و جوه إعجاز القرآن :
1 ـ فصاحته
و إعجاز القرآن في خروجه عن كلام البشر و إضافته إلى الله تعالى يكون من عشرين وجهاً :
أحدها : فصاحته و بيانه : و ذلك معتبر بثلاثة شروط . أحدها : بلاغة ألفاظه ، و الثاني : اسيفاء معانيه ، و الثالث : حسن نظمه . فأما بلاغة ألفاظه فتكون من وجهين : أحدهما جزالتها حتى لا تلين .
و الثاني انطباعها حتى لا تخبو .
و أما استيفاء معانيه فيكون من وجهين :
أحدهما : أن يكون المعنى لائحاً في مبادي ألفاظه غير مفتقر إلى مقاطعه .
و الثاني : أن يكون المعنى مطابقاً لألفاظه فلا يزيد عليها و لا يقصر عنه ، فإن زاد كان الاختلال في اللفظ ، و إن نقص كان الاختلال في المعنى .
و أما حسن نظمه فيكون من وجهين : أحدهما أن يكون الكلام متناسباً لا يتنافر ، و الثاني أن يكون الوزن معتدلاً لا يتباين .
فإن قيل : قد يجتمع في كلام البشر ما يستكمل هذه الشروط فبطل به الإعجاز . فالجواب عنه من وجهين :
أحدهما : أن أسلوب نظمه على هذه الشروط معدوم في غيره ، فافترقا .
و الثاني : أن لنظم ألفاظه بهجة لاتوجد في غيره ، فاختلفا لأنك إذا جمعت بين قول الله تعالى : ولكم في القصاص حياة و بين قولهم [ القتل أنفى للقتل ] و جدت بينهما فروقاً في اللفظ و المعنى .
2ـ إيجازه :
و الوجه الثاني من إعجازه ، إيجازه عن هذا الإكثار ، و استيفاء معانيه في قليل الكلام كقوله تعالى : وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين .
فإن قيل : ليس جميعه و جيزاً مختصراً و فيه المبسوط و المكرر ، و بعضه أفصح من بعض ، و لو كان من عند الله لتماثل ، و لم يتفاضل ، لأن التفاضل في كلام من يكل خاطره ، و تضعف قريحته . فعنه جوابان :
أحدهما : أن اختلافه في البسط و الإيجاز ليس للعجز عن تماثله . ولكن لاختلاف الناس في تصوره و فهمه و تفاضله في الفصاحة بحسب تفاضل معانيه لا للعجز عن تساويه .
و الثاني : أنه خالف بين مبسوطه و مختصره ، و بين أفصحه و أسهله ، ليكون العجز عن أسهله و أبسطه أبلغ في الإعجاز من العجز عن أفصحه و أخصره . و لذلك فاضل بين خلقه ليعرف به فرق ما بين الفاضل و المفضول .
و قد حكى أبو عبيدة أن أعرابياً سمع رجلاً يقرأ : فاصدع بما تؤمر فسجد و قال : سجدت لفصاحة هذا الكلام .
فأما تكرار قصصه و تكرار وعده وو عيده ، فلأسباب مستفادة ، منها أنها في التكرار أوكد و في المبالغة أزيد و منها أنها تتغاير ألفاظها فتكون إلى القبوا أسرع و في الإعجاز أبلغ . و منها أنها إن أخل بالوقوف عليها في موضع أدركها في غيره ، فلم يخل من رغب و رهب .
3ـ علوم عن منظوم الكلام و منثوره :
و الوجه الثالث من إعجازه : أن نظم أسلوبه و وصف اعتداله يخرج عن منظوم الكلام و منثوره ، و لا يدخل في شعر و لا رجز ، و لا سجعة و لا خطبة حتى تجاوز محصور أقسامه ، و باين سائر أنواعه بأسلوب لا يشاكل ، و نظم لا يماثل . فصار و إن كان من حروف الكلام خارجاً عن أقسام الكلام ، فقد قال أنيس الغفاري و هو أخو أبي ذر الغفاري . و كان من الموصوفين بالتقدم في [ البلاغة و الفصاحة ] : عرضت القرآن على السجع و الشعر و النظم ، و النثر ، فلم يوافق شيئاً من طرق كلام العرب .
و حكي عن الوليد بن المغيرة ـ و كان سيد عشيرته و أفصح قومه ـ أنه جاء إلى أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم ، و هو على كفره ، فقال : اقرؤا علي شيئاً من القرآن فقرؤا عليه .
فقال : ليس هذا من كلام البشر ، و ليس بشعر . فمضى إليه أبو لهب قال : أفسدت قريشاً بهذا القول فارجع عنه . فقال : أقول إنه سحر .
