفانيه لإنشاء خلية مليئة بالأفراد الصحيحين النشيطين. أمّا طول هذه الحشرة فلا يتجاوز بضعة سنتمترات. و أول ما يتبادر إلى أذهاننا من سؤال هو لماذا كلّ هذا الإيثار والتضحية من قبل الملكة ؟ فالملكة بعد خروج العاملات من البيض لا تكسب شيئا ذا بال، بالإضافة إلى وجود احتمال تركها لخليتها التي أنشأتها عند قدوم ملكة أخرى تزاحمها فيها. بلا شك هناك سبب لتفانيها هذا وتحملها كل هذا الجهد الدّؤوب وهو الإلهام الإلهي الذي يوجه باقي الكائنات الحية أيضا. إذن فلا مكان في عالم الأحياء لمفهوم الأنانية التي يقول بها دعاة التطور (43).
الملاجئ الثّلجيّة للدّب القطبي
تنشئ أنثى الدّب القطبي ملجأ ثلجيا عندما تكون حاملا أو بعد وضعها لوليدها, وهذا الملجأ تحت ركام الجليد، و عدا هذا فإنها لا تعيش في ملاجئ أو مساكن معينة. وعموما تضع الأنثى وليدها في منتصف الشتاء, و يكون الوليد الصّغير لحظة ولادته أعمى و لا شعر له إضافة إلى صغر حجمه، لذا فالحاجة ماسة إلى ملجئ لرعاية هذا المولود الصّغير الضعيف. والملجأ التقليدي يتم إنشاؤه على شكل مترين طولا ونصف قطره تقريبا أي نصف متر عرضا لأن الملجأ يكون على شكل كرة ارتفاعها نصف متر أيضا. ولكن هذا المسكن أو الملجأ لم ينشأ هكذا دون أيّ اهتمام أو تخطيط بل حفر تحت الجليد بكل عناية واهتمام وسط بيئة مغطاة بالجليد, وتم توفير كل وسائل الراحة والرعاية للوليد الصغير في هذا الملجأ. وعموما فإنّ لهذه الملاجئ أكثر من غرفة تنشؤها الأنثى بمستوى أعلى قليلا من مدخل الملجأ كي لايسمح للدفء بالتّسرب إلى الخارج.
وطيلة فصل الشتاء تتراكم الثلوج على الملجأ ومدخله وتحافظ الأنثى على قناة صغيرة للتهويه والتنفس، ويكون سقف الملجأ بسمك يتراوح ما بين 75 سم و مترين. و يقوم هذا السقف بدور العازل الحراري فيحافظ على الدفء الموجود داخل الملجإ ولهذا تبقى درجة الحرارة ثابتة داخله (45).
وقام أحد الباحثين في جامعة أسلو النرويجية ويدعى Paul Watts بتثبيت محرار في سقف أحد ملاجئ الدّببة لقياس درجة الحرارة وتوصّل إلى نتيجة مذهلة, فدرجة الحرارة خارج الملجأ كانت حوالي 30 تحت الصفر أما داخل الملجأ فلم تنزل الحرارة تحت 2-3 أبدا. والظاهرة الملفتة للانتباه هي كيفية قياس أنثى الدب لسمك السّقف الثلجي كي يتواءم مع درجة عزله الحراري لداخل الملجأ إضافة إلى كون الوسط داخل الملجأ بهذه الحرارة ملائما للأنثى من ناحية تنظيم استهلاك مخزونها الدّهني في جسمها أثناء سباتها الشتوي, والأمر الآخر المحير هو خفض أنثى الدب القطبي لجميع فعالياتها الحيوية إلى درجة كبيرة أثناء سباتها الشتوي كي لا تصرف طاقة زائدة ولتساعد على إرضاع صغيرها، وطيلة سبعة أشهر تحوّل الدّهن الموجود في جسمها إلى بروتين لازم لتغذية صغارها, أما هي فلا تتغذى أبدا وتنخفض دقات قلبها من 70 ضربة في الدقيقة إلى ثمان ضربات في الدقيقة وبالتالي تنخفض فعالياتها الحيوية، ولا تقوم بقضاء حاجاتها أيضا وبهذه الطريقة لا تصرف طاقتها اللازمة لتنشئة الصغار الذين سيلدون في تلك الفترة.
