السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأخ الفاضل حبيبكم الطيب
بارك الله فيك
قال تعالى:
قد أفلح المؤمنون. الذين هم فى صلاتهم خاشعون. المؤمنون: 1، 2
وفى التفسير:
1- ابن كثير
وقوله تعالى: {قد أفلح المؤمنون} أي قد فازوا وسعدوا وحصلوا على الفلاح, وهم المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف {الذين هم في صلاتهم خاشعون} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {خاشعون} خائفون ساكنون, وكذا روي عن مجاهد والحسن وقتادة والزهري. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الخشوع خشوع القلب, وكذا قال إبراهيم النخعي. وقال الحسن البصري: كان خشوعهم في قلوبهم, فغضوا بذلك أبصارهم وخفضوا الجناح, وقال محمد بن سيرين: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم, إلى السماء في الصلاة, فلما نزلت هذه الاَية: {قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون} خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم. قال محمد بن سيرين: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه, فإن كان قد اعتاد النظر فليغمض, رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. ثم روى ابن جرير عنه وعن عطاء بن أبي رباح أيضاً مرسلاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك حتى نزلت هذه الاَية, والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لما واشتغل بها عما عداها وآثرها على غيرها, وحينئذ تكون راحة له وقرة عين, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حبب إليّ الطيب والنساء, وجعلت قرة عيني في الصلاة».
2- الطبرى
واختلف أهل التأويـل فـي الذي عنـي به فـي هذا الـموضع من الـخشوع, فقال بعضهم: عنـي به سكون الأطراف فـي الصلاة. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا سفـيان, عن منصور, عن مـجاهد: الّذِينَ هُمْ فِـي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ قال: السكون فـيها.
ـ حدثنا ابن عبد الأعلـى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن الزهريّ: الّذِينَ هُمْ فِـي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ قال: سكون الـمرء فـي صلاته.
حدثنا الـحسن, قال: أخبرنا عبد الرّزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الزهريّ, مثله.
ـ حدثنا الـحسن, قال: أخبرنا عبد الرّزاق, عن الثوريّ, عن أبـي سفـيان الشيبـانـي, عن رجل, عن علـيّ, قال: سئل عن قوله: الّذِينَ فِـي صَلاتِهِمْ خاشعُونَ قال: لا تلتفت فـي صلاتك.
ـ حدثنا عبد الـجبـار بن يحيى الرملـيّ, قال: قال ضَمْرة بن ربـيعة, عن أبـي شَوْذب, عن الـحسن, فـي قوله: الّذِينَ هُمْ فِـي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ قال: كان خشوعهم فـي قلوبهم, فغضوا بذلك البصر وخفضوا به الـجَناح.
ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنا هشيـم, قال: أخبرنا معمر, عن إبراهيـم, فـي قوله: خاشعُونَ قال: الـخشوع فـي القلب, وقال: ساكنون.
قال: حدثنا الـحسن, قال: ثنـي خالد بن عبد الله, عن الـمسعوديّ, عن أبـي سنان, عن رجل من قومه, عن علـيّ رضي الله عنه, قال: الـخشوع فـي القلب, وأن تُلِـين للـمرء الـمسلـم كَنَفك, ولا تلتفت.
ـ قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جرَيج, قال: قال عطاء بن أبـي ربـاح, فـي قوله: الّذِينَ هُمْ فِـي صَلاتِهمْ خاشعُونَ قال: التـخشع فـي الصلاة. وقال لـي غير عطاء: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم إذا قام فـي الصلاة نظر عن يـمينه ويساره ووُجاهه, حتـى نزلت: قَدْ أفْلَـحَ الـمُؤْمِنُونَ الّذِينَ هُمْ فِـي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ فما رُؤي بعد ذلك ينظر إلاّ إلـى الأرض.
وقال آخرون: عنـي به الـخوف فـي هذا الـموضع. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنا ابن عبد الأعلـى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن الـحسن: الّذِينَ هُمْ فِـي صَلاتِهِمْ خاشعُونَ قال: خائفون.
ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرّزاق, قال: أخبرنا معمر, فـي قوله: الّذِينَ هُمْ فِـي صَلاتِهمْ خاشِعُونَ قال الـحسن: خائفون. وقال قتادة: الـخشوع فـي القلب.