و قد تعاطاه من الشعراء ما خرج عن أسلوبه إلى طريقة شعره فقال في قصة الفيل :
ألا من مهلك الفيل و من سار مع الفيل
بطير صبه الله عليهم من أبابيل
رمتهم بجناديل ترى من طين سجيل
فأضحى القوم في القاع كعصف غير مأكول
فلم يساعده الطبع عليه مع أخذ معانيه و استعمال ألفاظه حتى عاد إلى مطبوع شعره .
و ضمن آخر من الشعراء شيئاً منه في شعره فخرج عن أسلوبه حيث يقول :
و قرا معاناً ليصدع قلبي و الهوى يصدع الفؤاد السقيما
أرأيت الذي يكذب بالدين فلذاك الذي يدع اليتيما
فإن قيل : لو كان لنظم القرآن أسلوب معجز لما طلب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عند جمع القرآن من يأتيه بالآية و الآيتين شهوداً ، أنه سمعه من رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم و لاكتفى بأسلوب نظمه عن بينة تشهد به ، و لكان لا يشتبه على ابن مسعود في المعوذتين حين أخرجهما من القرآن ، و لا على أبي بن كعب في القنوت حين أدخله في القرآن ، و لا على امرأة ابن رواحة في شعره حتى توهمته من القرآن . فعنه جوابان :
أحدهما : أن عمر التمس الشهادة في الآية و الآيتين . مما لا يكون بانفرداه معجزاً لأن الإعجاز مختص بما وقع به التحدي ، و أقل ما يقع به التحدي كأقصر سورة في القرآن آيات و حروفاً و هي سورة الكوثر و ما قصر عنه لا إعجاز فيه . فكان طلبه للشهادة متوجهاً إليه .
و الثاني : أنه طلب الشهادة على محلها من أي سورة هي ، و في أي موضع منها توضع و إن كان معلوم الأسلوب بالمباينة لأن الله تعالى كان يأمر بوضع ما أنزله فيما يراه من السور لقوله تعالى : إن علينا جمعه وقرآنه .
فأما ابن مسعود فلم يشكل عليه أسلوب المعوذتين أنهما من القرآن ، إنما حكمهما من مصحفه لأنه ظن أن تلاوتهما قد نسخت .
و أما أبي بن كعب فظن أن تلاوة القنوت باقية و لم يعلم أنها قد نسخت .
و أما امرأة ابن رواحة فلم تكن من ذوي الفصاحة و البلاغة فتفرق بين الشعر و أسلوب القرآن فلم يكن لوهمها تأثير .
4 ـ كثرة معانيه :
و الوجه الرابع من إعجازه ، كثرة معانيه التي لا يجمعها كلام البشر ، و ذلك وجهين :
أحدهما : ما يجمعه قليل الكلام من كثير المعاني كقوله تعالى : وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فجمع في آية واحدة بين أمرين ، و نهيين ، و خبرين ، و بشارتين .
و الثاني : أن ألفاظه تحتمل معاني متغايرة تحار فيها العقول ، و تذهل فيها الخواطر ، و تكل فيها القرائح . ثم لا تبلغ أقصاه و لا تدرك منتهاه حتى اختلف فيه الوجوه و تقابلت فيه النظائر .
فإن قيل : فهذا ألغاز و رمز هو بالذم منه أولى بالحمد فعنه جوابان :
أحدهما : أن الألغاز و إن ذم فالرمز ليس بمذموم ، و ليس فيه لغز و إن كان فيه رمز .
و الثاني : أن ما اختلف معانيه يخرج عن اللغز و الرمز ، لأن اللغز ما أريد به غير معناه ، و الرمز ما خفي معناه .
5 ـ جمعه للعلوم :
و الوجه الخامس من إعجازه ما جمعه القرآن من علوم لا يحيط بها بشر ، و لا تجتمع في مخلوق ، فلم يكن إلا من عند الله المحيط بكل شيء علماً حتى علمه من لم يكن به عالماً .
فإن قيل : فضل العلم لا يكون إعجازاً في النبوات . لأن العلماء قد يتفاضلون و لا يكون للأفضل إعجاز على المفضول فعنه جوابان :
أحدهما : أن التفاضل في العلم موجود و الإحاطة بجميع العلوم مفقود .
و الثاني : أن ظهور العلم فيمن يتعاطاه ليس بمعجز لظهوره من جهته ، و ظهور فيمن لم يتعاطه معجزاً لظهوره من غير جهته .
و قد كان أمياً من أمة أميه لم يقرأ كتاباً و لم يتعاط علما فصار ما أظهر معجزاً .