مساكن التّماسيح
تعدّ أنثى التمساح الذي يعيش في منطقة "أفيركليدس" في فلوريدا مكانا مختلفا جدّا لوضع البض فهي تقوم بجمع النباتات المتعفنة وتخلطها بالطين لتصنع منها تلة ارتفاعها 90سم تقريبا ومن ثم تحفر حفرة في قمة هذه التلة لتضع فيها بيضها وتغطيها بعد ذلك بالنباتات التي تكون قد جمعتها من قبل ثم تبدأ بحراسة هذه التلة من خطر الأعداء. وعندما يبدأ البيض بالفقس تقترب الأم عند سماع أصوات صغارها وهم يصدرون أصواتا متميزة و تقوم بإزالة النباتات التي غطتها بها ويبدأ الصغار بالتسلق إلى أعلى, و تجمعهم الأم في تجويف فمها المتسع وتذهب بهم إلى الماء ليبدأوا حياتهم (46).
مسكن الضفدع "الحداد"
يعتبر هذا النوع من أبرع البرمائيات في إنشاء مسكه وهو يعيش في جنوب إفريقيا، و يقوم الذكر بإنشاء هذا المسكن على ضفة الماء فالذكر يشرع في الدوران حول نفسه في الطين حتى يحدث فيه ثقبا واضحا، ومن ثم يقوم بتوسيع حوافي هذا الثقب، وعند اكتمال هذه الخطوة يبدأ بتكوين جدران طينيّة متينة لهذا الثقب وفي النهاية يكون قد أنشأ حوضا مائيا بعمق 10سم، ويبدأ بالجلوس داخل هذا الحوض ويصدر أصواتا يدعو فيها الإناث للتكاثر (التزاوج) ويظل على هذا الوضع حتى يلفت انتباه إحدى الإناث وعند مجيء الأنثى تبدأ بوضع بيضها داخل الحوض أما الذكر فوظيفته تلقيح هذا البيض. وبعد ذلك يبدأ كلاهما بمراقبة هذا البيض حتى فقسه، وعند الفقس تخرج يرقات الضفادع والتي تكون محاطة بغلاف واقي وتبقى في هذا الحوض بمأمن من خطر الأسماك والحشرات وعندما تترعرع سرعان ما تثبت فوق جدران هذا الحوض المخصص (لرعاية الصغار) لتخرج وتبدأ حياتها (47).
مهندسو ما تحت الماء
من المعلوم أن الأسماك ليس من عادتها بناء منازل خاصة بها، إلا أن هناك أنواعا منها يسلك سلوكا محيرا, فأسماك المياه العذبة تنشأ لها مساكن خاصة في قيعان البحيرات أو الأنهار أو المياه الراكدة، وغالبا ما تكون على شكل حفر يتم حفرها بين الأحجار أو الرمال، ومثال على ذلك سمك " السلمون " وسمك "البني " فهي تترك بيضها داخل هذه الحفر حتى تفقّس لوحدها. و هناك أنواع أخرى من الأسماك تقوم بحراسة هذا البيض بالتناوب بين الذكر والأنثى عندما يكون البيض مكشوفا والأخطار محيقة . ومعظم أنواع الأسماك تتميز بكون الذكر هو المسؤول عن إنشاء المساكن الخاصة بوضع البيض وحراستها أيضا.
وهناك أسماك تتميز بكون مساكنها أكثر تعقيدا، ومثال ذلك السمك الشوكي الذي يعيش في أغلب المناطق النّهرية والبحيرات في كلّ من أمريكا الشمالية وأوروبا إذ يقوم الذكر بإنشاء أعشاش أكثر اتقانا من أعشاش الطيور، حيث يقوم هذا النوع من السمك بجمع أجزاء من النباتات المائية ومن ثم يلصقها ببعضها البعض عن طريق سائل لزج يفرز من كليّ هذا السّمك ويقوم الذكر بالسباحة حول هذه الخلطة اللزجة والتمسح بها حتى يعطيها شكلا طوليا منتظما وبعدها يثب فجأة سابحا من منتصف هذه العجينة شاقا إياها لكي تصبح على شكل نفق له مخرج ومدخل ويمر من خلاله الماء، و إذا حدث أن مرت أنثي بالقرب من هذا النفق العش يقوم الذكر بمغازلتها بالسباحة حولها جيئة وذهابا حتى يذهب بها إلى مدخل النفق الذي يحاول أن يدلها عليه عن طريق مقدمة رأسه، وعندما تبيض الأنثى داخل هذا النفق يدخل الذكر من المقدمة دافعا الأنثى إلى الخارج عن طريق المؤخرة. وهكذا تعاد العملية مع عدة أثاث وهدف الذكر من دخول النفق وطردهم إياهن هو تلقيح البيض. وعندما يمتلأ النفق بالبيض يبدأ الذكر بحراستها ويثابر على السماح بدخول الماء العذب إلى النفق، ومن جانب آخر يقوم بترميم الأجزاء التالفة منه، ويستمر في حراسة النفق حتى بعد عدة أيام من فقس البيض. وفيما بعد يقوم بقطع الجزء العلوي من النفق تاركا السفلي لمعيشة الصغار (48).
