واجب دفعها
والقسمة كما ترى : واحد ظالم لنفسه مبين , وآخر مظلوم . ومن قواعد الملة : (( نصر المسلم أخاه المسلم ظالما أو مظلوما )) لا على مقصد أول من تكلم بها : جندب بن العنبر , إذ أراد بها حمية الجاهلية , ولكن على مقصد النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أخذ - صلى الله عليه وسلم - الصورة , ونقلها إلى معنى شريف بمعنى :
نصرته ظالما , بالأخذ على يده , وإبداء النصح له , وإرشاده وتخليصه من بناء الأحكام على الظنون والأوهام , وإعمال اليقين مكان الظن , والبينة محل الوسوسة , والصمت عن القذف بالباطل والإثم , ومبدأ حسن النية , بدل سوء الظن والطوية , وتحذيره من نقمة الله وسخطه .
ونصرته مظلوما , بردع الظالم عنه , والإنصاف له منه , والدفع عن عرضه وكرامته , وتسليته , وتذكيره , بماله من الأجر الجزيل , والثواب العريض , وأن الله ناصره - بمشيئته - ولو بعد حين .
وهذه النصرة لهما من محاسن الإسلام , وأبواب الجهاد , وتعلن النذارة لذوي النفوس الشريرة ملة الشقاق والشغب أن على الدرب رجالا بالمرصاد , على حد قول الله تعالى :
{ فشرد بهم من خلفه لعلهم يذكرون } [ الأنفال : 57 ] .
فتنقمع نفوسهم وهم يسفون المل , وينطوي عن الساحة الشقاق والشغب , وتلقين الناس السؤال عن فلان وعلان , وما يجره من تعب من غير أرب .
لهذا جرى القلم في عرض ما هو كائن في معيار الشرع المطهر , عسى أن يكون وسيلة إنقاذ لمن أضناه مشوار التجريح
والتصنيف , فيلقي عصا التسيار قبل الممات .
وسلوة لمظلوم مضرج برماح الجراحين , فتكشف الضر , وتبعد السوء .
وتحذيرا لكل عبد مسلم , من سبيل من احاطت به خطيئته .
وعسى أن يكون في هذه الأوراق تطهير لجماعة المسلمين من هذه الرواسب , وأمن من هذه المخاوف , ونرفع بها الغطاء عن هذه المحنة الدفينة ؛ لإطفاء جذوتها وكتم حملتها , خشية أن تعمل عملها فتفرق كلمة المسلمين , وتوجد الفروق بينهم , فيتخطفهم الناس , ويبقى صوت الحق ضئيلا , وحامله ضعيفا .
ومع هذا فلن تراها سجلا للحوادث والواقعات المرة , فهي كثيرة , وصاحبها حامل لمسؤليتها { فكلا أخذنا بذنبه} من"الآية : 40 العنكبوت". لكنها أحرف جريئة في ورقات قليلة , تقرع جرس النذارة من هذه المكيدة: (تصنيف الناس) اعتداء, و(( تجريحهم )) بغيا وعدوانا , فتكشف هذه الظاهرة بجلاء , وتواجه وجوه الذين يتعاملون معها بنصوص واضحة , وقوارع من نصوص الوحيين ظاهرة , فإلى فاتحة البيان لها :
* إن جارحة اللسان الناطق بالكلام المتواطأ عليه , أساس في الحياة والتعايش دينا ودنيا , فبكلمة التوحيد يدخل المرء في ملة الإسلام , وبنقضها يخرج منها , وبين ذلك مراحل انتظمت أبواب الشريعة , فلو نظرت إلى (( الكلام )) وما بني عليه من أحكام لوجدت من ذلك عجبا في : الطهارة , والصلوات , وسائر أركان الإسلام , والجهاد , و البيوع , والنكاح , والطلاق , والجنايات , والحدود , والقضاء , ...
بل أفردت أبواب في الفقهيات كلها لما تلفظ به هذه الأداة : (( اللسان )) :
في أبواب : القذف , والردة , والأيمان , والنذور , والشهادات , والإقرار .
وفي اصل الأصول : (( التوحيد )) يدور عليه البحث والتأليف .
فكم من كلام أوجب ردة فقتلا, أو واجب قذفا فجلدا, أو أوجب كفارات أو نزعت بسببه حقوق فردت مظالم إلى أهلها . أو إقرار أوجب بمفرده حكما , ولذا قالوا : (( إقرار المرء على نفسه أقوى البينات )) .
وهكذا من مناهج الشريعة المباركة الغراء ؛ ولهذا تكاثرت
نصوص الوحيين الشريفين في تعظيم شأن السان ترغيبا وترهيبا , وأفرد العلماء في جمع غفير من مفرداته المؤلفات ففي الترغيب : الدعوة إلى الله على بصيرة , ونشر العلم بالدرس , وفضل الصدق , وكلمة الحق ...
وفي الترهيب : عن الغيبة , والنميمة , والكذب , وآفات اللسان الأخرى .
وقد جمعت في ذلك (( معجم المناهي اللفظية )) وبسطت أصوله الشرعية في مقدمته .
* وإذا علمت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال فيما صح عنه :" من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه : أضمن له الجنة".علمت أن هذه(( الضمانة))لا تلعق إلا على أمر عظيم .
وهذه بمؤداها (( رقابة شرعية )) على حفظ أعراض المسلمين وكف الأذى عنهم في (( العرض , والدين , والنسب , والمال , والبدن , والعقل )) .
ولما جمع الله شمل المسلمين أعلنها النبي - - في حجة الوداع , فقال - - في خطبته الجامعة على مسمع يزيد عن مائة ألف نفس من المسلمين :
" إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت " .