وأما السنة
فلا بد أن نعلم أولا أنه لم يقل أحد من فقهاء المسلمين باشتراط التواتر في الحديث حتى يؤخذ منه الحكم الشرعي، ومن أراد أن يشترط ذلك فكأنه يريد أن ينسلخ من الدين جملة ؛ ذلك لأن معظم الأحاديث الصحيحة التي بين أيدينا لم تبلغ درجة التواتر، وقليل من الأحاديث هو المتواتر، غير أن بعض العلماء اشترط التواتر في الأحاديث التي يستدل بها في مجال العقيدة، وهذا أمر ليس متفقا عليه، بل أغلب فقهاء الحديث يرى أن الحديث إذا صح أخذ بها في العقيدة والشريعة متواترا كان ، أو آحادا، وللأحناف موقف مفصل في حكم العمل بالحديث الآحاد لا تحتمله هذه الفتوى، فيراجعه في كتب الأصول عندهم من شاء .
ومن الأحاديث التي دلت على فرضية حجاب المرأة ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صنفان من أهل النار لم أرهما. قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس. ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها. وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا).
وما رواه أبو داود من حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأسماء ( يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها شيء إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه). وهذا حديث اختلف فيه المحدثون كثيرا، فدافع عنه الشيخ الألباني، وحسنه، وأنزله عن رتبة الحسن محدثون آخرون، ولكن الأمر المهم هنا هو أن من ضعف الحديث لم يذهب إلى عدم وجوب الحجاب، ولكنه ذهب إلى أن تغطية الوجه والكفين فرض واجب، وهذا لأن الحديث استثنى هذين الموضعين، ومن طعن في الحديث فإنه لن يستثني هذين الموضعين.
ومنها ما رواه الترمذي وغيره من حديث عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من جرَّ ثوبهُ خيلاءَ لم ينظرْ اللهُ إليهِ يومَ القيامةِ فقالت أمُّ سلمةَ: فكيفَ يصنعُ النِّساءُ بذُيُولهنَّ؟ قال: يُرخينَ شبراً، فقالت: إذاً تنكشفُ أقدامُهُنَّ، قال: فيرخِينهُ ذراعاً لا يزدنَ عليهِ) . والحديث صححه الشيخ الألباني .
ومنها ما رواه الطبراني في معجمه الكبير من حديثعقبة بن عامر أن أخت عقبة نذرت أن تمشي الى بيت الله حافية حاسرة فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما شأن هذه قالوا أنها نذرت أن تمشي إلى بيت الله حافية حاسرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مروها فلتختمر ولتركب ولتحج. والحديث صححه الشيخ الألباني . وفي رواية للحديث جاء فيها (وتغطي شعرها) وهذه الرواية صححها أيضا الشيخ الألباني .
ويقول الشيخ القرضاوي مبينا حكم الحجاب عند المذاهب الأربعة :-
مذهب الحنفية :-
في كتاب لاختيار " من كتب الحنفية يقول:.
(ولا ينظر إلى الحرة الأجنبية، إلا إلى الوجه والكفين، إن لم يخف الشهوة.. وعن أبي حنيفة: أنه زاد القدم، لأن في ذلك ضرورة للأخذ والإعطاء، ومعرفة وجهها عند المعاملة مع الأجانب، لإقامة معاشها ومعادها، لعدم من يقوم بأسباب معاشها.
قال: وأما القدم، فروي أنه ليس بعورة مطلقًا لأنها تحتاج إلى المشي فيبدو، ولأن الشهوة في الوجه واليد أكثر، فلأن يحل النظر إلى القدم كان أولى.
وفي رواية: القدم عورة في حق النظر دون الصلاة). (الاختيار لتعليل المختار، تأليف عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي 4/156).
مذهب المالكية:-
وفي الشرح الصغير للدردير المسمى " أقرب المسالك إلى مذهب مالك ":.
(وعورة الحرة مع رجل أجنبي منها أي ليس بمحرم لها جميع البدن غير الوجه والكفين.. وأما هما فليسا بعورة).
وقال الصاوي في حاشيته معلقا: (أي فيجوز النظر لهما لا فرق بين ظاهرهما وباطنهما، بغير قصد لذة ولا وجدانها، وإلا حرم.
في مذهب الشافعية:-
وقال الشيرازي صاحب " المهذب " من الشافعية.
(وأما الحرة فجميع بدنها عورة، إلا الوجه والكفين (قال النووي: إلى الكوعين لقوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) قال ابن عباس: وجهها وكفيها (قال النووي " في المجموع ": هذا التفسير المذكور عن ابن عباس قد رواه البيهقي عنه وعن عائشة رضي الله عنهم)، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- " نهى المحرمة عن لبس القفازين والنقاب " (الحديث في صحيح البخاري، عن ابن عمر رضي الله عنهما : " لا تنتقب المحرمة، ولا تلبس القفازين) ولو كان الوجه والكف عورة لما حرم سترهما، ولأن الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للبيع والشراء، وإلى إبراز الكف للأخذ والعطاء، فلم يجعل ذلك عورة).
وأضاف النووي في شرحـه للمهذب " المجموع ": (إن مـن الشافعية مـن حكى قولاً أو وجها أن باطن قدميها ليس بعورة، وقال المزني: القدمان ليستا بعورة، والمذهب الأول). (المجموع 3/167، 168).
في مذهب الحنابلة:-
وفي مذهب الحنابلة نجد ابن قدامة في " المغنى" (المغني 1/1، 6، ط المنار).يقول (لا يختلف المذهب في أنه يجوز للمرأة كشف وجهها في الصلاة، وأنه ليس لها كشف ما عدا وجهها وكفيها، وفي الكفين روايتان:.
واختلف أهل العلم، فأجمع أكثرهم على أن لها أن تصلي مكشوفة الوجه، وأجمع أهل العلم على أن للمرأة الحرة أن تخمر رأسها إذا صلت، وعلى أنها إذا صلت وجميع رأسها مكشوف أن عليها الإعادة.
وقال أبو حنيفة: القدمان ليستا من العورة، لأنهما يظهران غالبًا فهما كالوجه.
وقال مالك والأوزاعي والشافعي: جميع المرأة عورة إلا وجهها وكفيها، وما سوى ذلك يجب ستره في الصلاة لأن ابن عباس قال في قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) قال: الوجه والكفين ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم- نهى المحرمة عن لبس القفازين والنقاب، ولو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما، ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء.
وقال بعض أصحـابنا: المـرأة كلهـا عـورة ؛ لأنه قد روي في حـديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- (المرأة عورة) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح لكن رخص لها في كشف وجهها وكفيها لما في تغطيته من المشقة، وأبيح النظر إليه لأجل الخطبة لأنه مجمع المحاسن، وهذا قول أبي بكر الحارث بن هشام، قال: المرأة كلها عورة حتى ظفرهـا).
والله أعلم .