كيف تنجح الحيوانات في إنجاز هذا العمل ؟
تصوّروا إنسانا ليست لديه أية معرفة بالعمارة ولا عمل في قطاع البناء أبدا وليست لديه خبرة في تحضير المواد الأولية للبناء ولا عن كيفية البناء ومع هذا يقوم بإنشاء مسكن بكل براعة وإتقان, كيف يحصل هذا؟ هل يستطيع أن يفعل ذلك لوحده ! بالتأكيد لا، فالإنسان الذي يعتبر مخلوقا عاقلا وذا منطق من الصعوبة أن يسلك هذا السلوك .
إذن هل من الممكن أن تسلك هذه الحيوانات سلوكا يتطلب ذكاء وقابلية ؟ وكما أسلفنا القول في الصفحات السابقة إنّ أغلب الحيوانات لا فقط لا تملك مخا وإنما تفتقر إلى جهاز عصبي ولو بسيط ولكنّها مع ذلك تقوم بحسابات دقيقة جدا عند إنشائها لأعشاشها، وتطبق قوانين الفيزياء وتستخدم أساليب تتطلب مهارة خاصة بالنسيج والخياطة، إضافة إلى إيجادها حلولا أمام كلّ المشاكل التي تعترض سبيلها أو سبيل صغارها وبصورة عملية تماما. وتعد هذه الحيوانات لنفسها خلطة البناء بصورة طبيعية ومتقنة فضلا عن تركيبها وصفة خاصة لعزل عشها عن تأثيرات البيئة السلبية. ولكن هل يعرف الطير أو الدب القطبي معنى العازل الحراري؟ وهل يفكر هذا الحيوان أو ذاك بضرورة تدفئة عشه أو عرينه ؟ والواضح أن هذه الاستنتاجات الفكرية لا يمكن أن تصدر من هذه الحيوانات، إذن كيف اكتسبت هذه الحيوانات مثل هذه الخبرة والمهارات؟
و هذه الحيوانات تتّصف كذلك بأنها مثابرة وصبورة جدا في إنشائها لمساكنها على الرغم من أن هذه المساكن تكون في أغلب الأحيان محلاّ لسكن صغارها فقط.
هناك تفسير واحد لهذه العقلانية والمنطقية والتفاني في سلوك هذه الحيوانات, إنه الإلهام الإلهي. فالبارئ المصور خلقها بهذه الصورة الكاملة وألهمها هذا السلوك كي تحافظ على نسلها وعلّمها الدفاع عن النفس و الصّيد و التّكاثر كلّ بأسلوبه الخاص الذي يميّزه باعتباره نوعا حيوانياّ مختلف، هو الله الحافظ الرّحمان الذي رحمته وسعت كل شيء وبرحمته هذه علّم هذه الحيوانات كيفية بناء أعشاشها وفق تخطيط بارع و متقن، وما الكلام عن "التطور" و من أن " الطبيعة الأم" أو المصادفات هي التي علمت الكائنات الحية هذه الأنماط السلوكية سوى تخبط لا أساس له سواء فكريا أو علميا، وما سلوك الحيوانات هذا سوى إلا إلهام إلهي ورحمة واسعة من لدن الرحمن الرحيم .
ويقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المبين " وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر وممّا يعرشون " صدق الله العظيم . سورة النحل - الآية 68 .