ـ حدثنـي علـيّ, قال: حدثنا عبد الله, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس, فـي قوله: الّذِينَ هُمْ فِـي صَلاتِهمْ حاشعُونَ يقول: خائفون ساكنون.
وقد بـيّنا فـيـما مضى قبل من كتابنا أن الـخشوع التذلل والـخضوع بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. وإذ كان ذلك كذلك, ولـم يكن الله تعالـى ذكره دلّ علـى أن مراده من ذلك معنى دون معنى فـي عقل ولا خبر, كان معلوما أن معنى مراده من ذلك العموم. وإذ كان ذلك كذلك, فتأويـل الكلام ما وصفت مِنْ قَبْلُ من أنه: والذين هم فـي صلاتهم متذللّون لله بإدامة ما ألزمهم من فرضه وعبـادته, وإذا تذلل لله فـيها العبد رؤيت ذلة خضوعه فـي سكون أطرافه وشغله بفرضه وتركه ما أمر بتركه فـيها.
3- القرطبى
قوله تعالى: "خاشعون" روى المعتمر عن خالد عن محمد بن سيرين قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية "الذين هم في صلاتهم خاشعون". فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد. وفي رواية هشيم: كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون حتى أنزل الله تعالى: "قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون"؛ فأقبلوا على صلاتهم وجعلوا ينظرون أمامهم. وقد تقدم ما للعلماء في حكم المصلي إلى حيث ينظر في "البقرة" عند قول "فول وجهك شطر المسجد الحرام" [البقرة: 144]. وتقدم أيضا معنى الخشوع لغة ومعنى في البقرة أيضا عند قوله تعالى: "وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين" [البقرة: 45]. والخشوع محله القلب؛ فإذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه؛ إذ هو ملكها، حسبما بيناه أول البقرة. وكان الرجل من العلماء إذا أقام الصلاة وقام إليها يهاب الرحمن أن يمد بصره إلى شيء وأن يحدث نفسه بشيء من الدنيا. وقال عطاء: هو ألا يعبث بشيء من جسده في الصلاة. وأبصر صلى الله عليه وسلم صلى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه). وقال أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم. (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يحركن الحصى". رواه الترمذي. وقال الشاعر:
ألا الصلاة الخير والفضل أجمع لأن بها الآراب لله تخضع
وأول فرض من شريعة ديننا وآخر ما يبقى إذا الدين يرفع
فمن قام للتكبير لاقته رحمة وكان كعبد باب مولاه يقرع
وصار لرب العرش حين صلاته نجيا فيا طوباه لو كان يخشع
وروى أبو عمر أن الجوني قال: قيل لعائشة ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: أتقرؤون سورة المؤمنين؟ قيل نعم. قالت: اقرؤوا؛ فقرئ عليها "قد أفلح المؤمنون - حتى بلغ - يحافظون". وروى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته يمينا وشمالا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره. وقال كعب بن مالك في حديثه الطويل: ثم أصلي قريبا منه - يعني من النبي صلى الله عليه وسلم - وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني... الحديث؛ ولم يأمره بإعادة.
@ اختلف الناس في الخشوع، هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها على قولين. والصحيح الأول، ومحله القلب، وهو أول علم يرفع من الناس؛ قاله عبادة بن الصامت، رواه الترمذي من حديث جبير بن نفير عن أبي الدرداء، وقال: هذا حديث حسن غريب. وقد خرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي من طريق صحيحة. قال أبو عيسى: ومعاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدا تكلم فيه غير يحيى بن سعيد القطان.
قلت: معاوية بن صالح أبو عمرو ويقال أبو عمر الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: صالح الحديث، كتب حديثه ولا يحتج به. واختلف فيه قول يحيى بن معين، ووثقه عبدالرحمن بن مهدي أحمد بن حنبل وأبو زرعة الرازي، واحتج به مسلم في صحيحه.
4- البغوى
" الذين هم في صلاتهم خاشعون "، اختلفوا في معنى الخشوع، فقال ابن عباس: مخبتون أذلاء. وقال الحسن و قتادة : خائفون. وقال مقاتل : متواضعون. وقال مجاهد : هو غض البصر وخفض الصوت. والخشوع قريب من الخضوع إلا أن الخضوع في البدن، والخشوع في القلب والبدن والبصر والصوت، قال الله عز وجل: " وخشعت الأصوات للرحمن " (طه-108). وعن علي رضي الله عنه: هو أن لا يلتفت يميناً ولا شمالاً. وقال سعيد بن جبير : هو أن لا يعرف من على يمينه ولا من على يساره، ولا يلتفت من الخشوع لله عز وجل. أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا مسدد ، أخبرنا أبو الأحوص ، أخبرنا أشعث بن سليم ، عن أبيه، عن مسروق ، عن عائشة قالت: " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال:هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ". وأخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو الحسن القاسم بن بكر الطيالسي ببغداد، أخبرنا أبو أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي ، أخبرنا عبد الغفار بن عبيد الله ، أخبرنا صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، عن أبي الأحوص ، عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يزال الله مقبلاً على العبد ما كان في صلاته مالم يلتفت فإذا التفت أعرض عنه ". وقال عمرو بن دينار : هو السكون وحسن الهيئة. وقال ابن سيرين وغيره: هو أن لا ترفع بصرك عن موضع سجودك. وقال أبو هريرة: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة فلما نزل: " الذين هم في صلاتهم خاشعون " رموا بأبصارهم إلى مواضع السجود. أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا علي بن عبد الله ، أخبرنا يحيى بن سعيد ، أخبرنا ابن أبي عروبة ، أخبرنا قتادة أن أنس ابن مالك حدثهم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم ". وقال عطاء : هو أن لا تعبث بشيء من جسدك في الصلاة. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم "أبصر رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ". أخبرنا أبو عثمان الضبي ، أخبرنا أبو العباس المحبوبي ، أخبرنا أبو عيسى الترمذي ، أخبرنا سعيد ، عن عبد الرحمن المخزومي، أخبرنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن أبي الأحوص ، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه". وقيل: الخشوع في الصلاة هو جمع الهمة، والإعراض عما سواها، والتدبر فيما يجري على لسانه من القراءة والذكر
5- الشوكانى
الذين هم في صلاتهم خاشعون" وما عطف عليه، والخشوع: منهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات والعبث، وهو في اللغة السكون والتواضع والخوف والتذلل. وقد اختلف الناس في الخشوع هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها؟ على قولين: قيل الصحيح الأول، وقيل الثاني. وادعى عبد الواحد بن زيد إجماع العلماء على أنه ليس للعبد إلا ما عقل من صلاته، حكاه النيسابوري في تفسيره. قال: ومما يدل على صحة هذا القول قوله تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن" والتدبر لا يتصور بدون الوقوف على المعنى، وكذا قوله: "أقم الصلاة لذكري" والغفلة تضاد الذكر، ولهذا قال: "ولا تكن من الغافلين" وقوله: "حتى تعلموا ما تقولون" نهي للسكران والمستغرق في هموم الدنيا بمنزلته
6- الشنقيطى
قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ}. ذكر جل وعلا في هذه الآيات التي ابتدأ بها أول هذه السورة علامات المؤمنين المفلحين فقال {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي فازوا وظفروا بخير الدنيا والآخرة.
وفلاح المؤمنين مذكور ذكراً كثيراً في القرآن كقوله {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً} وقوله {ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ} أصل الخشوع: الكون، والطمأنينة، والانخفاض ومنه قول نابغة ذبيان: رماد ككحل العين لأياً أبينه ونؤى كجذم الحوض أثلم خاشع
وهو في الشرع: خشية من الله تكون في القلب، فتظهر آثارها على الجوارح.
وقد عد الله الخشوع من صفات الذين أعد لهم مغفرة وأجراً عظيماً في قوله في الأحزاب {وَٱلْخَـٰشِعِينَ وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ} إلى قوله {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}.