إنه هو الذي ألهم النحل كيفية بناء الخلية وكذلك باقي الكائنات الحية ألهمت من قبله جلت قدرته كيفية بناء مساكنها وكيفية إعداد المواد اللاّزمة للبناء والأساليب المتّبعة لإنجاز تلك الأعمال و كذلك الحفاظ على النسل والتضحية في سبيل الحفاظ على حياة الصغار. إنّ الكثير من الكائنات الحية تبدي تفانيا محيّرا وتتحمل صعوبات كثيرة في سبيل التكاثر والحفاظ على بيضها أو صغارها المولودين حديثا، ويمكن مشاهدة نماذج في الطبيعة تضحي بحياتها في سبيل ذلك. فمثلا هناك أنواع من الحيوانات تقطع كيلومترات عديدة جدا في سبيل وضع البيض وأخرى تبذل جهدا شاقا ودؤوبا لإنشاء أعشاش آمنة، وأنواع أخرى تموت مباشرة بعد التكاثر ووضع البيض فضلا عن أنواع تحمل بيضها في فمها لمدة أسابيع دون أن تتغذى أو أنواع تحرس بيضها لمدة أسابيع أيضا دون كلل أو ملل.
والحقيقة أن هذه الأنماط السلوكية الفريدة تهدف إلى تحقيق غاية واحدة هي الحفاظ على النّسل لأن الصغار و هم ضعاف لا يستطيعون البقاء إلاّ برعاية الكبار البالغين الأقوياء، فلوترك غزال مولود حديثا وحده في العراء أو لو ترك بيض طير دون حماية لاشك أن حظهما في البقاء يكون ضئيلا جدا. والملاحظ في الطّبيعة أنّ الحيوانات البالغة تقوم برعاية صغارها دون ملل أو إهمال أو استنكاف وتتحمل مسؤولية الرعاية كاملة, كلّ ذلك استجابة للإلهام الإلهي.
والغريب أيضا في هذه المسألة هو كون الكائنات الحية التي تبدي تفانيا ودأبا في رعاية صغارها هي من أقل الكائنات الحية تكاثرا، ومثال على ذلك الطيور فهي تضع عددا محدودا من البيض كلّ سنة ولكنها تهتم بهذا العدد من البيض اهتماما بالغا. وهذا القول جائز في اللبائن أيضا والتي يمكن القول عنها أنها تلد مولودا واحدا أو مولودين ولكنها تستمر في الرّعاية و العناية مدة طويلة نسبيا، وهنا ك كائنات حية لا تبدي اهتماما ملحوظا بصغارها بالرغم من كونها تبيض أعدادا كبيرة من البيض تقدر بالآلاف مثل الأسماك والحشرات أو الفئران التي تلد أعدادا كبيرة في كل موسم تكاثري, ولكونها بهذا العدد الضخم ضمن العائلة الواحدة فإن الاحتمال عال باستمرار النّسل بالرغم من هلاك أعداد كبيرة من الصغار في المراحل الأولى من حياتها. ولو كانت هذه الحيوانات تهتم بصغارها بصورة كبيرة لكانت أعدادها تتزايد باطراد وبالتّالي يحدث خلل في التّوازن البيئي, ومثال على ذلك فئران الحشائش التي تتكاثر بصورة كبيرة جدا ولو حدث أن حافظت على أعدادها المتزايدة لملأت هذه الفئران وجه البسيطة(49). و المعلوم أنّ التكاثر يمكن اعتباره إحدى الوسائل الكفيلة بالحفاظ على التوازن البيئي إلا أن الكائنات الحية لا يمكن لها التحكم في خاصية "التكاثر" هذه من وحي علمها أو سلوكها المنطقي .
والمعلوم أيضا أن هذه الكائنات الحية مخلوقات غير عاقلة لذا فلا يمكن أن ننتظر منها سلوكا ضابطا للإيقاع التكاثري حفاظا على التوازن البيئي و لا حسابا مضبوطا لتحقيق ضرورة التكاثر من أجل استمرار النسل. وكل هذه الشواهد الحية تدل على وجود قوة تدير هذه السيمفونية الطبيعية، وهذه القوة تملي إرادتها على كل كائن حي على حدة ليمارس دوره المسيّر ( وليس المخيّر ) في ممارسة مهمّته في البيئة الطبيعية على أكمل وجه، أي أنّ الحقيقة تتمثل في عدم وجود أيّ كائن حي خارج السيطرة أو تحرّكه بشكل اعتباطي, فكل الكائنات الحية تنقاد وتخضع لله الواحد القهار .
ويقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه المبين عن كيفية تكاثر الأحياء بإذنه جل جلاله وعن كيفية تقديره لحياتها ومماتها وهو الحي القيوم: " الله يعلم ما تحمل كلّ أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار " سورة الرعد - الآية 8 ويقول أيضا: " ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الّذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون " سورة فصلت - الآية 47, أمّا في سورة الشورى-الآية 49-50 فيقول تعالى : " لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء الذكور (49) أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير (50) " صدق الله العظيم