وقد عد الخشوع في الصلاة هنا من صفات المؤمنين المفلحين، الذين يرثون الفردوس، وبين أن من لم يتصف بهذا الخشوع تصعب عليه الصلاة في قوله {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ} وقد استدل جماعة من أهل العلم بقوله {ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ} على أن من خشوع المصلي: أن يكون نظره في صلاته إلى موضع سجوده، قالوا: كان النَّبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة، فأنزل الله {ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ} فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد.
وقال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة «أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت {ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ} فطأطأ رأسه» ا هـ منه.
وأكثر أهل العلم على أن المصلي ينظر إلى موضع سجوده، ولا يرفع بصره. وخالف المالكية الجمهور، فقالوا: إن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده، واستدلوا لذلك بقوله تعالى {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} قالوا: فلو نظر إلى موضع سجوده لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء، وذلك ينافي كمال القيام. وظاهر قوله تعالى {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} لأن المنحني بوجهه إلى موضع سجوده، ليس بمول وجهه شطر المسجد الحرام، والجمهور على خلافهم كما ذكرنا.
واعلم أن معنى أفلح: نال الفلاح، والفلاح يطلق في لغة العرب على معنيين:
الأول: الفوز بالمطلوب الأكبر، ومنه قول لبيد: فاعقلي إن كنت لما تعقلي ولقد أفلح من كان عقل
أي فاز من رزق العقل بالمطلوب الأكبر.
والثاني: هو إطلاق الفلاح على البقاء السرمدي في النعيم، ومنه قول لبيد أيضاً في رجز له: لو أن حياً مدرك الفلاح لناله ملاعب الرماح
يعني مدرك البقاء، ومنه بهذا المعنى قول كعب بن زهير، أو الأضبط بن قريع: لكل هم من الهموم سعه والمسى والصبح لا فلاح معه
أي لا بقاء معه، ولا شك أن من اتصف بهذه الصفات التي ذكرها الله في أول هذه السورة الكريمة دخل الجنة كما هو مصرح به في الآيات المذكورة، وأن من دخل الجنة نال الفلاح بمعنييه المذكورين، والمعنيان اللذان ذكرنا للفلاح بكل واحد منهما، فسر بعض العلماء حديث الأذان والإقامة في لفظة: حي على الفلاح.
7- السعدى
". والخشوع في الصلاة هو: حضور القلب بين يدي الله تعالى, مستحضرا لقربه. فيسكن لذلك قلبه, وتطمئن نفسه, وتسكن حركاته ويقل التفاته, متأدبا بين يدي ربه, مستحضرا جميع ما يقوله ويفعله في صلاته, من أول صلاته, إلى آخرها, فتنتفي بذلك, الوساوس والأفكار الردية. وهذا روح الصلاة, والمقصود منها, وهو الذي يكتب للعبد. فالصلاة التي لا خشوع فها ولا حضور قلب, وإن كانت مجزية مثابا عليها, فإن الثواب على حسب ما يعقل للقلب منها.
8- البيضاوى
^ الذين هم في صلاتهم خاشعون ^ خائفون من الله سبحانه وتعالى متذللون له ملزمون أبصارهم مساجدهم روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي رافعا بصره إلى السماء فلما نزلت رمى ببصره نحو مسجده وأنه رأى رجلا يعبث بلحيته فقال لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه
9- الجلالين
الذين هم في صلاتهم خاشعون) متواضعون
10- الزمخشرى
" خشعون " الخشوع في الصلاة: خشية القلب وإلباد البصر - عن قتادة: وهو إلزامه موضع السجود.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يصلي رافعاً بصره إلى السماء فلما نزلت هذه الآية رمى ببصره نحو مسجده وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة هاب الرحمن أن يشد بصره إلى شيء أو يحدث نفسه بشأن من شأن الدنيا.
وقيل: هو جمع الهمة لها والإعراض عما سواها.
ومن الخشوع: أن يستعمل الآداب فيتوقى كف الثوب والعبث بجسده وثيابه والالتفات والتمطي والتثاؤب والتغميض وتغطية الفم والسدل والفرقعة والتشبيك والاختصار وتقليب الحصا.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أبصر رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: " لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه " ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصا وهو يقول: اللهم زوجني الحور العين فقال: بئس الخاطب أنت تخطب وأنت تعبث.